أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1461.jpg&w=220&q=100&f=webp

علي صالح الضريبي

ناصر بوربيرار.. إيراني تمرّد على سردية فارس

حين شاهدت، قبل نحو ثلاثة أسابيع، حلقة برنامج «في الصورة» التي قدمها الإعلامي السعودي البارع عبدالله المديفر، واستضاف فيها المحلل السياسي والخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور محجوب الزويري، تحت عنوان «إيران في الصورة»، وجدت نفسي أبحث عن اسم إيراني غاب عن الصورة، مع أنه من أكثر الأسماء إثارة للاهتمام حين يتعلق الأمر بكيفية قراءة الإيرانيين أنفسهم لتاريخ إيران.

إنه الكاتب الإيراني المثير للجدل ناصر بوربيرار (1940–2015)..

والسؤال هنا ليس لماذا لم يذكره المديفر أو الزويري، فلكل حلقة مساحتها وحدودها، وإنما لماذا لا يحظى هذا الرجل في العالم العربي بالاهتمام الذي يستحقه، رغم أن مشروعه الفكري يفتح نافذة مختلفة تماماً على إيران؟

بوربيرار كان إيرانياً علمانياً، وارتبط في شبابه بحزب «توده» اليساري الإيراني، لكنه أصبح لاحقاً صاحب أطروحات تاريخية صادمة للسردية القومية الإيرانية التقليدية. واشتهر خصوصاً بكتابه «اثنا عشر قرناً من الصمت»، الذي أعاد فيه قراءة التاريخ الإيراني السابق على الإسلام والمرحلة التي تلت الفتح العربي.

ولست هنا بصدد تقديم أطروحاته باعتبارها حقائق تاريخية محسومة؛ فهي أطروحات خلافية تعرضت لنقد شديد من باحثين ومؤرخين، وهذا أمر طبيعي في أي قراءة تعيد فتح ملفات تاريخية كبرى. لكن أهمية بوربيرار تكمن في جرأته على فتح السؤال من داخل إيران نفسها.

فهو لم يكن عربياً يكتب عن إيران، ولا إسلامياً سنياً، ولا باحثاً خليجياً في مواجهة الجمهورية الإسلامية.. بل كان إيرانياً غير متمذهب بمذهب النظام.

ومع ذلك، فإن مواقفه من الرواية القومية الفارسية جعلته، وفق ما تكرر في الكتابات التي تناولت تجربته، عرضة لوصف ساخر ومقصود داخل إيران تكشف إلى أي مدى يمكن أن يتحول الاختلاف مع السردية القومية إلى تهمة بالانتماء إلى «الآخر».

والأكثر إثارة في أفكاره أنه لم يتعامل مع الفتح العربي الإسلامي، باعتباره مجرد واقعة عسكرية أنهت الإمبراطورية الساسانية، بل رأى فيه نقطة تحول كبرى في تاريخ إيران، وربط الازدهار الحضاري اللاحق بالتفاعل العميق بين الإيرانيين والحضارة الإسلامية العربية.

بل ذهب إلى الدعوة إلى تعلم الإيرانيين للغة العربية، انطلاقاً من رؤيته للعلاقة التاريخية والثقافية بين العرب والإيرانيين.

وهنا تحديداً تصبح تجربة بوربيرار مهمة للقارئ العربي.

فنحن كثيراً ما نقرأ إيران من خلال خطاب الجمهورية الإسلامية، أو من خلال صراعها الإقليمي مع العرب، أو من خلال المشروع السياسي والمذهبي لطهران.

لكن هناك «إيران» أخرى تستحق أن تُقرأ: إيران التي يختلف بعض أبنائها أنفسهم مع الطريقة التي رُويت بها قصة إيران.

وهذه النقطة، في رأيي، أهم من الاتفاق مع بوربيرار أو الاختلاف معه.

فحتى إذا رفضنا بعض استنتاجاته، فإن ذلك لا يلغي قيمة الأسئلة التي طرحها.

بل ربما يكون السؤال العربي الأهم: لماذا لم تُترجم أعماله إلى العربية بصورة كاملة ومنهجية، بحيث يقرأها القارئ العربي ثم يقرأ نقدها أيضاً؟

لماذا لا نضع أطروحاته أمام المؤرخين والمتخصصين، ونترك للمناقشة العلمية أن تحكم عليها؟

لقد أنتج العالم العربي مئات الكتب عن إيران المعاصرة، لكن صوتاً إيرانياً يراجع من الداخل العلاقة بين إيران والعرب، ويعيد قراءة تاريخ فارس بعد الفتح الإسلامي، لا يزال بعيداً عن التداول العربي الفكري والأكاديمي الواسع.

وهنا أعود إلى حلقة «إيران في الصورة».

ربما كانت الصورة ستصبح أكثر اتساعاً لو ظهر فيها سؤال من نوع آخر:

ماذا قال الإيرانيون أنفسهم الذين اختلفوا مع الرواية القومية الإيرانية عن تاريخ بلادهم؟

وبوربيرار واحد من أبرز الأسماء التي تقودنا إلى هذا السؤال.

ولذلك، فإنني لا أطالب بتحويل بوربيرار إلى مرجع نهائي للتاريخ الإيراني؛ وإنما أطالب بشيء أبسط: أن نقرأه.. وأن نترجم أعماله، ونناقشها، ونرد عليها، ونضعها أمام البحث العلمي.

فالمعرفة لا تخشى الكتاب المختلف، بل تخشاه حين لا نقرأه.

ولعل المفارقة الأجمل أن رجلاً إيرانياً علمانياً ذا خلفية يسارية، اقتربت قراءته للتاريخ- في نظر خصومه - من العرب أكثر مما ينبغي.

وبالحديث عن القفلة/الخاتمة ــ catch phrase ــ الشهيرة للأستاذ عبدالله المديفر: «وانقلوا عن...».. سأعيش عبر مساحتي هذه جو خاتمة «في الصورة» للأستاذ عبدالله المديفر، وأقول:

وانقلوا عن المديفر: «(كلر) ـ ياقة ـ الثوب بالتصميم الصيني أريح للرقبة».. وأنا أوافقه تماماً، باعتبارها ياقتي المفضلة كما ذوق المديفر، والشاهد الثوب الذي ارتديه في صورة المقال !

00:02 | 4-10-2026

دول الخليج عندما تلعب مونوبولي! (2/2)

يكمل هذا المقال ما بدأه الجزء الأول من «دول الخليج عندما تلعب مونوبولي»، الذي طرح فكرة الصندوق السيادي الخليجي المشترك وقارن بين تجربتي الخليج وأوروبا في التكامل. وهنا ننتقل إلى مجالين لا يقلان طموحاً، وهما: الفضاء والدفاع.


ماذا لو كانت لدينا وكالة فضاء خليجية؟


وهنا لا أريد أن أكون متواضعاً في الحلم..


ماذا لو أنشأنا GAA — Gulf Aerospace Agency؟


ليس مجرد مكتب خليجي لتنسيق برامج الفضاء، ولا مؤسسة تتبادل فيها الدول البيانات والصور في المناسبات، وإنما وكالة فضاء خليجية حقيقية، ذات ميزانية مشتركة، وبرنامج طويل الأمد، ومراكز أبحاث ومختبرات ومنشآت إطلاق وتصنيع، وتعمل وفق إستراتيجية تمتد لعقود لا لدورات سياسية قصيرة.


على رأس قيادتها يمكن أن يجتمع الإرث والخبرة والطموح الخليجي: الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، أول رائد فضاء عربي مسلم، وسلطان النيادي، رائد الفضاء الإماراتي الذي أمضى نحو ستة أشهر في محطة الفضاء الدولية، إلى جانب علماء ومهندسين وباحثين خليجيين بارزين.


لكن لماذا نتوقف عند محطة الفضاء الدولية؟


ماذا لو كان الهدف التالي هو محطة فضاء خليجية؟


وماذا لو كانت هذه المحطة نواة لبرنامج خليجي مأهول طويل الأمد؟


ماذا لو امتلك الخليج قدرته الخاصة على تصميم وتصنيع وإطلاق الأقمار الصناعية؟


وماذا لو دخلنا مجال المركبات الفضائية، وأنظمة الدفع، والروبوتات الفضائية، والذكاء الاصطناعي الفضائي؟


ماذا لو كان لدينا برنامج خليجي للوصول إلى القمر؟


بل ماذا لو أصبح الخليج، في مرحلة لاحقة، شريكاً في مشاريع استكشاف المريخ؟


قد يبدو هذا الكلام اليوم طموحاً جداً.


وهذا بالضبط هو المطلوب.


فالفضاء لم يعد سباقاً رمزياً بين دولتين كما كان عندما انطلق يوري غاغارين إلى الفضاء ثم تبعه نيل أرمسترونغ إلى القمر.


إنه اليوم أحد ميادين التنافس الاقتصادي والعلمي والأمني والتكنولوجي الكبرى.


ومن يملك الفضاء يملك جزءاً من مستقبل الأرض.


لماذا إذن لا يكون للخليج مقعد في هذا المستقبل؟


ولماذا لا يكون اسم Gulf Aerospace Agency بعد عقود من الآن اسماً معروفاً في عالم الفضاء، كما أصبحت أسماء وكالات الفضاء الكبرى اليوم؟


ربما يبدأ الأمر بقمر صناعي.


ثم مركبة.


ثم محطة.


ثم رحلة إلى القمر.


ومن يدري؟


ربما يأتي يوم ينظر فيه أطفال الخليج إلى صور رائد فضاء خليجي يقف على سطح القمر، كما نظرنا نحن إلى صورة أرمسترونغ قبل عقود.


وماذا عن الدفاع؟


هناك حلم آخر ربما يبدو أكثر حساسية، لكنه في رأيي أكثر إلحاحاً.


ماذا لو انتقل التعاون العسكري الخليجي من مستوى التنسيق بين القوات إلى بنية دفاعية خليجية أكثر تكاملاً؟


ماذا لو كانت هناك قواعد عسكرية خليجية مركزية، موزعة على الدول الست، ومخصصة للدفاع الجماعي، بدل أن تكون البنية الأمنية الخليجية مرتبطة بدرجة كبيرة بوجود قواعد وقوات أجنبية؟


لا يعني ذلك القطيعة مع الحلفاء أو إنهاء الشراكات الدولية.


بل يعني ببساطة أن يكون للخليج عموده الفقري الدفاعي الخاص.


قواعد مشتركة.


قيادة وتنسيق مشترك.


أنظمة إنذار مبكر مترابطة.


دفاع جوي وصاروخي متكامل.


وقوات نظامية مدعومة بقوات احتياطية من الدول الست، بحيث يمكن تعبئتها عندما تتطلب الظروف ذلك.


قد يقول البعض إن هذا حلم بعيد.


ربما..


لكن الدول التي تريد أن تحمي مستقبلها لا يمكنها أن تكتفي إلى الأبد باستعارة أمنها من الآخرين.


والأحداث الإقليمية الأخيرة أعادت، بطريقة قاسية، طرح السؤال القديم: إلى أي مدى تستطيع الدول الاعتماد على الحماية الخارجية عندما تصبح مصالح القوى الكبرى نفسها جزءاً من الحسابات المعقدة للصراع؟


الخليج يحتاج إلى أن يكون شريكاً في أمنه، لا مجرد ساحة له.


المشكلة ليست في المال،


وهنا أصل إلى الجزء الأصعب من الحلم.


المشكلة الخليجية ليست نقص المال.


وليست نقص العقول.


وليست نقص الطموح.


وليست حتى نقص التجارب الناجحة.


لدينا صناديق سيادية من بين الأكبر والأكثر تأثيراً في العالم، ولدينا جامعات ومراكز أبحاث وبرامج فضاء، ولدينا شركات طيران وموانئ ومطارات ومشاريع تقنية وصناعات دفاعية، ولدينا أجيال شابة أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم من أي جيل خليجي سبقها.


ما ينقصنا، في رأيي، هو تحويل هذه القوة المتفرقة إلى قوة مشتركة.


وهذا هو جوهر الفكرة كلها.


أن تنتقل دول الخليج من السؤال:


ماذا تستطيع دولتي أن تفعل؟


إلى السؤال الأكبر:


ماذا نستطيع نحن، دول الخليج الست، أن نفعل معاً؟


لكن هناك شرط،


كل هذا سيظل حلماً جميلاً على الورق إذا استمر كل بلد خليجي في حب «الشو» المنفرد.


إذا أرادت كل دولة أن تكون هي صاحبة المبادرة، وهي صاحبة المشروع، وهي صاحبة الصورة، وهي صاحبة السبق، فقد نربح ستة مشاريع وطنية ممتازة، لكننا قد نخسر مشروعاً خليجياً كان يمكن أن يكون أعظم من مجموع المشاريع الستة.


الخليج لا يحتاج إلى أن يتخلى عن المنافسة.


المنافسة بين دوله قد تكون صحية ومفيدة.


لكن هناك فرق بين المنافسة التي ترفع الجميع، والمنافسة التي تجعل كل طرف يريد أن يثبت أنه يستطيع أن يفعل كل شيء بمفرده.


والأهم من ذلك كله: أن يبقى مجلس التعاون وفياً لبعض المبادئ التي قام عليها منذ البداية.


احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤون الغير، ووحدة الصف.


والحرص على أن تكون الخلافات، مهما بلغت، أصغر من المصالح الإستراتيجية المشتركة.


لأنك لا تستطيع أن تبني صندوقاً سيادياً خليجياً مشتركاً إذا لم تثق الدول ببعضها.


ولا تستطيع أن تبني وكالة فضاء خليجية إذا كان كل إنجاز علمي يتحول إلى منافسة سياسية.


ولا تستطيع أن تبني منظومة دفاع خليجية إذا لم يكن هناك قرار خليجي في اللحظة التي تحتاج فيها المنظومة إلى ذلك.


الثقة هي رأس المال الحقيقي.


قبل النفط.


وقبل الصناديق.


وقبل الموانئ.


وقبل الطائرات.


الخليج الذي أتخيله


أنا لا أكتب هذا المقال باعتباري اقتصادياً.


ولا باعتباري خبيراً عسكرياً أو فضائياً.


أنا أكتبه باعتباري مواطناً خليجياً يتساءل:


ماذا لو قررنا أن نستثمر في بعضنا كما نستثمر في العالم؟


ماذا لو كان لدينا صندوق خليجي ينافس أكبر الصناديق العالمية؟


وماذا لو كانت لدينا وكالة فضاء خليجية؟


وماذا لو كانت لدينا منظومة دفاعية خليجية حقيقية؟


وماذا لو أصبح لدينا مشروع خليجي مشترك للذكاء الاصطناعي، ومراكز أبحاث علمية عابرة للحدود، وشركات تقنية خليجية قادرة على المنافسة عالمياً، ومشروعات كبرى لا يكون السؤال فيها: «أي دولة ستنفذ؟» بل: «كيف ينفذ الخليج؟».


ماذا لو أصبح المواطن الخليجي قادراً على أن يشعر بأن دول الخليج الست ليست فقط ست دول متجاورة تربطها الحدود والدم واللغة والتاريخ، وإنما منظومة حضارية واقتصادية وإستراتيجية واحدة، لكل دولة خصوصيتها، لكن للجميع مستقبل مشترك؟


ربما يبدو كل ذلك مثالياً.


وربما يقول البعض إن السياسة أعقد من ذلك.


صحيح..


لكن كل مشروع عظيم كان يوماً ما حلماً يبدو أكبر من واقعه.


وأحياناً لا تحتاج الأمم إلى مزيد من المال كي تتقدم.


تحتاج فقط إلى أن تعرف كيف تجمع أموالها وعقولها وإرادتها في الاتجاه نفسه.


لهذا أعود إلى مونوبولي.


اللعبة التي علمتنا أن شراء العقار ليس هو النهاية، وأن امتلاك مجموعة كاملة أهم من امتلاك شارع واحد، وأن القوة الحقيقية تأتي عندما تتحول الممتلكات المتفرقة إلى منظومة واحدة.


لقد لعب بعضنا اللعبة منفرداً.


وربما آن الأوان لأن نسأل:


ماذا لو لعب الخليج كله؟


لكن هذا الحلم سيبقى، كما يقول المثل البحريني/ الخليجي:


«تأذن في خرابه»..


إذا ظل كل منا يريد أن يسمع صوته وحده، ويرى صورته وحدها، ويحقق سبقه وحده.


أما إذا عرفنا أن أعظم «شو» يمكن أن يقدمه الخليج للعالم ليس أن يقول كل بلد: أنا فعلت.. بل أن يقول الخليج كله: نحن فعلنا.

00:18 | 28-09-2026

دول الخليج عندما تلعب مونوبولي! (2/1)

المتأمل في استثمارات دول الخليج العربي عبر صناديقها السيادية يرى بلا شك نجاعة على المدى القصير والمتوسط والطويل لكثير من هذه الاستثمارات. وكوني لست اقتصاديًا ولا متخصصًا، وليس هذا مراد مقالي أصلًا بأن يكون اقتصاديًا مليئًا بالأرقام التي يفر منها الكثيرون، وأنا منهم، فإنني لن أدخل في تفاصيل العوائد والنسب وحجم الأصول.


أنا فقط مواطن خليجي لديه حلم.


وحلمي، على الأرجح، ليس حلمي وحدي.


فوراء هذه الاستثمارات الهائلة، ووراء الصناديق السيادية التي أصبحت أسماءها معروفة في عواصم الاقتصاد العالمي، ووراء مليارات الدولارات التي خرجت من الخليج لتشتري حصصًا في شركات ومطارات وعقارات ومشاريع وتقنيات حول العالم، يظل سؤال بسيط يراودني:


ماذا لو لعب الخليج اللعبة كلها معًا؟


ليس بمعنى أن تتوقف كل دولة عن الاستثمار منفردة، ولا أن تتخلى الدول الست عن سياساتها ومصالحها الوطنية، وإنما أن نضيف إلى كل ذلك طبقة جديدة من التعاون الخليجي الحقيقي؛ تعاون لا يكتفي بالبيانات واللجان والاجتماعات، وإنما يصنع أصولًا ومؤسسات ومشاريع لا تستطيع دولة خليجية واحدة، مهما بلغت إمكانياتها، أن تصنعها بالقوة نفسها منفردة.


وهنا تأتي «مونوبولي»..


اللعبة البريطانية الشهيرة التي تعلمنا منذ الصغر أن المال وحده لا يكفي؛ عليك أن تشتري الأرض، وأن تعرف أين تضع أموالك، وأن تبني، وأن تفكر في الجولة المقبلة لا في رمية النرد الحالية.


ولعل قطر قدمت، من زاوية رمزية، نسخة واقعية من هذه اللعبة.


فمن يتابع حجم الاستثمارات القطرية في لندن يدرك أن العبارة ليست مجرد نكتة صحفية. تمتلك قطر، عبر أذرعها الاستثمارية، حضورًا عقاريًا وتجاريًا ضخمًا في العاصمة البريطانية، شمل عقارات ومشاريع بارزة وحصصًا في أصول ذات قيمة إستراتيجية ورمزية. وكأنها قررت أن تلعب مونوبولي، ولكن خارج صندوق اللعبة.


قطر لعبت مونوبولي على أرض الواقع..


والسؤال الذي يشغلني ليس: لماذا فعلت قطر ذلك؟


بل:


ماذا لو لعب الخليج كله؟


ماذا لو كان للخليج صندوقه السيادي؟


ماذا لو تأسس «صندوق سيادي خليجي مشترك»، تساهم فيه الدول الست كلٌ بحسب قدرتها المالية، وتكون ملكية كل دولة وحصتها من الأرباح مرتبطة بنسبة مساهمتها؟


لا أتحدث هنا عن إلغاء الصناديق السيادية الوطنية الموجودة أصلًا، ولا عن دمجها في صندوق واحد. بالعكس، تبقى الصناديق الوطنية كما هي، ويأتي الصندوق الخليجي فوقها كأداة جديدة للاستثمار المشترك.


صندوق له مجلس إدارة محترف، وإدارة استثمارية مستقلة، وقواعد واضحة للحوكمة، لا يتدخل في قراراته السياسيون كلما أرادوا مشروعًا أو صفقة.


صندوق يبحث عن الفرص التي يكون فيها الحجم الخليجي مجتمعًا أكثر تأثيرًا من حجم أي دولة منفردة.


كم سيكون حجم القوة التفاوضية لصندوق كهذا؟


وكم شركة عالمية يمكن أن يصبح الخليج شريكًا إستراتيجيًا فيها بدل أن يكون مجرد مستثمر؟


وكم من التكنولوجيا يمكن أن نمتلكها بدل أن نشتري خدماتها؟


وكم من المشاريع العملاقة يمكن أن نؤسسها نحن، بدل أن نستثمر في مشاريع الآخرين فقط؟


قد يقول قائل: لدينا أصلًا صناديق سيادية ضخمة في دول الخليج.


صحيح..


لكن الفكرة ليست في إضافة مليارات جديدة إلى المليارات الموجودة، بل في إضافة عقل استثماري خليجي واحد إلى ستة عقول وطنية.


وإذا صُمم هذا الصندوق بصورة مستقلة ومحترفة، فقد يصبح واحدًا من أهم تجارب التكامل الاقتصادي والاستثماري في تاريخ المنطقة بل والعالم.


وهنا لا أستطيع منع نفسي من عقد مقارنة مع أوروبا.


الخليج وأوروبا... مفارقة تستحق التأمل.


الاتحاد الأوروبي هو أقرب تجربة كبرى يمكن استحضارها عند الحديث عن كيانات تتجاوز حدود الدولة الوطنية وتبني مؤسسات مشتركة فوق وطنية، أو ما يعرف بمفهوم supranational.


لكن هناك مفارقة تاريخية تستحق التأمل..


فالدول الأوروبية التي وصلت اليوم إلى واحد من أكثر نماذج التكامل المؤسسي عمقًا في العالم، لم تصل إليه في سنوات قليلة، بل بعد مسار تاريخي طويل، وبعد قرون من تشكل الدولة الوطنية والصراعات والحروب والتنافس بين القوى الأوروبية.


أما دول الخليج العربي، فإنها دخلت عصر الدولة الوطنية الحديثة واستقلال القرار والسيادة الوطنية في فترة تاريخية أقرب بكثير إلينا.


ومع ذلك، إذا نظرنا إلى حجم التحول التنموي الذي حققته دول الخليج منذ استقلال معظمها وترسخ قرارها السيادي الوطني، فإننا أمام تجربة تستحق الفخر والإعجاب فعلًا.


مدن تحولت خلال عقود قليلة إلى مراكز عالمية.


بنية تحتية تضاهي أكثر دول العالم تقدمًا.


جامعات ومؤسسات علمية وصحية وثقافية حديثة.


صناديق سيادية أصبحت لاعبًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي.


طيران وموانئ ومطارات وشبكات اتصالات وصناعات وتقنيات ومشاريع عملاقة.


وكل ذلك تحقق في عمر تاريخي قصير جدًا إذا قورن بعمر الدولة الأوروبية الحديثة ومساراتها الطويلة.


لهذا لا ينبغي أن تكون المقارنة بين الخليج وأوروبا مقارنة نقصٍ وفائض، أو محاولة للقول إن طرفًا أفضل من الآخر.


المقارنة الأهم هي في سرعة الإنجاز قياسًا إلى نقطة البداية والزمن المتاح.


وإذا كانت دول الخليج قد استطاعت أن تحقق كل ذلك منفردة، وفي غضون عقود قليلة نسبيًا، فالسؤال المنطقي ليس: هل نستطيع أن نتكامل؟


بل:


ماذا يمكن أن نفعل إذا قررنا أن نتكامل؟


هنا تحديدًا تصبح تجربة الاتحاد الأوروبي درسًا يمكن الاستفادة منه، لا نموذجًا يجب نسخه.


فلا حاجة لأن يصبح الخليج أوروبا أخرى.


الخليج يستطيع أن يصنع نموذجه الخليجي الخاص؛ نموذجًا يحافظ على سيادة دوله وهويتها وخصوصيتها، لكنه ينشئ في الوقت ذاته مؤسسات مشتركة في المجالات التي يكون فيها العمل الجماعي أكبر من مجموع أجزائه.


(يتبع في الجزء الثاني)

23:33 | 17-09-2026

كذب «المستعمرون» ولو صدقوا!

أول مشكلة عندي كمدخل مهم لمقالي هي مع كلمة «مستعمر» نفسها!


فهي، في العربية، من جذر عَمَرَ؛ والعمران نقيض الخراب، والمستعمر ـ في دلالة اللفظ ـ هو الذي يعمّر الأرض ويحييها.


لكن المشكلة أن المستعمرين، حين دخلوا بلادنا، خرّبوا أكثر مما عمّروا، ثم تركوا لنا مهمة تفسير الخراب باعتباره عمراناً، والنهب باعتباره تنمية، والسيطرة باعتبارها تحديثاً!


ولعل هذا من أكثر ما يثير الدهشة في قصة الاستعمار: ليس فقط أنه احتل الأرض، ونهب الثروة، وتدخل في السياسة، وإنما أنه نجح أحياناً في أن يجعل لغة المستعمَر نفسها تشهد للمستعمِر!


ولذلك، قبل أن نسأل: ماذا بنى المستعمر؟


علينا أن نسأل أولاً: لماذا بنى؟ ولمن كان ما بناه؟ ومن دفع ثمنه؟ ومن استفاد منه؟


وهنا تكفي تجربة الهند لتسقط كثيراً من أساطير «الرجل الأبيض» عن نفسه.


ففي المناظرة الشهيرة التي ألقاها السياسي والكاتب الهندي البارع شاشي ثارور في قاعة اتحاد أكسفورد سنة 2015، لم يقف الرجل في قاعة بريطانية ليشتم بريطانيا، وإنما فعل شيئاً أكثر إحراجاً حين أعاد تعريف الإنجاز الاستعماري بأدواته وأرقامه.


حين قيل له: «ولكن البريطانيين بنوا السكك الحديدية والطرق في الهند»، جاء رده المفحم: «إن هذه السكك لم تُبنَ أولاً لتلبية حاجات الهنود، وإنما لخدمة المصالح البريطانية؛ لنقل المواد الخام من الداخل إلى الموانئ، ثم شحنها إلى بريطانيا. والأهم أن إنشاءها جرى بنظام منح المستثمرين البريطانيين عوائد مضمونة من الضرائب الهندية، بينما كانت التكنولوجيا والمعدات والأرباح بأيدي البريطانيين».


ثم وضع ثارور السؤال في موضعه الحقيقي: هل يحتاج شعب إلى أن يُستعمر لكي تُبنى له السكك الحديدية؟


بالطبع لا.


فالطريق ليس خيراً في ذاته إذا كان قد شُقّ لكي يخرج ثروتك من بلدك، والسكك الحديدية ليست هدية إذا كان المستفيد الأكبر منها هو الذي يحتل بلدك.


ثم جاءت الأرقام لتكون أكثر إفحاماً من الخطابة.


فبحسب الأرقام التي يستند إليها ثارور في كتابه «An Era of Darkness – عصر الظلام: الإمبراطورية البريطانية في الهند»، كانت حصة الهند من الاقتصاد العالمي نحو 23% عندما بدأ البريطانيون السيطرة عليها، ثم أصبحت عند رحيلهم أكثر قليلاً من 3%. وهو يلخص المسألة بقوله إن السبب بسيط: «كانت الهند تُحكم لمصلحة بريطانيا».


ولا يعني هذا أن كل ما أنشئ في الحقبة الاستعمارية كان عديم القيمة، أو أن الهند لم تستفد لاحقاً من بعض المؤسسات التي خلفها الاستعمار؛ وإنما يعني أن تحويل آثار المشروع الاستعماري إلى شهادة براءة للاستعمار نفسه مغالطة تاريخية.


وهذا هو تحديداً ما فعله ثارور في عقر دار المستعمر.. لم ينكر وجود السكك الحديدية والمؤسسات واللغة الإنجليزية؛ وإنما سأل السؤال الذي لا يريد المستعمر أن يُسأل:


هل بنيتَها من أجلنا أم من أجل نفسك؟


وهنا يحضر في ذهني حديث الأستاذ سامي عبداللطيف النصف الأخير عن «سايكس ـ بيكو»؛ خصوصاً حين تحول الخطاب من نقد آثار الاستعمار إلى الاقتراب من تبرئة المستعمر من مسؤوليته التاريخية.


ولست هنا بصدد مناقشة الرجل في كل ما قال، وإنما أقارن بين الموقع الذي يتحدث منه والموقع الذي وقف فيه ثارور.


فذاك هندي وقف في قلب المؤسسة البريطانية نفسها، ولم يجد حرجاً في أن يقول للبريطانيين: أنتم تتحدثون عن إنجازاتكم، وأنا أسألكم عن ثمن تلك الإنجازات ومن دفعه.


أما نحن -كخليجيين وعرب، فكم مرة نظرنا وننظر إلى تاريخ المستعمر بعين المستعمر نفسه؟


بل ماذا لو كان الأستاذ النصف، وهو وزير سابق وسياسي خليجي عربي، في تلك القاعة البريطانية مكان السياسي الهندي ثارور؟


أخشى أنه كان سيصف الملك تشارلز بما وصف به شاعر ونائب كويتي ذات يوم الرئيس جورج بوش الأب عند حضوره مجلس الأمة الكويتي في أعقاب حرب الخليج الثانية، حينما وصفه بـ«كحيلان»!


ولست أقصد بالطبع التهكم من النصف أو التحامل عليه -وله كل الاحترام والتقدير، بقدر ما أقصد المفارقة.. هل كنا سنرى المستعمرَ مستعمراً، لو كنا نحن في موقعه؟


ولعل الأندلس تمنحنا جواباً ومعياراً في آنٍ واحد؛ فقد كانت تجربتنا الحضارية هناك أقدم من التجربة البريطانية، وأقدر ـفي جوانبها المضيئةـ على أن تقول لنا إن التعايش مع الآخر لا يستلزم اقتلاع هويته، وإن العمران لا يحتاج إلى أن يسبقه الخراب.


لقد كان روديار كيبلنغ -شاعر الكولونيالية الأبرز، والمولود في هند ثارور!- أكثر ذكاءً من كثير من المدافعين المعاصرين عن الاستعمار؛ لأنه لم ينكر السيطرة، بل أعطاها اسماً أخلاقياً: «عبء الرجل الأبيض».


في قصيدته الشهيرة The White Man's«Burden – عبء الرجل الأبيض» سنة 1899، دعا الرجل الأبيض إلى حمل «عبئه»، متحدثاً عن الشعوب المستعمَرة بلغة الوصاية والطفولة، وعن الحروب الإمبراطورية باعتبارها جزءاً من مهمة «تمدين» الآخرين.


وهكذا تحولت القصيدة، في الوعي الكولونيالي الإمبراطوري، إلى ما يشبه صك براءة أدبياً: لسنا نحتلهم لأننا نريد أرضهم وخيراتها، بل لأننا نريد لهم الخير!


وليس أخطر من استعمار الأرض إلا استعمار المعنى.


ولننقل عدسة التاريخ الآن إلى وطني البحرين..


فإذا أردنا أن نعرف ماذا فعل البريطانيون في وطني -وبصورة أعم في الوطن العربي، فلا يصح أن نبدأ من صورة «المستشار البريطاني» وهو يحمل أوراق الإصلاح، وإنما علينا أن نعود إلى سؤال أبسط: هل كانت البحرين تنتظر البريطانيين لكي تعرف معنى التعليم والإدارة والمشاركة؟


الجواب: لا.


ففي سنة 1919 بدأت في البحرين مسيرة التعليم النظامي الحديث بافتتاح مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق، التي تعد أول مدرسة نظامية حديثة في البحرين والخليج العربي. ولم تكن مشروعاً بريطانياً أتى به المقيم السياسي إلى البحرين، بل نشأت بجهود بحرينية رسمية وأهلية، وشُكلت إدارة للتعليم، وفتح باب التبرعات، وأسهم الأهالي بأموالهم في بناء المدرسة.


أي أن أول مدرسة نظامية في الخليج لم تكن هدية من المستعمر!


وهنا ينبغي أن نكون منصفين أيضاً.


فليس معنى ذلك أن كل ما جاء بعد ذلك من تطوير إداري في البحرين كان شراً، أو أن كل شخصية بريطانية كانت تعمل بالضرورة وفق أجندة استعمارية واحدة.


خذوا تشارلز بلجريف الشخصية الأجنبية الأشهر في تاريخ البحرين المعاصر مثالاً.


لقد كانت له بالفعل إسهامات ملموسة في تطوير الإدارة الحكومية البحرينية، وهذا أمر لا ينبغي إنكاره لمجرد أن الرجل بريطاني.


لكن حتى هنا هناك تفصيل تاريخي مهم يغيب أحياناً عن الرواية: بلجريف لم يأتِ إلى البحرين بوصفه «المقيم البريطاني» أو ممثلاً للحكومة البريطانية.


بل كان مستشاراً شخصياً للحاكم، وكانت وظيفته قد أُعلن عنها في صحيفة The Times البريطانية سنة 1925، ثم جاء إلى البحرين لمباشرة عمله سنة 1926.


وهذا التفصيل لا يقلل من أثره، وإنما يضعه في سياقه الصحيح.


لكن الحكاية تصبح أكثر دلالة حين نصل إلى السياسة.


فإذا كان الاستعمار جاء «ليعلّمنا الديمقراطية»، فلماذا كان ينزعج عندما كان يمارس البحرينيون شيئاً من السياسة ويطالبون باليسير من الديموقراطية؟


ففي عشرينيات القرن الماضي ظهرت مطالب بحرينية بتشكيل مجالس استشارية وتشريعية، وكان عبدالوهاب الزياني وأحمد بن لاحج من أبرز المعارضين للتدخل البريطاني في شؤون البحرين.


وفي سنة 1923 تشكل المؤتمر الوطني البحريني، ومن مطالبه تشكيل مجلس استشاري، بل ووردت المطالبة بمجلس تشريعي. وعندما استُدعي أعضاء المؤتمر إلى الوكالة السياسية البريطانية في نوفمبر من العام نفسه، جرى اعتقال الزياني وابن لاحج وترحيلهما إلى الهند.


والوثائق البريطانية نفسها، المحفوظة اليوم في مكتبة قطر الرقمية من سجلات مكتب الهند، تحفظ تفاصيل ترحيل الرجلين إلى بومباي واحتجازهما هناك. بل إن ملف الزياني وابن لاحج يتضمن التماسات ووثائق مرتبطة بقضيتهما.


والأكثر سخرية من المفارقة أن الزياني، بعد نفيه إلى الهند، واصل مقاومته للتدخل البريطاني، واستعان بالمحامي والسياسي الهندي محمد علي جناح -مؤسس باكستان بعدها- في الطعن أمام المحاكم والسلطات الهندية في قضية نفيه وما ارتبط بها من اعتراض على التدخل البريطاني في شؤون البحرين.


أي أن بحرينياً طالب بالشورى في بلاده، فتم نفيه من البريطانيين إلى الهند؛ ثم أتى رجل هندي، سيصبح لاحقاً مؤسس باكستان، ودافع عن حق البحريني أمام المؤسسة الاستعمارية نفسها!


أليست هذه وحدها كافية لتجعلنا نعيد التفكير في عبارة «المستعمر الذي جاء ليعلمنا الديمقراطية»؟


والأكثر غرابة أن بعض الروايات تجعلنا نتصور أن البريطاني كان في البحرين -وأينما وطأ محتلاً- مجرد مراقب محايد، أو موظفاً جاء ليمنحنا الإدارة الحديثة.


لكن تاريخ البحرين في تلك المرحلة يكشف عن تدخل بريطاني عميق في الشؤون الداخلية، وعن صراع حول حدود سلطة الحاكم والمجالس والإدارة والإصلاحات.


وهنا لا يمكن اختزال التاريخ في ثنائية ساذجة: «البريطانيون أشرار، والبحرينيون أخيار».


التاريخ أعقد من ذلك.


لكن التعقيد لا يعني تبرئة المستعمر.


بل يعني أن نسأل: من كان صاحب القرار؟ ومن كان يملك القوة؟ ومن كان يملك حق الاعتراض؟


فإذا كانت بريطانيا تؤمن فعلاً بأن المؤسسات التمثيلية والديمقراطية خير مطلق، فلماذا كانت تتحسس منها حين طالب بها أهل البحرين؟


وهناك بُعد آخر أكثر مرارة.


لم يكتفِ الاستعمار في مناطق كثيرة من عالمنا العربي خاصة بإدارة الاختلافات الموجودة؛ بل ارتبطت سياساته أحياناً بتصنيف الجماعات وإدارة الانقسامات الاجتماعية والطائفية بما يخدم استقرار نفوذه.


والبحرين ليست استثناءً من تاريخ طويل من التدخل البريطاني في التوازنات الداخلية.


ولهذا فإن أخطر ما يفعله الاستعمار ليس أن يضع جندياً عند بابك، وإنما أن يجعلك تتنازع مع أخيك حول تعريف الوطن، بينما يقف هو فوق الخلاف بوصفه الحكم والوسيط والحامي.. أو كما صاغ المتنبي الفكرة شعرياً.. فيك الخصام وأنت الخصم والحكم!


ولذلك أعود إلى الكلمة الأولى:


«مستعمر»..


كلمة عربية جميلة في أصلها، لكنها في تجربتنا التاريخية تكاد تكون ساخرة وقاهرة.


فالذي سميناه «مستعمراً» لم يكن دائماً يعمّر.


والذي قال إنه جاء بالتعليم لم يكن أول من علّمنا.


والذي قال إنه جاء بالديمقراطية لم يكن سعيداً دائماً حين طالبنا بها.


والذي قال إنه جاء ليحمي مصالحنا كان عليه أولاً أن يثبت أن مصالحنا كانت هي المقصودة، لا مصالح إمبراطوريته.


وهنا أجد أن أفضل ما يمكن أن نفعله ليس أن نحذف فصل «الاستعمار» من فصول تاريخنا، ولا أن ننكر كل مؤسسة تركها خلفه، وإنما أن ننزعه من روايته «التنزيهية» لنفسه.


فالطريق الذي بناه المستعمر لا يصبح فضيلة لمجرد أنه طريق.


والمدرسة التي أنشأها المستعمر لا تصبح هدية لمجرد أنها مدرسة.


والمؤسسة التي أدخلها المستعمر لا تصبح دليلاً على حسن نيته لمجرد أنها مؤسسة.


السؤال دائماً يجب أن يكون حينما نعود لذلك الفصل: من بناها؟ ولماذا؟ ولمن؟ ومن دفع ثمنها؟


وإذا أردنا أن نختم الحكاية بأسطر قليلة، فلنقل:


كذب «المستعمرون» ولو صدقوا؛ لأن أكبر أكاذيب الاستعمار لم تكن في ما قاله عن نفسه، بل في ما أقنعنا نحن أن نقوله عنه.


ثم لعل المفارقة الأجمل والتي أختم بها هي في أن الهندي شاشي ثارور لم يحتج إلى تحطيم تماثيل البريطانيين، ولا إلى شتم بريطانيا، لكي يهزم روايتها.


وقف في أكسفورد، في دار المستعمر، وأعاد إليه فاتورة «التمدين».


وهذا هو الدرس الذي نحتاجه نحن أيضاً:


لا نحتاج إلى كراهية الغرب، وإنما نحتاج إلى أن نتوقف عن رؤية تاريخنا بعينيه.


والحمد لله الذي ينشر هذا المقال في منبرٍ من وطنٍ لم تطأه يوماً قدمُ محتل؛ حتى لا يأتي من ينسب إلى المستعمر فضلاً في تأسيس «عكاظ»!

00:00 | 4-09-2026

حلف مكة: هندسة الردع.. وعقلنة الطموح الإيراني

في خضمّ الرمال المتحركة للتحوّلات الجيوسياسية في منطقتنا، التي لا تكتفي بالوقوف على صفيح ساخن، بل إنها تتأرجح حرفياً على صفيح «جهنمين»: الأول، صراعاتُ المنطقة وحروبها العبثية التي أبت أن تتوقف، وسباق نفوذ تفتحه قوى لا تتقن سوى إشعال الحرائق وترك الرماد خلفها. والثاني، ذلك «العملاق النائم» في شكل «بركان» الذي تربض فوقه مدينة عدن. وكم هو ممعنٌ في «شر البلية ما يضحك» أن نتذكر هنا مقولة عالم البراكين البريطاني الشهير «I.G. Gass»، الذي درس جيولوجيا المنطقة ووصف ثوران بركان عدن التاريخي، بأنه سيجعل من ثوران البراكين الأخرى تبدو كـ«ألعاب نارية»!

ومن هنا، برز «حلف مكة» الجديد بين السعودية، وتركيا، وباكستان كحدث لم يكن العبور فوقه تحليلياً خياراً ذكياً. لقد سارع الكثير من المحللين إلى وضع هذا التحالف في قوالب «الردع العسكري التقليدي» الجاهزة، واصفين إياه بأنه مجرد جدار صدّ في وجه التمدّد الإيراني. لكن، نظرة فاحصة على هذا المولود الجيوسياسي، وضمن رؤيته كـ«إدارة إطفاء» إقليمية ذكية تسعى لإقناع طهران بالعدول عن إشعال «الألعاب النارية» السياسية والعسكرية في المنطقة، تكشف عن دهاء استراتيجي أعمق بكثير من فكرة «المواجهة بحد السيف».

إن ما يحدث ليس بناء «جدار»، بل هو هندسة دقيقة لـ «قفص ذهبي»، أعدته القوى الثلاث بعناية فائقة لاستيعاب طهران، ليس عبر كسرها عسكرياً، بل عبر مأسسة سلوكها وتقييد طموحاتها بشبكة من المصالح الواقعية.

فك شفرة الدهاء: مأسسة الخصوم

(Institutional Enmeshment):

هذا هو المصطلح المفتاحي الذي غفل عنه الكثير من المحللين. في علم العلوم السياسية، لا تعني القوة دائماً تدمير الخصم، بل تعني غالباً القدرة على إعادة تشكيل بيئته بحيث يصبح خيار العدوان لديه هو الخيار الأعلى كلفة والأقل جدوى.

ولنا في التاريخ القريب مثال ساطع و«منطقي» جداً يوضح هذه الإستراتيجية وهو: كيف تعامل الغرب مع ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية؟

لم يكن الحل في الخوف من إعادة نهوض ألمانيا كتهديد عسكري هو تدميرها كلياً أو عزلها للأبد، بل كان الحل في مأسستها. عبر دمجها في حلف شمال الأطلسي (NATO) والجماعة الأوروبية للفحم والصلب -الاتحاد الأوروبي فيما بعد-، تم تقييد جيشها ضمن هيكل قيادة مشترك، وربط اقتصادها (عصب الحرب) باقتصادات جيرانها بشكل لا يقبل الانفصام. هذه «المأسسة» جعلت شن ألمانيا لحرب أخرى أمراً مستحيلاً عملياً ولوجستياً، ومكلفاً جداً اقتصادياً وسياسياً. هكذا، تم تحويل «الخصم المحتمل» عسكرياً إلى «شريك أساسي» في الأمن والازدهار الأوروبي.

هندسة «القفص الذهبي» لإيران:

بالمقارنة، يتبنى حلف مكة الإستراتيجية نفسها تجاه إيران، لكن بأدوات مختلفة تناسب جغرافيا وثقافة المنطقة. التحالف لا يسعى لحرب استباقية، بل يخلق واقعاً إجبارياً يطوق الطموح الإيراني بـ «مؤسسة» من عناصر القوة التي أعدتها الدول الثلاث بعناية:

النفوذ و«الجذب» السعودي: لا تقتصر القوة السعودية هنا على المال فحسب، بل على مكانتها الروحية والاقتصادية، وقدرتها على حشد الشرعية الدولية والإقليمية. هي قوة «جذب» تجعل الخروج من عباءة التفاهم معها انعزالاً باهظاً.

المظلة والردع النووي الباكستاني: بوجود إسلام أباد، يكتسب التحالف بُعداً رادعاً استراتيجياً حاسماً يضع حداً نهائياً لأي طموح توسعي إيراني قد يفكّر في تجاوز الخطوط الحمراء عسكرياً.

الدرونز والتفوق التقني التركي: تضيف أنقرة للتحالف ذراعاً عسكرية مرنة ومتقدّمة تكنولوجياً، قادرة على توفير استجابة سريعة ودقيقة لأي تهديدات دون الحاجة لتورط عسكري ميداني واسع.

المسار إلى «العقلنة» استراتيجياً وضم الخصم:

بهذا المزيج المرعب من «الصلابة النووية» و«المرونة التقنية» و«الجاذبية الاقتصادية»، يضع التحالف طهران أمام حقيقة جيوسياسية جديدة، تقودها إلى حالة من «العقلنة استراتيجياً» (Strategic Rationalization) عبر مفاوضات جادة تدرك فيها حدود قوتها.

وهنا تكمن قمة الدهاء: ذروة الاحتواء لا تأتي بعزل إيران نهائياً أو بكسر نظامها، بل قد تأتي، في نهاية المطاف، بشكل ضم إيران كشريك إلى منظومة أمنية وتكاملية إقليمية جديدة، مشروطة بالتزام تام وكلي بقواعد اللعبة الجديدة: «احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية». حينها، ستكون مكاسب الاندماج والازدهار لطهران أعلى بكثير من تكلفة الانعزالية والمواجهة.

إن حلف مكة هو إعلان عن نضج جيوسياسي عربي-تركي-باكستاني، يفضل هندسة السلام عبر القوة الذكية (smart power)، على الانجرار لمواجهات عبثية لا رابح فيها، محاولاً إعادة صياغة الشرق الأوسط بقواعد لعبة تجعل السلم مصلحة الجميع، والعدوان انتحاراً لصاحبه.

00:00 | 10-08-2026

بين روزيفيلت والبحرين و«المتوت» وروما والسعودية !

خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد قصف اليابان ميناء «بيل هاربور» الأمريكي.. أصدر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزيفيلت أمراً رئاسياً ببناء مراكز اعتقال وتهجير لجميع اليابانيين المتواجدين في أمريكا (حتى من تجنس بالولادة منهم)، كإجراء وقائي عاجل دون الحاجة للبحث عن خائنين بينهم والتأكد من خيانتهم ومن وجود طابور ياباني خامس في أمريكا، وجمع في المعتقلات عشرات الآلاف من اليابانيين، وهجّر مثلهم لخارج أمريكا.. تختلف أو تتفق مع قرار الرئيس الأمريكي، فقد تصرف حينها من منطلق: «إذا كان الأمن الوطني في خطر، فإياك أن تحدثني عن الديموقراطية»!

هذا المثال التاريخي أسقطه على أدمغة الخونة من «علقميي الخليج»، من ثبتت خيانتهم لأوطانهم وارتهانهم العقدي الفاسد لإيران.. احمدوا ربكم على قيادتنا الرشيدة وباقي قيادات دول الخليج العربي.. التي تعاملت معكم من منطلق التوجيه الرباني: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، ولم تتعامل معكم بمنطق روزيفيلت!

«المحنة» الأخيرة التي خرج منها وطننا العزيز الأبي بـ«منحة» تكررت عبر تاريخنا الوطني، وهي الاصطفاف الشعبي العظيم حول راية الوطن وقياداته الرشيدة، كالبنيان المرصوص، وأن يخرج وطني الأبي من هذه «المحنة» أقوى من قبل.. تجعلني أتمسك أكثر بتعريفي الخاص حول أصل اسم وطني البحرين بجانب روايات التسمية المعروفة، وهو أن هناك «البحر» المعروف الذي يحيط بجزيرتنا من كل جهاتها.. وهناك أرض الوطن التي أقرب ما يكون وصفها بـ«البحر»، وفيها كل مواطن شريف مخلص كـ«السمك»، متمسك بأرضه وولائه لها حد أن تخرج سمكة من هذا البحر.. أي حد الموت!.. أما من شذ من بيننا من خونة وشرذمة قليلين.. فهم أشبه بسمك «المتوت» –كلمة بحرينية تصف نوعاً من السمك الصغير جداً-.. ويعرف عن سمك المتوت قفزه من البحر للساحل.. أو لهلاكه دون منطق أو عقل!.. وصدق مثلنا البحريني: «حتى المتوت نعمة الله»!

وقبل الختام، لا يوجد في البحرين «سور عظيم».. ولا «سلسلة جبال».. ولكن البحرين أثبتت اليوم وبالأمس بأنها تمتلك رجالاً ونساء أحصن من أي سور عظيم، وأثبت من أي سلسلة جبال.

وقفة ثبات ورفعة عقال إلى بواسل قوة دفاع البحرين ووزارة الداخلية والحرس الوطني وباقي مؤسساتنا العسكرية.. من بعد حفظ الله.. كنتم السور العظيم الحصين وسلسلة الجبال الثابتة في الذود عن وطن عزيز أبي.. شكراً بحجم وطن عمره يعادل نصف عمر البشرية.

ختاماً، ومن على هذا المنبر السعودي الرفيع، وقفة ثبات أخرى للمحزم طويق، ورفعة عقال بالأصالة عن نفسي ووطني البحرين وباقي دول الخليج العربي.. للمملكة العربية السعودية، من كانت بالأمس واليوم بمثابة «أمنا العودة» في حنانها وفزعتها بالغالي في مواجهة الغدر الرخيص الإيراني..

وليعذرني سفراء الجمهورية الإيطالية في دول الخليج العربي.. «تشاو» -وداعاً- روما.. كل الطرق تؤدي اليوم إلى السعودية التي شكلت وتشكل خط سير العالم.. ووقوده.

00:01 | 12-04-2026

«ورشة» عبده خال، و«عكاظ»، و«النابغة الذيابي»، وعصرة الليمون!

قرأت مقال الكاتب والروائي المخضرم عبده خال، الموسوم «أدب الفسيخ»، الذي وضع عبره ما يشبه «المرهم» على موضع الألم – وربما رأى البعض من غير المنصفين بأن هذا «المرهم» كان أشبه بـ«الملح»!- في الجسد الثقافي المتورم بالغث والتفاهة ليس في السعودية فقط، بل على امتداد الوطن العربي (لا جديد في توحدنا على الخيبات!)، هذا الألم المستفحل اليوم، وُفِّقَ الأستاذ عبده حينما أرّخ لإرهاصاته مع ظهور المنتديات وبعدها وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يفهم من مقالي هنا وأسمح لنفسي بالتحدث بالأصالة عن الأستاذ عبده، ومقاله، بأننا من مناهضي «السلطة الخامسة»، فنحن من مريديها والشاهد حساباتنا فيها، ولكن غاية الأستاذ عبده كانت محددة حول فوضى الكتابة والكتاب التي ما انتظم لها سير حتى لحظة كتابة مقالي ومقاله.


أنا من جيل في البحرين، تفتحت -وتنقحت- بداية مداركه الكتابية والثقافية عبر «صفحات القراء والثقافة» في الصحف المحلية.. وكما أشار الأستاذ عبده خال، كانت «الإجازة» للكاتب بنشر مقاله أو قصيدته فيهما، بمثابة كلمة «أحسنت» التي كان يذيل بها أحد أساتذتنا بمرحلة الابتدائية والإعدادية أوراق امتحاناتنا.. أما ذلك الشعور بالفرح وتقدير الذات اللذان كانا ينتاباني حين إجازة مقالي أو قصيدتي وبعدها تنشر، فلن يعيشهما اليوم من يعيش في وهم -وأكرر وهم- أنه «كاتب/ شاعر»، والسبب ببساطة في أن «إجازة» مادته إما عبر سهولة نشرها اليوم في كتاب أو عبر آلية غير عاقلة، بضغط زر «نشر/ اضغط» في وسائل التواصل الاجتماعي أغلبها إما مقتبس أو مسروق أو من صنع ذكاءٍ اصطناعي، لا تخضع لتمحيص وتقييم عاقلٍ مختصٍ!


أنا من جيل قرأ بأن الشاعر البحريني الفخم جدّاً «قاسم حداد»، كان في بداياته يبعث بمساهماته الأدبية تحت «اسم مستعار» -خوفاً من رفضها!-، إلى صحيفة الأضواء البحرينية (صحيفة بحرينية أسبوعية تأسست عام 1965، وبعدها في بداية السبعينات أصبحت يومية تحت مسمى «أضواء الخليج»، وبعدها في عام 1976، أصبح اسمها «أخبار الخليج»، التي لم تزل موجودة ورقاً وموقعاً إلكترونياً اليوم)، وكانت تصل مواده تلك إلى مؤسسها ورئيس تحريرها أستاذ الصحافة البحرينية المعاصرة المخضرم جدّاً جدّاً/ محمود المردي رحمه الله، وكان يجيز نشرها، ولم يكتفِ بذلك، بل اجتمع بعدها مع حداد، وطلب منه أن يكون متعاوناً مع صحيفته عبر إرسال مواده بشكل أسبوعي بشرط أن تذيل باسمه الحقيقي. والمردي بشهادة قاسم حداد، كان من أوائل من تنبأ بعلو كعب حداد في الشعر والأدب، ولم تخطئ فراسته رحمه الله، وأطال عمر أستاذنا قاسم حداد.


والشيء بالشيء يُذكر، والفضل لأهله يُنشر ويُشكر، لا أجرؤ أن أتجاوز ذكر الأستاذ محمود المردي دون إيفاء بعض حقه وفضله على الصحافة البحرينية والكتاب ممن بدأوا مغمورين، وبفضل موهبتهم أولاً، ثم بفضل أستاذنا المردي أصبح كثرة منهم بعدها كتاباً معروفين محلياً وإقليمياً. كان الأستاذ المردي طيب الله ذكره ومستقره، يخصص ربع عدد صفحات صحيفته «أضواء الخليج»، للكتاب الشباب الموهوبين لنشر مساهماتهم، مؤثراً ميلاد موهبة عبر صفحات صحيفته، على ما قد كان يمكن أن يحققه من دخلٍ كبيرٍ حينها فيما لو خصصت تلك الصفحات للإعلانات المدفوعة.


ومع هذا كان المردي رحمه الله أشد من «عبده خال» في نقد «كتاب وأدباء السبهللة!» دون موهبة حقة، والشاهد تلك المعركة الأدبية التي جرت بينه وبين الدكتور محمد جابر الأنصاري -رحمهما الله-، حينما كان المردي يطلق على الشعراء وكتاب القصة الشباب مسمى «المتأدبين»، مؤكدا بأنهم لا يستحقون بحكم تجاربهم الصغيرة أن يطلق عليهم مسمى «أدباء»، فيما كان الأنصاري يؤكد بأنّ هؤلاء الشباب يستحقون لقب أدباء، وتجاربهم الأدبية تعد مميزة، وأن على المردي أن يلتفت ويركز على الشؤون الصحفية المتعلقة بأسعار «البصل والطماطم ومشاكل البلدية»، وأن يترك الشؤون الأدبية للمختصين!.. ومع هذا النقد اللاذع جداً من الأنصاري، سما المردي بمهنيته الصحافية الرفيعة وسعة صدره، ونشر رد الأنصاري المذكور كما هو في صحيفته.


وعلى ذكر «البصل والطماطم»، أصل إلى لماذا أثّر فيّ شخصياً مقال الأستاذ عبده خال؟، عبر قصة شخصية جرت بيني وبين من اعتبره أحد أساتذتي الكبار من لهم فضل كبير علي وأبي الروحي، شاعر البحرين الأفخم، الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة رحمه الله وطيّب مستقره، والحديث عن علاقة الأستاذ بالتلميذ، والصداقة والمحبة بيننا التي امتدت لأكثر من عقدين، ذو شجون تقصر عن حمل تفاصيلها أي صحيفة!


والقصة باختصار كنت وما زلت مولعاً بنظم الشعر العربي الفصيح.. وفي بداياتي -التي لم أغادرها بعد!- كتبت نصاً شعرياً، وظننت بأني بذاك النص «المُخلخل» بت حينها «المُهلهل»!.. وكحال السلف من الشعراء الذين كانوا يتسابقون إلى عكاظ لعرض قصائدهم على «رئيس لجنة تحكيم شعراء عكاظ»، الشاعر الأفخم النابغة الذبياني عله يجيزها، ويجيزهم كشعراء (كما نتسابق نحن الكتاب لـ«عكاظ» لعرض مقالاتنا أولاً على «النابغة الذيابي» لعله يجيز نشرها!). «دُست بنزين» بقصيدتي إلى بستانه الوارف بمنطقة الجسرة بالبحرين، وقرأتها عليه، وهو منصت إنصات المعلم المحب، حتى أكملت قراءتها، فحينها بادرني بالقول: «سأحكي لك قصة جرت بيني وبين أستاذي إبراهيم العريض (شاعر وأديب البحرين العملاق).. عندما نظمت أول قصيدة لي أتيت منزله مثلك مسرعاً، ومثلك قرأتها على مسامعه، وعندما انتهيت من قراءتها، وجّه لي نصيحة وبدوري أوجهها لك، قال لي: يا ابني عندما تريد أن تُهدي أحدهم هدية.. إهده تفاحة أو برتقالة، وليس بصلة!».. وختم الشيخ أحمد نصيحته لي: «يا ابني أنت تمتلك الموهبة، ولكن الموهبة إن لم تصقل أولاً بالقراءة ثم القراءة ثم القراءة للمتقدمين من الشعراء قبل غيرهم (وخص ديوان المتنبي طبعاً بالتوصية)، وبعدها بالأناة وعدم الاستعجال – وهنا بادرني بالعامية البحرينية- يعني أول شيء تسويه قصيدتك تعصر عليها ليمونة ثم تضعها تحت المخدة، وبعدها بكم يوم تراجعها وتنقحها لين تستوي قصيدة تستحق النشر ويتكلم عنها النقاد». هذه النصيحة من حينها لم ولن تفارق مخيلتي عند الكتابة بشكلٍ عام، وبشكلٍ خاصٍ عندما يأتي الإلهام لكتابة قصيدة.. كنت وسأظل قبلها أجهز ليمونتي!


وهنا أصل إلى زبدة المقال وختامه، أظن ظناً أقرب إلى الجزم بأن مقال الأستاذ عبده خال، لا يختلف في زبدته عن نصيحة معلمي الشيخ أحمد آل خليفة رحمه الله.. الموهبة وحدها لا تكفي.. القراءة ثم القراءة ثم القراءة، وبعدها الأناة وعدم الاستعجال في الركض نحو نشر مادتك (أو ضغط زر «نشر»!) قبل «عصرة الليمون»!


أما ورشات الكتابة فيكفيك بأنها لم تصنع عربياً -وعالمياً- مثل «نجيب محفوظ»، وعالمياً مثل «غابريل ماركيز»!

00:21 | 4-12-2025

بين قنبلة إسرائيل وقنبلة إيران المرتقبة.. أين يكمن الاستقرار؟

عنوان مقالي.. يطرح الكثير من التساؤلات التي تتعارض إجاباتها العقلانية مع عنوان مقال لعالم السياسة البروفيسور الأمريكي/‏‏ كينيث والتز (8 يونيو 1924 – 12 مايو 2013)، الذي حمل عنوان: «لماذا يجب على إيران أن تحصل على القنبلة؟-Why Iran Should Get The Bomb?»، والذي نشره في عام 2012، بمجلة «الشؤون الدولية Foreign Affairs» الأمريكية المرموقة. ومقال والتز هذا في الأصل اشتق من الفكرة العامة في كتابه المنشور في عام 1981، بعنوان:

«The Spread of Nuclear Weapons: More May Be Better»، ما ترجمته: «انتشار الأسلحة النووية: الكثير منها قد يعني الأفضل».

لا زلت أستذكر واليوم قبل أي يومٍ مضى.. تلك المحاضرة في أواخر عام 2012، التي حضرتها في

Centre Européen de Recherches Internationales & Stratgégiques -المركز الأوروبي للبحوث والدراسات الدولية والإستراتيجية (CERIS)، -الذي أرأسه اليوم إقليمياً في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا- أحد أهم المراكز الفكرية والأكاديمية في أوروبا والعالم.. عندما كان الضيف المتحدث الرئيسي كينيث والتز (الذي بالمناسبة كان أستاذ أوباما في جامعة شيكاغو إبان كان تلميذاً فيها)، كانت المحاضرة تدور حول مقاله المذكور، حيث لخّص نظرته الجيوسياسية المعتمدة على نظريته «السياسة الواقعية الجديدة- neorealism»، من أن حصول إيران على القنبلة النووية سيعني بالضرورة موازنة خطر النووي الإسرائيلي وردع بلطجة إسرائيل في المنطقة ودرء الفوضى المترتبة على تصدر إسرائيل لقوى المنطقة نووياً.

وأنا استمع له يومها كانت الأسئلة تغلي بداخلي من مثل.. هل فعلا بأن موازنة إيران لإسرائيل نووياً سيبعد عن المنطقة شبح الحروب والفوضى؟ تختلف أم تتفق مع والتز، فهو ممن بنى نظرته الجيوسياسية هذه على سياسة واقعية تدعى Realpolitik أي السياسة الواقعية العملية التي تتجرد من العواطف وتنظر للوسائل -مهما وكيفما كانت- التي تحقق الغايات. يذكر بأن كينيث والتز نشر مقالته المذكورة قبيل وفاته بأشهر قليلة (توفي عام 2013)، وكانت المقالة بمثابة «وصية» إلى تلميذه الرئيس الأمريكي حينها باراك أوباما، الذي بدا بأنه سعى لتحقيقها، ففي فترة رئاسته، ولدت وازدهرت وتقدمت المفاوضات النووية الإيرانية مع مجموعة 5+1 (الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس أمن الأمم المتحدة+ألمانيا) لصالح إيران، فيما عرف بـ«صفقة إيران»!

طبعاً أنا شخصياً اختلف تماماً مع طرح والتز، ولدي أفضلية كوني أولاً، ابن المنطقة وعرفت وشهدت ديناميكية الصراعات فيها وطبيعتها عن قرب بخلاف والتز الذي اكتفى بالتنظير من على بعد آلاف الأميال دون العيش في منطقة الشرق الأوسط والفهم عن قرب لإرهاصات وتداعيات الصراعات وأجندة القوى فيها. فمثلاً، طرح والتز تجاهل الدوافع الأيديولوجية للنظام الإيراني، كما غفل عن الطبيعة غير المتوقعة لانتشار الأسلحة النووية.

فعلى عكس نظرية والتز، فإن إيران نووية ستُصعّد الصراعات، وتدفع المنطقة إلى سباق تسلح خطير. ومن هنا ففكرة والتز القائلة بأن «المزيد من القنابل تعني المزيد من السلام» هي فكرة ساذجة إلى حد الخطورة، خصوصاً في منطقة تتغلغل فيها الفصائل غير الحكومية (المليشيات) والدوافع الأيديولوجية التي تُقوّض مبدأ الردع القائم على العقلانية، كما كان الحال في الحرب الباردة. لقد أدى انغماس والتز في التنظير الأكاديمي، وهو بعيد كل البعد عن واقع الشرق الأوسط، إلى تغافله عن حقيقة أساسية: إن السلاح النووي في يد إيران وحتى إسرائيل التي تملك بالفعل ترسانة نووية، لا يجلب الاستقرار، بل يقود إلى الفوضى، ولا أدل من الفوضى التي تشهدها المنطقة اليوم من الحرب الإسرائيلية الإيرانية، التي قصّت شريطها إسرائيل، وتلاها الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة من جانب إيران، ورد إسرائيل وتدخل أمريكا بجانبها مؤخراً بعمليات عسكرية على منشآت نووية، والذي أعقبه الرد الإيراني الأخير بقصف صاروخي ضد دولة خليجية.. قطر الشقيقة.

كل هذه الفوضى أوصلت المنطقة إلى حافة الانفجار، ولم تزل دول فيها معرّضة لخطر وجودي، وأعني تحديدًا دول الخليج العربي.. هذه الست دول.. الحدائق وسط حرائق!

ناهيك عن أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيعني بالضرورة حصول سباق تسلح، فدول مثل السعودية وتركيا ستسعى حينها لامتلاك أسلحة نووية خاصة بها. كما سيؤدي ذلك إلى شلل المسار الدبلوماسي- المشلول أساساً!- ففكرة الردع (بمعنى وجود إيران كقوة نووية رادعة لإسرائيل) لن تنجح، لأن أيديولوجيا إسرائيل تقوم على الاحتلال والتوسع تحت مثل شعار «إسرائيل الكبرى.. من النهر إلى البحر».

قبل الختام، الحل لاستقرار الشرق الأوسط لا يكمن في انتشار القنابل النووية، سواء تلك الإيرانية المرتقبة أو الإسرائيلية الموجودة. فإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية، رغم كونه هدفاً مثالي النزعة وبعيد المدى، إلا أنه يجب أن يبقى طموحاً إقليمياً مستمراً. أما على المدى القصير، فأنجع حل منطقي وواقعي وممكن التنفيذ ويفضي إلى بناء الثقة والاعتراف المتبادل هو في قبول مبدأ التعايش دون الخضوع للهيمنة الأيديولوجية، وذلك ضمن ترتيب يُعرف بــ «modus vivendi»، وهو مبدأ في العلاقات الدولية قائم على التعايش المؤقت كأمر واقع بين أطراف متنازعة (إيران- إسرائيل) دون اتفاق نهائي، وقطعاً لن يتحقق ذلك الاتفاق النهائي دون أن تحل أولاً القضية الفلسطينية، القضية المركزية في الشرق الأوسط وأساس أو «قميص عثمان» صراعاته، وذلك عبر قبول إسرائيل لمبادرة السلام العربية 2002.

يقول نيكولا مكيافيللي:

«الحروب تبدأ حينما تشاء، لكنها لا تنتهي حينما ترغب».

وأزيد على قول مكيافيللي، بأن الحروب لا تنتهي حينما ترغب، وأيضاً.. أينما ترغب، فهي لا تنحصر بعدها في الغالب بين طرفين بل تتعداهما جيوسياسياً، ليتسع ضررها البشري والمادي.

رسالة ختامية عبر هذا المنبر السعودي على أرض الشقيقة الكبرى لباقي دول الخليج العربية الشقيقة، بلسان شاعر من أرض الشقيقة الكبرى:

أخاك أخاك إنّ من لا أخاً لهُ

كساعٍ إلى الهيجاء بغير سلاحِ

وفهمكم يكفي!
00:01 | 3-07-2025

تساؤلات حول سوريا الجديدة والجولاني..!

وأنا أتصفّح بالأمس عناوين الأخبار العالمية على الإنترنت حول «حدث القرن» -في رأيي- وهو فرار بشار الأسد من سوريا، وإسقاط نظامه وآخر معاقل «البعث» أو «العبث» العربي، واستيلاء الثوار بقيادة أبو محمد الجولاني -أحمد الشرع- على زمام الأمور في سوريا.. وقعت عيني على «مانشيت» لصحيفة الواشنطن بوست الأمريكية ما ترجمته حرفيا للعربية: «عهد جديد في سوريا بعد إسقاط بشار الأسد من قبل الثوار».

فرجعت بي الذاكرة المعاصرة إلى مانشيت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، إبان الغزو السوفيتي لأفغانستان، وبروز الجماعات الجهادية حينها بقيادة أسامة بن لادن، حيث جاء حينها في المانشيت العريض الذي تضمن صورة مبتسمة لابن لادن ما ترجمته حرفيا للعربية: «محارب ضد السوفيت يضع جيشه في الطريق نحو السلام».

فدارت هذه الأسئلة في خلدي، وأحببت أن أشاركها القراء بدلاً من «التحليل المستقبلي» و«القطعيات» من على وقع «إنما أوتيته على علمٍ عندي»، التي يتمتع بها أغلب المحللين العرب!

هل التاريخ يعيد نفسه؟ هل من تعمل الصحافة الأجنبية على «أنسنة» موقفه بالأمس واليوم بمثل عبارات «محارب من أجل الحرية.. يقود الطريق نحو السلام.. ثوار»، ستعمل غداً على شيطنته بعبارات من مثل «إرهابي.. عصابات إرهابية.. نشر الإرهاب» لعلمها بإرهاصات «اللعبة السياسية» وتداعياتها في الغد؟ هل وجدت أمريكا في هيئة تحرير الشام «طالبان جديدة»؟ والسيناريو متكامل ومتطابق بين الأمس واليوم.. حرب باردة بين أمريكا وروسيا بدأت في أوكرانيا عبر استنزاف روسيا عسكرياً، ثم الإجهاز عليها سياسياً في سوريا (أفغانستان اليوم).. هل تبدأ من سوريا «اتساع خريطة إسرائيل» كما وصف ووعد ترمب؟ هل سيكذِّب أبومحمد الجولاني التاريخ وأمريكا عبر قيادة جهود وطنية متعددة الأطراف لبناء سوريا كدولة مدنية تنهض كطائر الفينيق -وأصل الأسطورة من سوريا!- من رمادها الحالي؟ هل سيغلب مضمون كلامه التقدمي المطمئن جداً لكل أطياف الشعب السوري والعالم خلال مقابلته الأخيرة مع شبكة الـCNN على شكله السلفي؟ هل الجولاني قائد سوري وطني متجرد لمصلحة سوريا فقط؟ أم أنه «منتج معلب بأمريكا» خرج من مما أسماه الصحفي الأمريكي الاستقصائي/‏‏ تريفور آرونسون، في كتابه «مصنع الإرهاب The Terror Factory: من داخل عقلية الـ(إف بي آي) في كيفية تصنيعها للإرهاب والإرهابيين»؟

وخاتمة الأسئلة.. هل تخرج من سوريا «الأعجوبة العربية السابعة»؟، بعد محمد نجيب (مصر)، وعبدالرحمن الأرياني (اليمن)، وفؤاد شهاب (لبنان)، وعبدالرحمن سوار الذهب (السودان)، وولد أحمد الولي (موريتانيا)، والمنصف المرزوقي (تونس).. في أن يكون سابع رئيس عربي يترك كرسي الحكم بسلام وبإرادته بعد فترة انتقالية حرجة؟

كل ما سبق أسئلة مشروعة مهمة جداً في فهم السياق القادم لتداعيات سوريا ما بعد نظام الأسد.. وحدها الأيام القادمة وأحداثها كفيلة على الإجابة عليها بدقة ووضوح.

قبل الختام، الإطاحة بنظام الأسد الذي قبع على أنفاس ومقدرات السوريين وسوريا لأكثر من نصف قرن، في حد ذاته، نصر كبير جداً، ودعوة للتفاؤل بغد سوري مشرق، وهذا ما نتمناه لسوريا والسوريين.

ختاماً، آمل أن لا تُسقط مجدداً «القصة التراثية العربية» المألوفة على سوريا بعد أن أُسقِطت -وتحققت- قطعاً في ليبيا والعراق واليمن، وهي قصة ذلك الحاكم العربي الديكتاتور، الذي وصّى ولي عهده وهو على فراش الموت، بأن تسير جنازته في خط مستقيم واحد، وفيما إذا صادفها عائق فيقوم الابن بإزالته مهما كان العائق من بيت أو دكان أو أو.. وعندما توفى الحاكم الظالم، عمل الابن على تنفيذ وصية والده خلال سير الجنازة فهدم عشرات المنازل والدكاكين ممن كانت تعترض خط سير الجنازة.. وهنا تصايح الناس: «رحم الله الأب كان أرحم من ابنه»!

فأرجو من الله تعالى أن لا يترحم أهل سوريا في قادم الأيام على «جحيم الأسد» بعد أن يتكشف ضباب «نعيم الجولاني» الموعود عن «جحيمٍ آخر».. وفال الله ولا فال ليبيا والعراق واليمن!
00:18 | 15-12-2024

هل تريد أن تعيش لأكثر من قرنين ونصف؟

هل تعلم بأن هناك شخصاً كان يستطيع تناول وجبة الغداء مع «إسحاق نيوتن 1643 - 1727»، ووجبة العشاء مع «ألبرت أينشتاين 1879 - 1955»؟!

طبعاً ليس في نفس اليوم، ولكن خلال قرابة أكثر من قرنين ونصف، وهي مقدار ما عُمِّر! نعم صدِّق أو لا تصدِّق لقد كان الشخص الوحيد في التاريخ الحديث الذي عاش لأكثر من 250 عاماً، وبشكل موثق، لدرجة أن الصحف والمجلات العالمية مثل (صحيفة نيويورك تايمز، ومجلة التايم) حين توفى بعد قرابة الثلاثة قرون تداولت خبر وفاته، وقصة حياته في صفحاتها الأولى.

لي تشينغ يوان Li Cheng Yeun، رجل صيني وُلد بحسب السجلات الصينية الرسمية في عام 1677، وتُوفي في عام 1933 أي أنه عاش قرابة الـ300 سنة! في حين أن أكبر المعمرين حول العالم بحسب السجلات الرسمية المعروفة وبحسب موسوعة غينيس للأرقام القياسية، كانت المرأة الفرنسية «جين كالمينت»، وبلغت من العمر حين وفاتها في عام 1997، 122 عاماً، أي أن لي تشينغ عاش أكثر من جين بما يزيد على 134 عاماً!

الحقيقة بأنني تأخرت في كتابة هذا المقال حتى أستقي صحة قصة تعمير لي لأكثر من قرنين ونصف. وبعد بحث طويل وقفت أولاً، على تحقيق صحفي قامت به صحيفة نيويورك تايمز للتأكد من مصداقية عمر لي تسينغ في عام 1930 – قبيل وفاة لي تشينغ بثلاث سنوات، وكان يبلغ من العمر حينها 253 سنة – عثرت الصحيفة خلاله على وثيقة موجودة في السجلات الحكومية الصينية التي تؤرخ للفترة الإمبراطورية، هذه الوثيقة تعود لعام 1827، وهي عبارة عن تهنئة من القصر الإمبراطوري على بلوغ لي تشينغ عمر الـ150 سنة حينها، كما وتم العثور على بطاقة تهنئة أخرى من القصر تعود لعام 1877، على بلوغ لي عمر الـ200 عام حينها!

أما المصدر الثاني فكان عبارة عن كتاب قام بتأليفه الجنرال الصيني الشهير/‏ يانغ شين Yang Sen بعد لقائه بلي تشينغ في بداية عشرينيات القرن المنصرم، وأسماه «الرجل الخالد الذي عاش لأكثر من 250 سنة - لي تشينغ يوان»، ونشر الكتاب في عام 1927، وترجمه لاحقاً للإنجليزية الكاتب والمترجم الأمريكي المعاصر/‏ ستيوارت أولسن، الذي كان ولم يزل متيماً بأسلوب وثقافة الحياة الصينية.

وسبب إصرار الجنرال الصيني شين على لقاء لي تشينغ، كان افتتان شين نفسه بفكرة «التعمير والخلود» خاصة تلك التي تمتلئ الأساطير الصينية بقصصها. وبعد تقصٍّ تأكد الجنرال شين عن مصداقية عمر لي من السجلات الصينية الرسمية المتوفرة حينها.

وفي كتابه المذكور آنفاً، ذكر الجنرال شين بأن لي تشينغ تزوج 24 امرأة توفين قبله جميعاً ما عدا زوجته الأخيرة، وكان لديه 180 حفيداً يمتدون لـ11 جيلاً (عزيزي القارئ، وخاصة صاحب عقلية التعدد، أتمنى ألا تأخذ مقالي هذا مبرراً للتعدد.. وتبلشني!).

ووصف الجنرال شين في كتابه لي تشينغ، بأن لديه «بصراً جيداً وخطى سريعة، ويبلغ طوله 7 أقدام ولديه أظافر طويلة للغاية، وبشرة حمراء».

وبحسب ما نقله شفاهة عنه في كتابه الجنرال شين، عن سر عمر لي تشينغ الطويل، ذكر بأن لي كان طبيب أعشاب متمرساً، واعتمد لعقود في حياته على نظام غذائي مكون من أعشاب الجينسينغ البري، والتوت (وخاصة وبحسب توصية لي التوت المسمى «الغوجي Goji berries»، الذي أثبتت الدراسات الحديثة غناه بمضادات الأكسدة وبمادة تدعي الفيستين «fisetin»، التي ثبت طبياً قدرتها على إصلاح خلايا الجسم وإطالة عمرها)، وشراب ماء الأرز وعشبة الغوتو كولا.

هذا في شق النظام الغذائي، أما في الشق النفسي، فنقل الجنرال شين نصيحة عن لي وهي: «دع الهدوء يسيطر على قلبك، واجلس مثل السلحفاة، وامشِ مثل الحمامة، ونم مثل القط». كما ونقل الجنرال شين عن لي في كتابه، ممارسة لي اليومية لتقنيات التنفس العميق.

لا شك بأن المُعمّر لي، كان يحافظ في داخله على هدوء نفسي متوازن مع تقنيات التنفس والتي كانت جميعها أحد أهم أسرار الحياة الطويلة، أضف إلى ذلك نظامه الغذائي، كلها عوامل لعبت دوراً مهما في بلوغه عمر 256 سنة.

والشيء بالشيء يذكر، تذكرت خبراً ضجّت به وسائل الإعلام الحديثة والتقليدية قبل فترة بسيطة، حول قيام ملياردير أمريكي يبلغ من العمر 47 سنة، بدفع ملايين الدولارات لاستعادة شبابه ليصبح بعمر 18 سنة، وذلك تحت إشراف خبراء في الطب والتغذية، وكان برنامجه اليومي الصارم المعد يتضمن تناول 20 نوعاً من المكملات الغذائية، مع تأدية 25 تمريناً رياضياً مختلفاً في اليوم، وتناول طعام نباتي فقط والاستيقاظ يومياً عند الساعة الخامسة فجراً، ليبدأ يومه بتناول عصير أخضر على الريق، وتنظيف أسنانه بزيت شجرة الشاي. وبعد مدة من اتباع البرنامج المذكور لعدة شهور، خرج تقرير الفريق الطبي بعد الفحوصات بنتائج مفادها بأن عمر قلبه عاد ليكون كما لو كان في عمر 37 سنة، وعمر وشكل جلده في عمر 28 سنة، وعمر رئتيه عاد لسن المراهقة عند عمر 18 سنة! إلا أنه وبعد خروج هذا التقرير قال في مقابلة تم تداولها عالمياً: «بعد كل ما أنجزت في سبيل استعادة شبابي.. إلا أنني أشعر بالاكتئاب وبالرغبة في الانتحار»!

الفارق بين مثالَي لي والملياردير الأمريكي نحو الوصول إلى «إكسير الشباب وطول العمر» في رأيي يتمثل، في البيئة الخام العضوية التي عاش فيها لي تشينغ، التي فرضها الزمن وأسلوب الحياة فيه، كما أن لي كان متخصصاً في علم الأعشاب تناول ما تقدمه الأرض من خيرات طبيعية دون تصنيع يتضمن مواد كيميائية بعكس ما تناوله الملياردير الأمريكي من مكملات غذائية تدخل في تصنيعها مواد كيميائية لها بلا شك أثر عكسي سلبي يتزامن مع فائدتها. أضف لذلك تفوق لي على الملياردير في ما يتعلق بموازنة الشق الجسدي مع النفسي.

قبل الختام، الإسلام – بالتحديد – تناول عبر القرآن الكريم إمكانية أن يُعمّر الإنسان في مواضع عدة من مثل «ومن نعمّره»-وقوفاً-.. «يود أحدهم لو يعمّر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمّر»، فلا يتعارض الإسلام مع التعمير، وتظل الحقيقة بأنك مهما أخذت بأسباب «إطالة العمر»، فتبقى الأعمار بيد الله في قصرها أو طولها.. آمنّا.

ختاماً، أعظم نصيحة مستفادة من قصة حياة تشينغ لي المديدة جداً هي، لا بد من موازنة بين تغذية الجسد بما ينفعه، وتغذية النفس بما يحصنها، والتغذيتان تحملان تأثيراً متلازماً إما إيجاباً أو سلباً.. فما تُدْخِل فيهما ستجد تأثيره في شكلك، وشخصيتك، ونفسيتك، وسنين عمرك، وعدد زياراتك للأطباء والمستشفيات! باختصار: «دع الهدوء يسيطر على قلبك، واجلس مثل السلحفاة، وامشِ مثل الحمامة، ونم مثل القط».. وحاول أن تأكل مثل «لي تشينغ».. وأعلم صعوبة ذلك خاصة في مجتمعاتنا التي يصدق في وصف حجم وطريقة أكل الغالب فيها: «وإذا بطشتم بطشتم جبارين»!.. وأعني هنا البطش بالبطون بما يدخلها من سمين ودهون عافانا الله وإياكم من مثل هذا الجنون!
01:06 | 19-09-2024