اللغات تتعدد أشكالها، هناك لغة الكلام، ولغة الصمت، ولغة الجسد، ولغة الإشارة، ولغة العيون، ولغة المال، وكل لغة من تلك اللغات تحتاج إلى مهارة لفهمها والتقاط ما يختبئ بين ثناياها من معانٍ ودلالات.
في عالم الحب ودنيا العشاق اشتهرت من بين تلك اللغات لغة العيون، فسادت على كل لغة غيرها، متى سيطرت لغة العين صمت كل شيء، فلا تكاد تسمع سوى رفة الرمش الساهم!!
لغة العيون تحمل معاني كثيرة، تحمل الحب وتحمل العتب وتحمل الرجاء، كما تحمل الحزن والفرح والبغض والاستياء والخوف، ولكن أي معنى حملته لغة العيون يظل خفيا لا يدركه سوى العيون المخاطبة به وحدها.
وإذا كانت لغة الكلام إرادية نستطيع بها أن نختار من الألفاظ ما نشاء ومن النبرات ما نريد، فإن لغة العيون ليست كذلك، لغة العيون تتحدث بلا إرادة منا وتنقل للعيون الأخرى ما تشاء من المعاني رغما عنا، فلا يكون بيدنا استطاعة على إخفاء معنى أو تزوير تعبير، وربما لهذا تردد أم كلثوم: (الصب تفضحه عيونه). ويردد غيرها:
لا جزى الله دمع عيني خيرا ،، وجزى الله كل خير لساني
نمّ دمعي فليس يكتم شيئا ،، ووجدت اللسان ذا كتمــان
إلا أن خطورة لغة العيون ليست في أنها تفضح صاحبها فتكشف ما يود إخفاءه فحسب، وإنما أيضا في احتمال التورط عند إساءة فهمها، فلغة العيون ليست كلغة الكلام في درجة الوضوح، وإذا لم تكن لماحا ذكيا فإنك قد تسيء فهم تلك اللغة المبهمة، فربما فهمت (جهلا منك أو غرورا) لغة العيون التي تخاطب عينيك أنها تعني الحب أو الإعجاب وقد لا تكون كذلك، فتجيء ردة فعلك مبنية على فهمك الخاطئ، وآنذاك ثق تماما أن لا أحد يود أن يكون في مثل الموقف الذي ستكون فيه!
بعض الكتب تدعي فهم لغة العيون، فتؤكد لقارئها أنه إذا التقت نظرات شخص ما بنظراتك أكثر من ثلثي الوقت، فإن ذلك يدل على أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون معجبا بك ويراك جذابا، وإما أنه يشعر تجاهك بالعدائية والنفور.
ما تقوله هذه الكتب يزيد الأمر تعقيدا، فحسب هذا القول على الإنسان أن يكون نفاذا في قراءة لغة العيون لمعرفة ما يدور في رأس صاحبها بشأنه، فهو يضع الإنسان في حيرة بين أن يختار لنفسه موضع الإعجاب أو موضع العداء؟!
أحمد شوقي لم يشعر بشيء من هذه الحيرة فبدا واثقا من صحة قراءته لما ارتسم من الحب في بؤبؤ العينين اللتين كانتا تنظران إليه، فانطلق يردد بجزم لا يعتريه شك: (وخاطبت،، عيني، في لغة الهوى، عيناك). ولكن هل كل الناس مثل شوقي في صدق الاستنتاج وقراءة النظرات؟.

فاكس 4555382-11