في المقالة السابقة شرحت جانب الرؤية في العلاقة بين أصول الفقه والعلوم الاجتماعية من جهة المنهج، وذلك من جهة تقريب منهج أصول الفقه إلى ساحة العلوم الاجتماعية، وتقريب منهج العلوم الاجتماعية إلى ساحة أصول الفقه، وبقي الحديث عن جانب النقد.
لا شك ولا ريب في أهمية وحيوية هذه القضية التي لا نختلف عليها من هذه الجهة، إلا أن موضع النظر والنقد هو أن هذه القضية لم تشهد تطورا كبيرا، ولم يحصل فيها تقدم واضح، وظلت كما هي على حالها، ويكاد الحديث عنها اليوم يتوقف أو يتقطع أو يتراجع، ولم يعد على كل حال بذلك الحماس والاندفاع الذي كان عليه من قبل.
وما كان ينبغي أن يتوقف أو يتراجع الحديث عن هذه القضية، قبل الوصول بها إلى مرحلة النضج، والبلوغ بها درجة الاكتمال، أو لا أقل الانتهاء بها إلى حد التماسك، وإخراجها من دائرة القلق والاضطراب، أو من دائرة النزاع والخلاف، أو من دائرة النقص والضعف المنهجي والمعرفي.
ومن الأسباب التي أعاقت تطور وتقدم هذه القضية، هو أن الاقتراب منها، والحديث عنها، والنظر فيها، حصل من طرف واحد تقريبا، هو طرف الذين ينتسبون إلى حقل الدراسات الإسلامية، فهؤلاء هم الذين أدلوا بدولهم في هذه القضية، وجاء دلوهم وفق منظوراتهم وتفسيراتهم التي ينسجمون ويتوافقون معها.
وغاب في المقابل الطرف الثاني، وهم الذين ينتسبون إلى حقل الدراسات الاجتماعية والإنسانية، ولم يعرف على وجه التحديد رؤية هؤلاء، وما هي طبيعة منظوراتهم وتفسيراتهم لهذه القضية التي لا يكتمل الحديث من دونها.
ولعل الذي جعل هؤلاء أو الكثيرين منهم على هذا الموقف، هو غربتهم الطويلة عن علم أصول الفقه، الغربة التي جعلتهم بعيدين عن الدراية بهذا العلم، وما فيه من معارف وخبرات وقواعد ومنهجيات، كما أن أصول الفقه بوضعيته التقليدية القديمة لا يشجع هؤلاء، أو لا يشجع الكثيرين منهم على الاقتراب منه، والتواصل معه، وذلك بسبب أدبه القديم، وصعوبة عبارته، وشدة تخصصه.
ومن الأسباب الأخرى التي أعاقت تطور وتقدم هذه القضية، هو أنها لم تعط ما تستحق من الأهمية والاهتمام من جهة النظر والبحث والنقاش، ويكفي للدلالة على ذلك أننا حتى هذه اللحظة، لم نسمع عن ندوة واحدة، أو حلقة دراسية متخصصة جمعت وضمت باحثين ومتخصصين في علم أصول الفقه، إلى جانب باحثين ومتخصصين في علوم الاجتماعيات والإنسانيات للنظر والبحث والنقاش في هذه القضية، بقصد التوصل إلى رؤية مشتركة، أو إلى رؤية تعبد طريق التوصل إلى رؤية مشتركة في هذا الشأن..
ومازالت هناك حاجة، وحاجة ملحة لبلورة وصياغة مثل هذه الرؤية المشتركة في تطوير وبناء العلاقة المنهجية بين علم أصول الفقه وبين العلوم الاجتماعية والإنسانية.
almilad@almilad.org
أصول الفقه والعلوم الاجتماعية والمنهج .. جانب النقد
26 أبريل 2012 - 19:37
|
آخر تحديث 26 أبريل 2012 - 19:37
تابع قناة عكاظ على الواتساب
