تخيلوا أن يكتشف سكان إحدى القرى فجأة أنهم لم يعودوا يملكون منازلهم ومزارعهم المتوارثة منذ مئات السنين، أو حتى الأودية التي تجري في ديارهم منذ زمن لا يعلمه إلا الله، هكذا وبدون إنذار أو مقدمات يصحون في أحد الصباحات ليجدوا شخصا ما يقول لهم: غادروا لأني أنا المالك لهذه المساحة الشاسعة وهذا هو صك ملكيتي لها. مثل هذا الخيال يصبح حقيقة وبمنتهى البساطة، مجرد قرار من إحدى الأمانات أو البلديات، ولجنة مصغرة تعد محضرا مذيلا بتوقيعات أعضائها، ليصبح صك الملكية في حوزة الشخص الذي يستحق هذا السخاء بأملاك الناس.
هذا ما حدث مؤخرا في قرية «الغولاء» شمال جدة، التي يسكنها بسطاء الناس المنصرفون إلى شؤون حياتهم، والتي اختارتها أمانة جدة بكل ما فيها وما حولها تعويضا منحته لشخص، ثم انتقلت إلى ملكية رجل أعمال آخر أراد بسط يده على 22 مليون متر مربع يحتويها الصك الذي يحمله، وبموجبه يجب على سكان القرية الرحيل وتسليمها للمالك الذي هبط من السماء. ولكن لأن صاحب الحق لا يمكن أن يتنازل عنه، فقد توجه الأهالي بصرخاتهم للدولة التي أصدرت توجيهاتها ببحث تفاصيل القضية لتتضح لاحقا حقيقة السيناريو الملوث الذي انتهى بإصدار الصك المضروب.
لجنة التثمين كانت في منتهى السخاء بما لا تملكه حين أعطت هذا الشخص أراضي قرية الغولاء وحسبت المتر بريال واحد فقط، يا بلاش، وبدأت تتكشف خيوط اللعبة حين ثبت أنه باع الأرض بعد 11 يوما فقط بسعر 28 ريالا للمتر، وعليكم حساب المبلغ الذي ربحه في أسرع وأغلى صفقة. ثم اتضح لاحقا أن الموضوع كله تلاعب في تلاعب، وتزوير في تزوير، وفساد في فساد، إضافة إلى تجاهل وتحدي الأمر السامي بعدم منح الأراضي الحكومية أو التنازل عنها لجهات وأفراد إلا بعد الرفع عن ذلك ومعرفة التوجيه حياله، فما بالكم حين تكون الأرض ملكا لبشر أحياء يعيشون عليها.
والآن، تم القبض على لجنة التثمين المكونة من كاتب العدل الذي أصدر الصك وخمسة موظفين بجهات حكومية مختلفة لإكمال ملف القضية، ونكون بذلك قد اكتشفنا ملايين جديدة من أمتار الأراضي المنهوبة بسبب غول الفساد الذي كاد يلتهم قرية الغولاء. وبالتأكيد، سنكتشف المزيد طالما لدينا نسخ كثيرة من أمثال تلك اللجنة الفاسدة، ولكن تبقى هذه الصفقة فريدة من نوعها.
الغول يلتهم «الغولاء»
17 أكتوبر 2014 - 19:08
|
آخر تحديث 17 أكتوبر 2014 - 19:08
تابع قناة عكاظ على الواتساب
