يقال: ان الناقد الفرنسي داسبريو دفع بأحد الشعراء الى بلاط الملك وقال له: (يا صاحب الجلالة.. اقدم لك رجلا سوف يهبك الخلود ولكن ارجو ان تعطيه خبزا حتى يتمكن من أداء هذه المهمة).
ويقال بان الملك نظر طويلا وسأله: وما الذي يأكله الشعراء؟!
فقيل له: ما يأكله كل المواطنين.
فقال: ولماذا لم يعطهم الله بعض المال حتى لا يمدوا ايديهم الى الملوك؟
فقيل له: هذا هو مصدر تعاستهم.. والتعاسة أحد ينابيع الشعر، فان لم يجدوها.. ابتدعوها لانفسهم..
فهل الشعراء تعساء.. ام هم ملوك عظماء يتغنون بالكلمات ويصنعون منها اثوابا محزقة تبدو جميلة في مظهرها ضيقة في داخلها.
فهناك الاستاذ العقاد يقول في حالهم:
ملوك.. فأما حالهم فعبيد
وطير.. ولكن الجدود تعود
مجانين تاهوا في الخيال فودعوا
رواحة هذا العيش وهو رغيد
واعتقد ان العقاد اصاب في وصفهم ولو قليلا فمن يقرأ للشاعر ابو الطيب المتنبي يجد فيه الكثير من النرجسية المطلقة فهو ملك الشعر ورب الورق والقلم واكثر شعراء التاريخ موهبة واكثرهم طموحا وغرورا.. وجبنا!!. وكلنا يعرف كيف مات!!
ولكن اكثر الناس وخاصة العشاق منهم عندما يكونون في حضرة الحبيب يتمنون لو يكونون شعراء ولو لدقيقة.. لغسل الحبيب بماء الكلمات الدافئة.. ففي اللغات الاوروبية يصفون الشاعر بأنه كالبجعة، ويقال ان البجعة تطلق اجمل صيحاتها عندما تموت.. فكان الشعراء ولدوا ليموتوا وتعيش الحانهم بعدهم الى الأبد. واعتقد بأن الشعراء كالسمك يموتون ويعيشون في الماء ونحن العاديون يغرقنا الماء.. وهو نوع من الطيور يعيشون على الهواء ويموتون به أيضا.
فالشاعر عندما يهبط عليه الشعر ويتدفق بحر الكلمات من فمه وينساب من اصابعه.. ينسى كل شيء فهم ملهمون.. ولكنهم لا يعرفون الإلهام ويقولون بأن عفاريت الشعر تتسلل الى قلوبهم وعقولهم.. فلا يكاد يجلس الشاعر وحده حتى ينادمه شيطان الشعر فتجده يقول كلاما جميلا.. لايضاهية أي كلام.
ام ان الالهام لا يأتيهم إلا وهم نيام.. وتبقى اصابعهم تنسج خيوطا من الحرير تكتمل بمجرد ان يصحوا من نومهم.. ربما!!. فمن هم الشعراء؟؟ وماهو الشعر؟؟ هل هم ملوك متوجون ام هم الذين يفرضون انفسهم على ممالك لا يسكنها غيرهم، ام هم اطباء الوهم وملوك الخرافة.. كما يقول الشاعر الايطالي دانتي، يصفون الشفاء لكل مريض ولا شفاء لهم!! ام انهم كائنات مزدوجة متناقضة.. يحولون السحب مطرا تروي العطش وحينما يحولونها برقا ورعدا ونارا حارقة. يلسعون بها كل من عاداهم.. بالرغم من كل هذا الضياع في متاهات الشعراء ومن هم،، يبقى الشعراء ملوكا وتبقى كلماتهم جواز سفر لكل عاشق ولكل محب ولكل انسان.
هل الشعراء تعساء أم ملوك عظماء؟
26 يناير 2007 - 19:10
|
آخر تحديث 26 يناير 2007 - 19:10
تابع قناة عكاظ على الواتساب
حاتم الكاملي