أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1619.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلمى هوساوي

علم التاريخ والمؤرخون النخبويون

يُمثّل علم التاريخ ذاكرة الأمم وهويتها، ومن خلاله تتشكّل صورة الماضي، وتُفهم تحولات الحاضر، وتُستشرف ملامح المستقبل، إلا أن الكتابة التاريخية المعاصرة تواجه تحديات متعددة ترتبط بمصادر المعرفة، والمناهج المتبعة، وطبيعة التكوين الفكري للباحثين. وعلى الرغم من حضور التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعات، فإن المؤرخ لا يزال - في كثير من الأحيان - غائباً عن تحليل الأحداث الراهنة لصالح المتخصصين في الإعلام والعلوم السياسية، وهو ما يثير تساؤلاً جوهرياً: لماذا تراجع حضور المؤرخ في المشهد المعاصر؟ وهل يعود ذلك إلى طبيعة التخصص أم إلى طريقة تناول الأحداث وإنتاج المعرفة التاريخية؟


ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين المؤرخ المعاصر للحدث، والباحث في التاريخ، والمحلل السياسي أو الإعلامي؛ فلكل منهم أدواته ومناهجه، غير أن الحاجة تظل قائمة إلى المؤرخ الباحث القادر على الجمع بين التوثيق والتحليل والنقد.


ويقدم ابن خلدون نموذجاً بارزاً للمؤرخ النخبوي؛ إذ لم يكتفِ بتدوين الأحداث، وإنما حاول تفسيرها والكشف عن أسبابها وسياقاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الدينية، ووضع تصورات ونظريات لم تكتسب بعض نظائرها في الفكر الغربي حضورها إلا بعد فترة زمنية طويلة.


ومن هنا ينبغي أن نشير إلى أن المؤرخ النخبوي يحتاج إلى منظومة متكاملة من السمات العلمية والفكرية، في مقدمتها: سعة الثقافة، والوعي النقدي، والشجاعة العلمية، والاستقلال الفكري، والمصداقية، والموضوعية، والقدرة على تحليل المصادر، والمقارنة بين الروايات على الرغم من تباينها. كما يحتاج إلى الوعي بذاته؛ ليعرف متى يستند إلى الدليل، ومتى يتحول تدخله الشخصي إلى تأثير في الحدث التاريخي. وهذه المسافة بين الذات والدليل تمثل أحد أهم شروط الكتابة التاريخية الرصينة.


وفي السياق ذاته، نحن بحاجة إلى مؤسسات ومراكز متخصصة في العلوم التاريخية، تتعامل مع التاريخ على أنه العلم الجامع تتداخل فيه السياسة والاجتماع والاقتصاد والدين والآثار والثقافة والعادات والتقاليد وغيرها من العلوم؛ فالتاريخ هو هوية الأمة وذاكرتها، وقراءته بوعي فكري ونقدي ضرورة لفهم من نحن، وما كنا عليه، وإلى أين نتجه.


وفي مجمل القول: لا نريد أن ننتظر وفاتنا حتى تُكتشف قيمة أعمالنا وأفكارنا، كما حدث مع ابن خلدون؛ فقد ظلت مقدمته، وهي في الأصل جزء من كتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر»، بعيدة عن الدراسات التاريخية، ولم تتضح مكانتها العلمية والفكرية على نطاق واسع إلا بعد وفاته. ولذلك نعتقد أن من حق المؤرخ والباحث أن تحظى جهوده بالقراءة والتقدير والنقد العلمي في حياته، لا أن يُكتشف أثره ويُحتفى بإنتاجه بعد رحيله.

منذ 9 ساعات

الجوهرة.. مستشارة الملك عبدالعزيز الأولى

أدّت النساء في أسرة آل سعود دوراً محورياً في العديد من المجالات، كالطب الشعبي، والقيادة، والأعمال الخيرية وخدمة المجتمع، وتُعدّ الأميرة الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي بن عبدالله آل سعود إحدى أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ الدولة السعودية الثانية؛ فهي تنتمي إلى الجيل الذي شهد ذروة قوة الدولة. وقد اكتسبت الجوهرة مكانتها من تلاقي النسب الرفيع مع التقوى والاهتمام بالعلم، إضافةً إلى رعايتها للعلماء وطلبة العلم؛ فقد عُرفت بدعمها السخي للمجالس العلمية، وحرصها على استضافة العلماء وتشجيع التعليم في محيطها الأسري والاجتماعي. فضلاً عن عنايتها بجمع الكتب وجعلها وقفاً لطلبة العلم؛ مما يعكس إدراكها لقيمة المعرفة وأهمية حفظ مصادر العلم وإتاحتها للأجيال القادمة. كما أولت اهتماماً كبيراً بالأوقاف الأخرى؛ باعتبارها وسيلة لاستمرار النفع وخدمة المجتمع، ومنها وقف زينة العروس ووقف المياه وغيرها. ولِما حظيت به من احترام وتقدير داخل أسرة آل سعود؛ فقد كانت تلقب بـ«العمة»، ولم تكن مكانتها نابعة من النسب فحسْب، بل من شخصيتها التي عُرفت بالحكمة والذكاء؛ مما جعل منها مستشارة للملك عبدالعزيز ومؤثرة في حياته، وفيها يقول: «لقد بقيت كلماتها هذه ولا تزال في قلبي دائماً».

إذ أشارت عليه بالزواج من الأميرة سارة بنت الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي آل سعود. إضافة إلى ذلك، كان لها دور في تشجيعه على استرداد الرياض وإعادة حكم آبائه وأجداده؛ مما يكشف حضور المرأة في صناعة القرار من خلال الرأي والحكمة؛ إذ قالت للملك عبدالعزيز: «عليك أن تحيي عظمة بيت ابن سعود». واعتمد عليها الملك عبدالعزيز في تثقيف نساء أسرة آل سعود وتعليمهن في قصره، وكان يستمع إلى نصحها ومشورتها في معظم شؤونه. ونتيجة لهذه المكانة الرفيعة التي وصلت لها داخل الأسرة والمجتمع، ومكانتها في قلب الملك عبدالعزيز؛ حرص على زيارتها يومياً رغم مشاغله.

ولم يتوقف أثرها عند حدود عصرها، بل امتد تأثيرها إلى من بعدها، إذ واصلت ابنة أخيها الإمام عبدالله بن فيصل، الأميرة سارة بنت الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي، هذا النهج في خدمة العلم والعلماء، فأوقفت عدداً من الكتب والمخطوطات والأراضي وغيرها، كما ورثت لقب العمة.

وفي مجمل القول: فإن الأميرة الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي لم تكن مجرد شاهدة على مرحلة تاريخية مهمة، بل كانت جزءاً من الذاكرة الحية للتحوّلات التي مر بها التاريخ السعودي، فقد امتد بها العمر لتشهد توحيد المملكة العربية السعودية، كما ارتبط حضورها بحياة الملك عبدالعزيز منذ طفولته، إذ كانت تحتضنه وتحدثه عن مكانته المستقبلية والأمور العظيمة التي يجب عليه أن يحقّقها عندما يكبر، وهو ما يعكس صورة مبكرة عن دورها في بث الثقة والطموح في نفسه. ولم تكن تلك الكلمات مجرد حديث عابر، بل أصبحت في الذاكرة رمزاً للعلاقة التي جمعتهما.

00:07 | 6-07-2026

على المدى البعيد

في مقال سابق بعنوان «العلوم الإنسانية بين الإيصاد والتقنين»، ذكرت «أننا لا نستطيع الاستغناء عن العلوم الإنسانية والاعتماد على العلوم التجريبية والتطبيقية؛ فنحن بحاجة إلى أن تعمل هذه العلوم جنبًا إلى جنب لتحقيق الفائدة وبناء مجتمع فكري بقصد الوصول للتنمية المستدامة». في هذا السياق، صدر عن جامعة الملك سعود قرار بإيقاف هذه التخصصات، ثم بعد ذلك صدر قرار آخر بإعادة إتاحة القبول فيها؛ ليؤكد ضرورة إعادة التوازن بين التخصصات التطبيقية والعلوم الإنسانية؛ فرؤية المملكة ٢٠٣٠ في تقريرها السنوي لا تدعو إلى إلغاء العلوم الإنسانية، بل إلى تجويدها، مع التركيز على مخرجات نوعية قادرة على حمل إرث المعرفة ونقله للأجيال القادمة، بدليل تأسيس المعهد الملكي للفنون التقليدية، وجامعة الرياض للفنون، والمعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية.


إن التركيز على التخصصات التي تخدم سوق العمل يؤدي إلى أن ينشئ أجيالًا ماهرة تقنيًا؛ لكنها ضعيفة في الفهم العميق للذات والمجتمع. وهنا تبرز أهمية العلوم الإنسانية، لكونها العمود الأساسي في بناء الإنسان القادر على توظيف مهاراته في صورة فرد مدرك ومسؤول عن ذاته ومجتمعه ووطنه.


إن علم اللغة، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والتربية، وغيرها ليست مجرد مقررات دراسية، بل أدوات لتشكيل الوعي الإدراكي؛ فهذه العلوم تحفظ الهوية، وتبني الفكر وتنظمه وتحصنه من التناقض؛ وغاية ذلك القدرة على فهم الحاضر واستشراف المستقبل. ولا يعني ذلك تجاهل متطلبات سوق العمل، بل إعادة بنائها؛ فالسوق اليوم لم يعد يبحث فقط عن مهارات تقنية، بل عن أفراد يمتلكون التفكير النقدي، والقدرة على التواصل، وهذه كلها مهارات تُصقل في مجال العلوم الإنسانية.


وفي ذات السياق، يمكن تبني نموذج اختياري يعمل على تقليل الكم، وزيادة الكيف، بمعنى اختيار نخبة من الطلبة لدراسة هذه العلوم بعمق، مع إعدادهم جيدًا لنشر المعرفة، وينقلونها بدقة وإتقان. هؤلاء ليسوا مجرد متخصصين، بل صُنّاع وعي، تقع على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيزها.


ويجب أن ننبه إلى أن إهمال العلوم الإنسانية يبدو خيارًا عمليًا على المدى القصير؛ لكنه على المدى البعيد يخلق فراغًا عميقًا لا تعوّضه المهارات التقنية وحدها. ويجب أن ننتبه إلى أن النتائج لا تظهر في مدة قصيرة، بل تتراكم بهدوء حتى تصبح أزمة في المجتمع. والأخطر من ذلك، حين يُهمَل التاريخ والجغرافيا واللغة، يضعف ارتباط الأجيال بجذورها الثقافية، ثم تتآكل الهوية؛ فالهوية ليست شعارات، بل معرفة متراكمة تُفهم وتُفسَّر وتُجدَّد.


إن التركيز على التخصصات التطبيقية في الظاهر لدى البعض كافٍ، لكن الواقع يؤكد أن سوق العمل يحتاج إلى مهارات، مثل: التفكير النقدي، والتواصل الفعال، والحوار البناء، والأسلوب في الإقناع، وفهم السلوك البشري. وهذه مهارات تُغذّيها العلوم الإنسانية. ومن دونها، نحقق كفاءات تنفيذية، لا قيادية؛ فإهمال هذه العلوم يبني فجوة في فهم الذات البشرية وقدرتها على التفسير، ويجعل منها أداة للاستهلاك فقط. أنا أستغرب من الاعتماد كثيرًا على المتخصصين في العلوم التطبيقية والعلمية في المناصب العليا في المؤسسات التعليمية أكثر من العلوم الإنسانية، فيا ترى، هل إتقان اللغة الإنجليزية هو السبب؟!


وفي المجمل، وعلى المدى البعيد، إذا أهملنا العلوم الإنسانية طويلًا، سوف نبني مجتمعًا قادرًا على البناء المادي، لكنه يفتقر إلى المهارات العقلية العليا، فالتحدي الحقيقي ليس بإيقاف تلك العلوم، بل بتحقيق توازن يحفظ للإنسان مهارته وذاته في آنٍ واحد.

00:01 | 1-05-2026

الدرعية.. قوة ناعمة في تأسيس الدولة

مرّ ما يقارب 299 عاماً منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى، وما تزال قيمها الراسخة حاضرة في الوعي التاريخي والاجتماعي، متجلية في الاعتزاز بالجذور العريقة للدولة وإعادة استذكار تأسيسها على عهد الإمام محمد بن سعود في الجزيرة العربية، التي لم تعرف وحدة سياسية منذ أكثر من ألف عام.


واستند الإمام محمد بن سعود، وأبناؤه من بعده، في تأسيس الدولة على آليات القوة الناعمة، التي مكّنته من بناء كيان مستقر متين رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها الدرعية في ذلك العصر، بما في ذلك ضعف البنية السياسية والأمنية وانتشار الأمراض. وقد نجح الإمام محمد في تجاوز هذه العقبات بفضل رؤيته القائمة على التوحيد الاجتماعي، وتعزيز الشرعية، وتنمية الموارد المحلية، واستمر أبناؤه على ذات النهج في المحافظةً على الالتزام بتنمية الدرعية في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، بما يعكس إستراتيجية الدولة في تعزيز استقرارها وتوسيع نفوذها داخلياً وخارجياً عبر أدوات القوة الناعمة.


وتُعدّ القوى الناعمة من أبرز العوامل التي أسهمت في استقرار الدولة السعودية الأولى واتساع نفوذها، حيث كان تأثيرها واضحاً في توحيد معظم مناطقها وتعزيز تماسكها الداخلي، فقد اهتمت الدولة اهتماماً كبيراً بتعزيز الوحدة الاجتماعية، إذ سعت إلى جمع شتات القبائل وتوحيدها تحت قيادة واحدة، مما أسهم في تحقيق الاستقرار وترسيخ روح الانتماء. كما ارتكزت سياستها على نشر العدل وتطبيق الشريعة وتوفير الأمن في المدن والطرق، ولا سيما طرق الحج، الأمر الذي أكسبها سمعة إيجابية وهيبة معنوية في الجزيرة العربية.


أضف إلى ذلك حرص أئمة الدولة، على تنظيم شؤون القضاء، مما عزّز الاستقرار الداخلي. وانعكس هذا الأمن على عاصمة الدولة الدرعية، التي أصبحت من أهم المحطات التجارية، نظراً لموقعها الإستراتيجي على وادي حنيفة، وتوافر المياه والموارد فيها. وقد أدى انتشار الأمن إلى جذب القوافل التجارية وطلبة العلم، مما نشّط الحركة الاقتصادية والعلمية. وفي السياق ذاته، يعد الاهتمام بالعلم ونشره من أبرز مظاهر القوة الناعمة؛ إذ أصبحت الدرعية مقصداً لطلبة العلم من مختلف المناطق.


وفي الإطار الاجتماعي شكّلت الأوقاف والأعمال الخيرية امتداداً لمنظومة دينية وأخلاقية قائمة على التكافل والصدقة وكفالة الضعفاء، مما عمّق الروابط الاجتماعية ورسّخ قيم التراحم بين أفراد المجتمع، كما أسهم انتشار الثقافة ووحدة العادات والتقاليد في تعزيز الهوية الجامعة، إذ شكّلت المنظومة القيمية المشتركة نطاقا مرجعياً ينظّم العلاقات الاجتماعية ويضبط السلوك العام داخل المجتمع. فقد أسهمت وحدة الممارسات اليومية، من أنماط العيش والعلاقات القبلية إلى الأعراف الاجتماعية وأساليب التكافل، في بناء حالة من الانسجام المجتمعي قلّصت من أسباب النزاع، وعزّزت روح التعاون بين الأفراد والجماعات.


وفي مجمل القول، تجلت القوة الناعمة في عهد التأسيس في الموقع الإستراتيجي للدرعية، ومكانتها العلمية، والوحدة القبلية والاجتماعية، والعدل وتنظيم القضاء، والاهتمام بالعلم والأوقاف، وهي مرتكزات أسهمت في بناء دولة راسخة استمر أثرها إلى وقتنا الحاضر.


وبناء على ما سبق يتبين أن القوة الناعمة في عهد التأسيس لم تقتصر على كونها وسائل داعمة لقيام الدولة، بل شكّلت إطاراً إستراتيجياً متكاملاً لعملية البناء السياسي والاجتماعي؛ إذ تفاعلت عناصر الجغرافيا، والمعرفة، وترسيخ العدالة، وتعزيز الوحدة الاجتماعية ضمن منظومة واحدة أسهمت في إرساء دعائم الدولة وتثبيت استقرارها.

00:33 | 1-03-2026

الدرعية.. قوة ناعمة في تأسيس الدولة

مرّ ما يقارب 299 عاماً منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى، ولا تزال قيمها الراسخة حاضرة في الوعي التاريخي والاجتماعي، متجلية في الاعتزاز بالجذور العريقة للدولة وإعادة استذكار تأسيسها على يد الإمام محمد بن سعود في الجزيرة العربية، التي لم تعرف وحدة سياسية منذ أكثر من ألف عام.

واستند الإمام محمد بن سعود، وأبناؤه من بعده، في تأسيس الدولة على آليات القوة الناعمة، والتي مكّنته من بناء كيان مستقر متين رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها الدرعية في ذلك العصر، بما في ذلك ضعف البنية السياسية والأمنية وانتشار الأمراض. وقد نجح الإمام محمد في تجاوز هذه العقبات بفضل رؤيته القائمة على التوحيد الاجتماعي، وتعزيز الشرعية، وتنمية الموارد المحلية، واستمر أبناؤه على ذات النهج في المحافظة على الالتزام بتنمية الدرعية في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، بما يعكس إستراتيجية الدولة في تعزيز استقرارها وتوسيع نفوذها داخلياً وخارجياً عبر أدوات القوة الناعمة.

وتُعدّ القوى الناعمة من أبرز العوامل التي أسهمت في استقرار الدولة السعودية الأولى واتساع نفوذها، حيث كان تأثيرها واضحاً في توحيد معظم مناطقها وتعزيز تماسكها الداخلي، فقد اهتمت الدولة اهتماماً كبيراً بتعزيز الوحدة الاجتماعية، إذ سعت إلى جمع شتات القبائل وتوحيدها تحت قيادة واحدة، مما أسهم في تحقيق الاستقرار وترسيخ روح الانتماء. كما ارتكزت سياستها على نشر العدل وتطبيق الشريعة وتوفير الأمن في المدن والطرق، ولا سيما طرق الحج، الأمر الذي أكسبها سمعة إيجابية وهيبة معنوية في الجزيرة العربية.

أضف إلى ذلك حرص أئمة الدولة، على تنظيم شؤون القضاء، مما عزّز الاستقرار الداخلي. وانعكس هذا الأمن على عاصمة الدولة الدرعية، التي أصبحت من أهم المحطات التجارية، نظراً لموقعها الإستراتيجي على وادي حنيفة، وتوافر المياه والموارد فيها. وقد أدى انتشار الأمن إلى جذب القوافل التجارية وطلبة العلم، مما نشّط الحركة الاقتصادية والعلمية. وفي السياق ذاته، يعد الاهتمام بالعلم ونشره من أبرز مظاهر القوة الناعمة؛ إذ أصبحت الدرعية مقصداً لطلبة العلم من مختلف المناطق.

وفي الإطار الاجتماعي شكّلت الأوقاف والأعمال الخيرية امتداداً لمنظومة دينية وأخلاقية قائمة على التكافل والصدقة وكفالة الضعفاء، مما عمّق الروابط الاجتماعية ورسّخ قيم التراحم بين أفراد المجتمع، كما أسهم انتشار الثقافة ووحدة العادات والتقاليد في تعزيز الهوية الجامعة، إذ شكّلت المنظومة القيمية المشتركة نطاقاً مرجعياً ينظّم العلاقات الاجتماعية ويضبط السلوك العام داخل المجتمع. فقد أسهمت وحدة الممارسات اليومية، من أنماط العيش والعلاقات القبلية إلى الأعراف الاجتماعية وأساليب التكافل، في بناء حالة من الانسجام المجتمعي قلّصت من أسباب النزاع، وعزّزت روح التعاون بين الأفراد والجماعات. وفي مجمل القول، تجلت القوة الناعمة في عهد التأسيس في الموقع الإستراتيجي للدرعية، ومكانتها العلمية، والوحدة القبلية والاجتماعية، والعدل وتنظيم القضاء، والاهتمام بالعلم والأوقاف، وهي مرتكزات أسهمت في بناء دولة راسخة استمر أثرها إلى وقتنا الحاضر.

وبناء على ما سبق، يتبين أن القوة الناعمة في عهد التأسيس لم تقتصر على كونها وسائل داعمة لقيام الدولة، بل شكّلت إطاراً إستراتيجياً متكاملاً لعملية البناء السياسي والاجتماعي؛ إذ تفاعلت عناصر الجغرافيا، والمعرفة، وترسيخ العدالة، وتعزيز الوحدة الاجتماعية ضمن منظومة واحدة أسهمت في إرساء دعائم الدولة وتثبيت استقرارها.

00:00 | 24-02-2026

الأميرة سارة.. وعيٌ فكري في زمن التحوّلات..!

يُعَدّ الوعي الفكري مرحلة من مراحل النضوج العقلي والوجداني، يصل فيها الإنسان إلى القدرة على التفكير الإبداعي، وممارسة النقد والتحليل، وفهم الأفكار وتقييمها، إلى جانب امتلاك مهارات حلّ المشكلات. وقد تميّزت الأميرة سارة بنت عبدالله بن فيصل بن تركي آل سعود- رحمها الله-

بوعيها الفكري المتقد، وهو ما جعلها تختلف عن أقرانها ومعاصريها في تلك الحقبة، بل وعن بعض نساء الأسرة المالكة اللاتي قدّمن أعمالاً مشابهة. فقد عاشت الأميرة سارة في فترة حافلة بالاضطرابات السياسية والخلافات الداخلية، ومع ذلك أسهمت بطريقة فعّالة وإن كانت غير مباشرة في مجالات التنمية داخل المملكة.

لقد أسهمت عوامل عدة في بناء وعيها الفكري، من أبرزها البيئة العلمية التي نشأت فيها؛ إذ تربّت في محيط ديني وعلمي مشبَع بحفظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، الأمر الذي أكسبها مرجعية معرفية راسخة ورؤية متزنة تجاه شؤون الحياة.

وفي السياق ذاته، تجلّى وعيها الفكري في قدرتها على استيعاب الاحتياجات العلمية وتحليل أوضاع المجتمع الداخلي، من خلال إدراكها للسياقات الثقافية المؤثرة في تشكيل الأفكار واتجاهاتها.

كما برز بُعدُها النقدي في الكتب التي أوقفتها؛ إذ جسّد وقفُها للمخطوطات والكتب العلمية وإتاحتها للناس رؤيةً فلسفية عميقة. فقد كانت تؤمن بأن الحرية الفكرية ليست مطلقة، وأن بعض المعارف قد تربك الوعي أو تشوّش الرؤية، لذا جاء اختيارها للكتب قائماً على احترام الهوية العربية والدينية والثقافية. وبهذا تحوّلت القراءة في نظرها إلى مسؤولية اجتماعية تعكس فهماً واعياً للتحديات الفكرية، وتدلّ على قدرتها على تقييم المعلومات بشكل مستقل والتفكير بطريقة منهجية ومنظمة.

ويسهم الوعي الفكري بطبيعته في تعزيز التفكير الإبداعي، وقد ظهر ذلك لدى الأميرة سارة في وعيها باحتياجات المجتمع وقدرتها على توليد أفكار جديدة تسهم في تلبيتها. ويتضح ذلك في مساواتها بين الناس في الحصول على منح الأراضي وفق معايير محدّدة للمفاضلة. كما انعكس وعيها الفكري في خبرتها بالطب الشعبي، حيث امتازت بمهارة لافتة في هذا المجال.

أضف إلى ذلك الأميرة سارة لم تحظَ باستقرار أسري كامل، غير أنّ ذلك لم يؤثر سلباً في شخصيتها؛ فانتقالها المبكر بين كنف زوجة والدها وعمّتها عكس الظروف غير المستقرة في تلك الفترة. وقد أتاح لها هذا الواقع الاطلاع المباشر على طبيعة التحديات السياسية والاجتماعية، مما أسهم في تعزيز وعيها المبكر وصقل قدرتها على التكيّف مع المتغيّرات.

ويُعَدّ التواصل الفعّال أحد معايير الوعي الفكري؛ وقد حظيت الأميرة سارة بلقب «العَمّة»، في دلالة على مكانتها الجامعة ودورها في تقوية أواصر الأسرة والمجتمع خلال ظروف سياسية واجتماعية معقّدة، مما يدل على قدرتها على توظيف المعرفة والمهارات في خدمة المجتمع وتحقيق أهدافه.

وفي مجمل القول، فقد فتح الوعي الفكري آفاقاً واسعة أمام الأميرة سارة للإبداع، وممارسة التفكير النقدي، واتخاذ قرارات واعية ومسؤولة، مما جعلها إحدى الشخصيات المؤثرة في تاريخ المجتمع السعودي.

00:02 | 15-12-2025

نساء الأسرة المالكة والعمل الخيري

للمرأة السعودية أثرٌ عظيمٌ وبارزٌ في العمل الخيري في المملكة العربية السعودية؛ إذ برز عدد من النساء كان لهن دور ومشاركات في العمل الخيري، فخلدن سيرتهن رائدات في مجالات متنوعة في العمل الخيري، كتخصيص أوقاف للإنفاق على الفقراء والمحتاجين، أو أوقاف كتب لطلاب العلم؛ مما يعطينا دلالة على حرصهن علـى توفير مصادر العلم لأفراد المجتمع؛ لإدراكهن بأن العلم والتعلم من دلالات المجتمعات المتقدمة ومؤشر للتنمية.

وقد كان لوقف الكتب أهمية عالية وضرورة قصوى في إحدى الفترات من التاريخ؛ وذلك لندرتها وصعوبة الوصول إليها؛ لذا برزت إحدى الشخصيات النسائية في الأسرة المالكة التي كان لها دور في أوقاف الكتب، وهي: الأميرة نورة بنت فيصل بن تركي آل سعود، التي اهتمت بالعلم ونشره؛ فأوقفت نسخة «طريق الهجرتين وباب السعادتين» لابن قيم الجوزيه، عام (١٢٧٦هـ/‏‏ ١٨٥٩م)، وأوقفت كتابين للبخاري، هما: صحيح البخاري، أوقفته عام (١٢٧٧هـ/‏‏ ١٨٦٠م)، وكتاب «الأدب المفرد» الذي أوقفته عام (١٢٧٨هـ/‏‏ ١٨٦٢م)، وكذلك أوقفت كتاب «الروض المربع شرح زاد المستنقع» لمنصور البهوتي. ومن الرائدات في أوقاف الكتب كذلك: الأميرة منيرة بنت مشاري بن حسن آل سعود (زوجة الإمام فيصل بن تركي)، التي أوقفت نسخة من كتاب «تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد»، للصنعاني، والأميرة الجوهرة بنت فيصل بن تركي آل سعود، التي اهتمت بجمع الكتب وجعلها وقفاً لطلبة العلم، منها: كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» لابن القيم الجوزيه، وسارت على نهجها ابنة أخيها الإمام عبدالله بن فيصل (ثالث أئمة الدولة السعودية في دورها الثاني) الأميرة سارة بنت عبدالله بن فيصل بن تركي آل سعود، التي أوقفت أيضاً العديد من الكتب، نذكر منها: «طريق الهجرتين وباب السعادتين» لابن قيم الجوزيه، وكتاب صحيح البخاري، وسنن أبي داود. ويجب أن ننبه إلى أن بعض هذه الكتب الموقوفة محفوظة في مكتبة الملك فهد الوطنية.

ومن الملاحظ أنه يوجد تشابه في بعض عناوين تلك الكتب التي أوقفت، فيتضح للناظر فيها الفلسفة المتبعة في وقفها، من بناء وتكوين مجتمعات قادرة على البناء والإنتاج وحماية ذاتها ووطنها؛ فالعلم مرآة الشعوب وبه ترتقي، فضلًا عن أن لهذه الأوقاف العلمية أبعاداً عديدة؛ منها الاستثمار في الإنسان وضمان جودة حياته، وإدارة المعرفة وتبادلها، وضمان استدامة تلك العلوم وتناقلها بين الأجيال.

وفي مجمل القول: للمرأة في الأسرة المالكة إسهامات واسعة في الأعمال الخيرية النسائية المتباينة امتدت لتشمل كل مجالات الحياة الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، وتمثلت في الإنفاق على أعداد كبيرة من العلماء والطلبة والفقراء والأرامل والأيتام، وغير ذلك من أوجه النفع والمجالات الخيرية.
00:05 | 7-09-2025

المكتشفات الحديثة ما بين التصريح الإعلامي والبحث العلمي

يعد البحث العلمي مقياسًا لتقدم الأمم وتطورها ورقيها؛ لأنه يفسر ويوضح العديد من الظواهر والأحداث المحيطة بالإنسان السابقة والمعاصرة له، ومن خلال هذه النظرة الشمولية ينتج ويبتكر، ويضع الحلول للتحديات والمشكلات التي تواجه مجتمعه والبشرية عامة؛ لأن الممارسات الجيدة تنتقل من فرد إلى آخر حتى تنتشر بين المجتمع نفسه، ثم تخرج خارج محيطه لمجتمعات أخرى وهكذا. وغاية هذا التوسع والانتشار نشر المعرفة، وهذه المعرفة إن قدّمت بالصورة الصحيحة تخدم الحاضر والمستقبل، وقد أدركت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أهمية الممارسات الجيدة للتراث الثقافي، فوضعت قائمة للصون الجيد، تستفيد منها الدول الأخرى.

إن المتتبع لإعلانات نتائج الاكتشافات الأثرية الحديثة التي يعلن عنها في المملكة بين الحين والآخر يجدها ذات قيمة ثقافية عالية؛ لكونها تصحح الكثير من المعلومات والمفاهيم، وتظهر لنا حضارات كانت مفقودة، وتبيّن مدى تطور وتقدم مجتمعات تلك الحضارات على تباينها، ومن ثم تعزز من ثقافة المجتمع المحلي وتضيف إلى ناتجه المعلوماتي الكثير، وتقدّم مادة علمية رصينة للمجتمع العالمي، وتبرز الامتداد التاريخي والحضاري للمملكة الذي تثبته شواهدها الأثرية.

إن ما يميز تراث المملكة صلته القوية بالهوية الوطنية والمجتمع؛ لذلك يجب أن ننبه إلى قضية مهمة، وهي: ماذا بعد هذا الإعلان؟ وأين الدراسات التي تحلل وتفسر هذه المكتشفات الأثرية؟ نعم، نتابع هذه الإعلانات ونفخر بهذا التراث الثقافي الممتد لملايين السنين، لكن يجب على الجهات ذات العلاقة أن تستثمر في هذا الجانب، وتنتج الأبحاث العلمية، مع عمل مقارنة بين المعلومات السابقة واللاحقة، خاصةً أن رؤية المملكة ٢٠٣٠ ترتكز على تطوير القطاعات الثقافية، وإبراز هوية المملكة من خلال تراثها وضمان استدامته، وأهمية إيصاله للأجيال اللاحقة. ويجب أن ننبه إلى أن وجود قاعدة بيانات رقمية، أو أرشيف تحفظ فيه نتائج وأبحاث هذه المكتشفات الحديثة بطرق سهلة الوصول، وبلغات مختلفة، يدعم الاقتصاد المعرفي، ويجب أن ندرك أيضاً أن المملكة ما زالت خصبة ومليئة بالآثار والمدن التاريخية التي تواتر على بنائها ملايين السنين، والمكتشف والدراسات في هذا المجال ما زالت ضئيلة، ولا أبالغ إن ذكرت أنها نادرة مقارنة بالإرث الحضاري الذي تمتلكه المملكة.

والجدير بالذكر أن بعضًا من نتائج المكتشفات الأثرية ينشر باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، فأين النسخة العربية؟ خاصةً أن المجتمع المحلي يجب أن يثقف ويدرك امتداده الثقافي، كما يجب أن توسع دائرة المشاركين في تلك التنقيبات الأثرية والدراسات، وغاية هذا التوسع تبادل الخبرات؛ لأن التجديد والتحديث ينميان الحس الإبداعي ويدفعان للابتكار.

وفي مجمل القول: إن الاستثمار في التراث الثقافي في البحث العلمي يدعم الاقتصاد المعرفي، فالتنمية المستدامة تتطلب المعرفة، وهذه المعرفة تكمن في نتائج أبحاث المكتشفات الأثرية الحديثة.
00:12 | 18-11-2024

أبسط الخدمات

حظيت منطقة مكة المكرمة بمكانة عالية ومتميزة بين المجتمعات منذ القدم وصولاً إلى يومنا الحاضر؛ وسبب هذا التميز ليس الموقع الجغرافي على الرغم من أهميته وتميزه، وليس السيطرة الاقتصادية على طرق التجارة، وليس العامل الديني أو الاجتماعي، وإنما ميّز مكة العديد من الإجراءات والأنظمة التي استحدثها قصي بن كلاب وسار عليها أبناؤه في مجال خدمة حجاج البيت الحرام، وحفظ الأمن للمسافرين، والأحلاف التي عقدتها قريش مع المجتمعات الأخرى والقيادات السياسية داخل الجزيرة العربية وخارجها، إلى جانب التنظيم الاجتماعي وتوفير سبل الرفاهية والراحة والأمان في المنطقة بصورة عامة، والمجتمع المكي بصورة خاصة.

نعم، تباينت الإمكانات بين اليوم والأمس، وظلت الأهداف نفسها مع توسعها وتطورها، من خدمة ضيوف الرحمن وتسهيل الخدمات؛ فالمملكة العربية السعودية عملت وما زالت تعمل على تقديم أفضل الخدمات للحجاج والمعتمرين، وإتاحة الفرصة لأكبر عدد منهم للقدوم ومساندتهم في استكمال مناسكهم بكل يسر وسهولة، والذي يزور المسجد الحرام يدرك الفرق الكبير في الخدمات منذ دخوله إلى خروجه، مع تنوع مجالاتها من خدمات إلكترونية، وعربات تنقل، ومواد غذائية، ومواصلات، وغيرها الكثير.

ولكن يجب أن ننبه إلى ضرورة تحسين بعض الخدمات البسيطة ذات الصلة بالزوار والمجتمع، ومن الممكن أن تتباين الآراء في هذا الموضوع من شخص إلى آخر؛ بناء على إمكاناته. وهنا نتحدث عن الخدمات المقدمة للزائر البسيط والمجتمع بصفة عامة.

أضف إلى ذلك، يجب أن يتصدر المشهد الثقافي المجتمع نفسه وليس الوافدين، وهنا أقصد حديثي الوفادة إلى المنطقة؛ لقلة معرفتهم بتاريخ المكان وحضارته وثقافته.

فإذا أخذنا مثالاً بأحد المنتزهات الجميلة والحديثة، حيث أبدع من وضع هندسته في أحد الأحياء في منطقة مكة، إلا أنه في فترة وجيزة تحول إلى منتزه سيئ المظهر بشع الهيئة؛ لأن رواده يرمون النفايات بدون أدنى مسؤولية، وجلساته غير مرتبة وغير ذلك، فهل هم بحاجة إلى وضع رقابة وغرامات حتى يلتزموا بآداب المكان؟!

وفي السياق نفسه، تبذل إمارة منطقة مكة، والهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وأمانة العاصمة المقدسة والعديد من القطاعات والمؤسسات الربحية وغير الربحية الجهود الكبيرة لتأمين الراحة وتوفير أبسط الخدمات لكم، فلماذا لا تتضافر الجهود للرقي بتلك الخدمات؟

نحن هنا لا نتحدث عن المشاريع الضخمة والكبرى الظاهرة للعيان، بل عن الخدمات البسيطة في مجال الترفيه، وزيادة عدد المتاحف، ومضاعفة الرقابة على جودة الطعام في المطاعم، والخدمات التسويقية.

وفي مجمل القول: يجب أن نكون على يقين بأن الخدمات البسيطة لها أهمية كبيرة؛ لكونها تكمل تجربة الزائر، وتضمن للمجتمع الاحتياجات الأساسية، وغاية هذه الخدمات البسيطة تحسين جودة الحياة.
00:00 | 18-10-2024

العرض العسكري في اليوم الوطني «العرضة من فكر عسكري إلى تراث ثقافي»

يعد التاريخ العسكري جزءاً من تاريخ الدول، ونشاطها العسكري مرتبط ارتباطاً مباشراً ببنائها السياسي والاقتصادي بل والاجتماعي، كما يلازم التاريخ العسكري الدول وانتصاراتها ويرافق انحدارها وانهزامها.

ونظريات كل من الحرب البرية والبحرية والجوية تهدف إلى شرح طبيعة الحرب وصفتها وخصائصها، حيث تطورت عبر العصور التاريخية، فمثلاً كانت الحروب في الفترات الموغلة في القدم برية فقط، وهدفها الرئيس تأمين مصادر استمرار العيش، ثم تطورت إلى الحروب البحرية، وفي العصور الحديثة -ومع صناعة الطائرات- ظهرت الحروب الجوية، وصولاً للحرب الباردة والإلكترونية.

كذلك الوسائل والأسلحة تباينت مع مرور الوقت؛ ففي السابق كانت تستخدم الخيول والجمال والسيوف والسهام والدروع، ثم تطور الأمر فيما بعد إلى صنع السيارات والطائرات الحربية، وفي السابق أيضاً كان العدو يستغرق شهوراً حتى يصل إلى الوجهة المراد الهجوم عليها، أما في وقتنا الحاضر فتباينت وسائل وطرق الوصول للعدو والهجوم عليه، والمدة الزمنية أيضاً.

وقد أسهمت نظريات فن الحرب في التطور التاريخي للقوات المسلحة، وطرق إدارة الحرب والتنظيم والتسليح، فالنظرية العسكرية الحديثة تُستمد من تاريخ الحروب الذي يتضمن خبرات قتالية وإستراتيجيات وتكتيكات سابقة.

فالمملكة لديها فكر عسكري استباقي وقوة عسكرية جبارة في جميع قطاعاتها العسكرية، وتستخدم العديد من الطرق المختلفة في إدارة علاقاتها الخارجية وفي مقدمتها الحوار، وغاية هذا الحوار الوصول إلى الحلول السلمية بدلاً من الحروب المدمرة. أضف إلى ذلك، أنها تركز على الحفاظ على أمنها واستقرارها بدلاً من خوض الحروب المدمرة التي من الممكن أن يصل ضررها إلى أفراد المجتمع، فضلاً عن أن المملكة بارعة في نقل الحرب خارج نطاقها الجغرافي، وهذه من أدهى نظريات فن الحرب وإستراتيجياتها القديمة، وتستخدم المملكة الدبلوماسية في حل معظم الأزمات السياسية؛ لكونها بديلاً أكثر فاعلية من خوض المعارك الحربية، بل تدعم الدول الأخرى في المجالات التنموية والتطويرية، وتشجع على إرساء السلام بين الدول بدلاً من الحروب المدمرة.

إن تطور وتقدم نظريات فن الحرب والدبلوماسية في المملكة إنما هو امتداد للفكر العسكري لأئمة وملوك المملكة، وقد تطور وتقدم بصورة ملحوظة في عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- الذي أصدر مرسوماً ملكياً بإنشاء المدرسة العسكرية عام 1929م لتكون النواة الرئيسة للنظام العسكري والأمني، ومن بعدها أصدر مرسوماً ملكياً آخر بإنشاء وزارة الدفاع عام 1943م، وبعد ذلك توسعت القطاعات العسكرية واستحدثت أيضاً المستشفيات العسكرية.

ومن ذلك الحين وإلى وقتنا الحاضر والقوات السعودية تعمل وبخطى ثابتة وإخلاص وانتماء للوطن تحت قيادة سيدي الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان.

وعادةً ما يكون هناك استعراض للقوات العسكرية في اليوم الوطني، وغاية هذا الاستعراض تأكيد القوة والولاء والانتماء للوطن، ورسالة للمواطن تقول له: أنت في رعاية الله، ثم نحن حماة الوطن.

وما العرضة السعودية إلا نتاج للفكر العسكري للمملكة؛ إذ تعد العرضة السعودية جزءاً من النظرية العسكرية التي استخدمها الإمام عبدالعزيز بن محمد -طيب الله ثراه- لبث روح الحماس والثبات في الجيش السعودي أثناء المعارك.

وفي مجمل القول: تمتلك المملكة العربية السعودية نظاماً عسكرياً قوياً تواتر على بنائه ملوك المملكة على مدى السنين، ويعد نموذجاً يحتذى به على تباين أقسامه وفروعه.
00:01 | 17-09-2024