قبل 4 سنوات فجر الارهابي علي حامد المعبدي الحربي نفسه في مجمع المحيا بالرياض.. ليقتل ويصيب عدداً كبيراً من الابرياء. الا انه قبل ان يفخخ نفسه فخخ معه مستقبل طفلة حملتها احشاء امرأة ارتضت ان ترتبط معه «برباط مقدس» فأبقاها طفلة معلقة بلا مستقبل.. تتجرع كل يوم المرارة مرتين.. الاولى مرارة الحرمان من أب ارتمى في احضان الضلال وانساق وراء شياطين الإنس حتى تحول لاشلاء.. والثانية مرارة العذاب من مستقبل صاغته افكار شريرة لا تهتم بتساؤلات.. لماذا تعيش.. ولا كيف تسير.. ولماذا تنجب. «أم علي» والدة الارهابي.. بكت فعلته قبل 4 سنوات بعدما تنكر للأرض التي نبت فيها كشجرة خبيثة.. لكنها بعد رحيله تحول بكاؤها الى نحيب وهي تري بذرة طيبة لا ذنب لها.. وقد بدأت تشيخ قبل الآوان. فالاب المنتحر والمفجر نفسه على حساب أشلاء الابرياء.. فخخ مستقبل طفلته معه.. فأبقاها في الظلام.لم يهتم بأوراقها الثبوتية التي تكفل لها رعاية الدولة التي حرصت على رعاية أطفال وأسر الآخرين الذين شاركوه جرمه انطلاقاً من أنه لا ذنب لهؤلاء الأطفال والأسر.. ترك طفلته مجهولة فابتدأت مشكلتها.. «عكاظ» استمعت لآهات ام مكلومة عدة مرات.. مرة لانها فشلت في تكرر انجاب الابن الصالح الذي يقتفي أثر التضحية بالنفس التي جسدها ابنها الآخر «محمد» جندي الدفاع المدني الذي ارتمى في احضان امواج البحر لانقاذ طفلة من الغرق ففاضت روحه. ومكلومة مرة أخرى لانها فشلت في اقناع المختفي «الضال» بالعودة لادراجه او التعرف على ما في داخله من نوازع شريرة. وايضاً مكلومة لانها اكتشفت ان من خرج من احشائها بذرة تمنت لو انها لم تطرحها .. اما المرات الأليمة التي تعيشها أم علي حالياً فهي لجرح امتد طيلة السنوات الاربع الماضية.. التي تمثل عمر طفلة تنتمي للاب السعودي بفصيلة الدم وان لم يكن اجرى عليها اختبار الـ DNA لكنها «أي الطفلة» تنزوي خلف المجهول.
أم علي فجرت لـ «عكاظ» تفاصيل معاناة أم الارهابي بعدما رحل وترك فلذة كبده في وسط البحر تلاطم الامواج بلا قارب او حتى طوق نجاة.
تسترجع أم علي الحربي، تفاصيل سنوات سابقة عندما كان عمر ابنها لم يتعد 18 عاماً ولم يكمل مرحلته الثانوية.. اذ خرج من المنزل الى جهة غير معلومة، لتبدأ الاسرة معاناة البحث عنه.. استفسرت عنه عبر الحدود لم تستدل على أي اخبار عنه.
وبعد 4 اشهر جاء الخبر ان «علي» سافر للبوسنة والهرسك قبل ان يدخل الى افغانستان ويستقر فيها.
في غضون ذلك «والحديث لأم علي» كانت الاسرة على علاقة شبه عائلية مع اسرة مقيمة باكستانية تقاسمها الجوار.. الاب فيها من مواليد المملكة عمل في الفحص الدوري اما زوجته فهي افغانية الاصل وان حملت الجنسية الباكستانية.. وولد معظم اطفال هذه الاسرة في المملكة ومن بينهم «هنية» الطفلة الكبرى التي يعود تاريخ ميلادها بالعاصمة المقدسة الى 17/11/1407هـ الموافق 13/7/1987م.وتدرجت هنية في مراحل الدراسة حتى بلغت المرحلة المتوسطة.. عندما قرر والدها اصطحابها ووالدتها والسفر الى افغانستان لقضاء اجازة.. الا انه عاد بعد الاجازة تاركاً هنية وزوجته هناك. وقتها كان ابني علي قد ذهب الى افغانستان بعد رحلة البوسنة والهرسك وسجن لثمانية أيام قبل مطالبته ضمن المقاتلين العرب بمغادرة البلاد.. ورافقه شخص يعرف عم هنية الباكستانية فعرض على الحربي زيارة الاسرة.. خاصة ان علي يعرف الاسرة خلال اقامتها في المملكة، وما ان التقى الحربي الاسرة حتى عرض الزواج من هنية التي لم تكمل عقدها الرابع عشر.. فاضطرت اسرتها لتكبير عمرها «تسنينها» الى 17 عاماً لاتمام الزواج وفق شروط عقود الانكحة في افغانستان لتقيم مراسم الزواج وذلك في 15/3/1421هـ.
رحلة الهروب
وتواصل أم علي ذكرياتها: بعد فترة من الحرب الافغانية فضل علي الرحيل من اتون الحرب، فابدت زوجته «هنية» رغبتها في مرافقته لكنه تخوف عليها استسلاماً لحلم راوده في المنام شاهد فيه قطة تسقط في حفرة، مفسراً ذلك بانها قد تتعرض لمكروه.. لكن اوصاها في كل الاحوال بانكار معرفتها باللغة العربية ان تعرضت لأي مساءلة في أي مكان.. حتى لا يتم تصنيفها ضمن زوجات الافغان العرب.
ورحل «علي الحربي» من افغانستان سراً بملابس نسائية ونجح في الوصول لحدود ايران.. ولحقت به زوجته لكنها ضبطت خلال عبورها الحدود.. ثم افرج عنها لاحقاً.
وتم تسليم «هنية» لوالدها الذي اصطحبها الى باكستان.. واتصل فيما بعد بابني علي عارضاً تسليم ابنته لزوجها مقابل 3 آلاف ريال.. لكن الحربي لم يستجب لذلك نظراً عدم توفر المبلغ لديه.. فما كان من أم هنية التي كانت تعارض المساومة الا ان اصطحبت ابنتها ووصلت الى حدود ايران «حيث موقع الحربي» وسلمتها اياه.
العودة الى المملكة
ومن «طعس في طعس» كانت رحلة عودة علي وزوجته هنية الى المملكة.. كما تسردها أم علي.
وقالت: ان ابنها غادر ايران الى دولة عربية وساروا لمسافات طويلة على الاقدام حتى بلغا الحدود واستقلا سيارة مستأجرة ثم دخلا المملكة تسللاً ليستقرا في الرياض دون ان يعلم بهما احد من الاسرة «حسب قول أم علي».
وبعد فترة حضر «علي» مع زوجته الى الطائف، واتصل باسرته، لكنه ابلغهم بصعوبة الحضور اليهم في مكة المكرمة، خوفاً من مراقبته.
وابلغ امه انه سيترك زوجته هنية التي كانت حاملاً في شهرها السابع في الطائف ويعود للاختباء في الرياض، ورغم توسلات الام لابنها بألا يغادر مجدداً الى جهة غير معلومة.. الا ان علي رفض نصيحة وبكاء الأم.. وترك الزوجة ثم زاغ عن الابصار.
سارعت أم علي الى المكان المحدد بالطائف وتسلمت زوجة ابنها «هنية» وليبسطوا لها كما يقال كل «كفوف الراحة».. واصبحت جزءاً من العائلة حتى وضعت حملها.
بداية الألم
لم يخطر في بال أم علي او اسرتها ان «حبيبة» الطفلة البريئة قد تكون يوماً جمرة مشتعلة تسبب معاناة للاسرة على مدى سنوات حياتها.
فقبل شهر من تفجير علي الحربي لنفسه اطلقت حبيبة صرختها البريئة ايذاناً بوصولها الى الحياة وذلك في مستشفى اهلي بالعاصمة المقدسة.
ورغم علم الاب بالحدث الجديد الا ان حبيبة الكبرى «ام علي» او حبيبة الصغرى «ابنته» لم تثنيانه عن المضي في ضلاله، حتى بلغ ذروة السنام وهي ساعة الصفرى لتفجير نفسه في مجمع المحيا.
ولم تشعر أم علي الا بصدى الانفجار الذي هز المجتمع في 14/9/1424هـ تأكدت ان ابنها تسبب في ازهاق ارواح 11 شخصاً واصابة 122 مصاباً في تفجير ارهابي طال ابرياء في مجمع سكني قريب من وادي لبن بالرياض.
وبعد فترة من الزمن.. ورغم الهدوء الذي لف وادي لبن بتجاوزها ساعات المرارة وترسيخ الأمن، استمرت المعاناة النفسية جاثمة على صدر أم علي.. التي راجعت نفسها ألف مرة ولم تجد إجابة شافية لسؤالها.. لماذا يا علي؟!
بكت أم علي كثيراً.. وكلما احتضنت حبيبة الرضيعة.. ازداد نحيبها.. وهي تدري «انه لا ينفع البكاء على اللبن المسكوب».
ولان أم علي الحربي وزوجة ابنها «هنية» لم تشكا لحظة واحدة في ان علي قد يتراجع عن رحلة هروبه.. ويظهر يوماً ما ليحتضن ابنته ويلم شمل اسرته.. لم تكترث السيدتان كثيراً باثبات النسب الذي يربط حبيبة الطفلة بابيها السعودي.. وفضلا بعد الولادة مباشرة سحب المولودة من المستشفى دون البحث عن شهادة تبليغ ولادة.. خاصة ان المستشفى الخاص طالبهما باقامة الأم او هوية الأب لاصدار الشهادة.
لكن تفجير «علي» ايقظ بعد عدة اشهر في داخل امه صحوة البحث عن مستقبل الطفلة.. فراجعت المستشفى الأهلي مجدداً على امل استعادة ماسبق واستخراج شهادة تبليغ لانهاء اجراءات نسب حبيبة بوالدها الارهابي.. واصطدمت بنفس الرفض الاول وتمسك المستشفى بالمستندات لاصدار الشهادة.
عادت أم علي ادراجها تجر أذيال الخيبة.. ثم عاودت المحاولة لدى الجهات الرسمية الاخرى لكنها في هذه المرة جمعت بعض المستندات «حسب قولها» التي تثبت زيجة ابنها على الباكستانية هنية.. ووثقت الاوراق التي بحوزتها من القنصلية الباكستانية وفرع وزارة الخارجية بمنطقة مكة المكرمة.. لتجد نفسها مطالبة بهوية علي او اقامة الزوجة هنية التي فسخها خروجها السابق كطفلة مع والدها.. قبل ان تعود متسللة لاحقاً مع زوجها. طرقت ام علي.. في هذه المرة باب الاحوال المدنية فتفهموا «قلب الام» وانسانيتها لكنهم عجزوا عن تقديم ما يبدد همها لان الاجراءات تحتاج لمستندات لا تتوفر لديها، ولا يمكن الاعتماد على خواطر الأم.. او حتى شهاداتها «الشفهية».. فيما استبعد وقتها اللجوء لتحليل الحامض النووي (DNA) لانهاء وحسم القضية.
ومع مرارة التعب وتكرار المراجعات، ارهقت «أم علي» المسنة فجسلت في بيتها تعتصر الألم.. ولا تدري كيف تتصرف، ونامت على «الجمرة» التي تتأذى من نظراتها يومياً صباح مساء.. خاصة مع دخول حبيبة عامها الرابع، وتعلقها بالكراسة والقلم، ورغبتها في تقليد قريناتها اللاتي بدأنيخرجن من المنزل في رحلة يومية الى الحضانة.
مع بداية الفصل الدراسي الثاني حاصرت حبيبة جدتها بسؤالها.. متى تذهب الى الحضانة.. فاستعادت أم علي ذكرياتها ومرارة الايام والسنوات الماضية، واحتضنت «حبيبة» ثم آثرت ان تفضي باسرارها علها تجد قارب انقاذ يحمل صغيرتها الى بر السلامة قبل ان تفارق «الجدة» الدنيا وتحاسب على ذنب اقترفه الابن، وجمرة القاها في صدرها..
شهادة التبليغ
مصدر في الاحوال المدنية بالعاصمة المقدسة ان استخراج شهادة ميلاد الطفلة «حبيبة» متوقف على شهادة التبليغ من المستشفى التي شهدت ولادتها.
وقال المصدر اذا توفر التبليغ المصدّق من الشؤون الصحية، سيتم منح الطفلة شهادة ميلاد، اما اذا كانت اجراءات ولادة الطفلة قد تمت خارج المستشفى فهناك اجراءات اخرى يمكن اتباعها لانهاء استخراج شهادة الميلاد.
اين البلاغ
اكد مدير عام صحة العاصمة المقدسة د. خالد السميري، ان اجراءات استخراج شهادة التبليغ تخضع لنظام الاقامة التي تقع تحت مظلة الجوازات، ومتى ما تم احضار البلاغ فان الصحة تقوم باعتمادها، لاستخراج شهادة الميلاد لها.
حين يصبح أطفال الارهابيين ضحايا لهم
«حبيبة» مفجر المحيا تعيش بلا هوية
3 مارس 2007 - 01:42
|
آخر تحديث 3 مارس 2007 - 01:42
«حبيبة» مفجر المحيا تعيش بلا هوية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
فهد المطيري