في (حداء) البلدة القديمة الواقعة بين مكة المكرمة وجدة يفوح عبق التاريخ وقوافل الحجيج وأجواء استراحات «الجمالة» الذين يحملون البضائع من وإلى جدة. من أبرز معالم (حداء) بقايا أسبلة تاريخية وقنوات مائية قديمة وقصر للملك عبدالعزيز - يرحمه الله - ومسجد عثماني تقف جميعها كشواهد صامتة وتاريخ لم يدرس ولم يعرفه كثير من سكان المنطقة!. وأنت تسير على طريق جدة القديم لن تكون بحاجة إلى من يرشدك إلى أسبلة الملك عبدالعزيز التي تعتبر أحد أبرز معالم (حداء) التاريخية إلا أن الرمال الزاحفة على طريق جدة - مكة القديم أخفت واحدا من أقدم أسبلة الملك عبدالعزيز الأثرية التي قام المؤسس ببنائها لتوفير المياه لقاصدي البيت الحرام، فيما السبيل الأثري المفقود واحد من ثلاثة أسبلة لا تزال تقاوم العوامل الطبيعية من زحف الرمال وجريان السيول كونها تقع في قلب وادي الشميسي فضلا عن عبث المارة الذين شوهوها ببعض الكتابات والتذكارات؟!
الدكتور عادل بن محمد نور غباشي الآثاري المعروف والذي كان قد أعد بحثاً علمياً عن أسبلة الملك عبد ‏العزيز طالب بتدخل الجهات المعنية لاحتواء الموقف وتكوين ‏لجنة للبحث عن السبيل المفقود وحماية بقية المواقع بالتسوير وترميم المتصدع منها وقال الدكتور ‏غباشي إن من أهم الأسباب التي دفعت الملك عبد العزيز لبناء أسبلة المياه عدم كفاية الأسبلة السابقة وزيادة ‏العمران في مكة وجدة وأبان أن السبيل المفقود أم القرون يقع ملاصقاً لبئر أم القرون من الجهة الغربية ‏وتحديداً غرب أعلام حدود مكة بنحو 1كم في طريق متعرج وهي بئر كانت معروفة لدى البادية والرعاة ‏وتصميم السبيل كان عبارة عن حوض مستطيل الشكل له فتحات لسقيا من الجهة الغربية والجنوبية ويغطيه ‏قبو موتور ويبلغ طوله 2 متر و 60 سم وعرضه متر و55 سم وأبان أن السبيل يتميز بوجود نقش تأسيسي ‏لعمارته وكشف الدكتور غباشي أن بناء الأسبلة كان بمواد محلية على نمط المنشآت السابقة لعصر الملك كما ‏أن اللوحات التأسيسية نفذت بأسلوب الصب في القالب وهي طريقة تتناسب مع الإمكانيات المادية المتوفرة في ‏فترة الإنشاء مطالبا منذ 12 عاماً بترميم المواقع لتردي أوضاعها موصيا ‏بحمايتها التاريخية والأثرية كونها تعتبر وثائق مهمة عن اعمال الملك عبد العزيز في سبيل راحة الحجاج.
آثار مهملة

ما سر تلال مخلفات البناء والمنازل التي تحاصر قصر الملك عبد العزيز الأثري في حداء؟
ولماذا تحول المسجد العثماني القديم إلى مرتع خصب لأيدي العبث؟
وما حدود اهتمام الجهات المعنية بهذه الكنوز؟
أسئلة مهمة حاصرتنا ونحن نشاهد ما آلت إليه هذه الآثار من خراب
مصادر تاريخية أشارت إلى أن المسجد التاريخي يعتبر من أقدم مساجد حداء التاريخية بحكم وقوعها الإستراتيجي على طريق التجارة والحج القديم وهو مبني بنوع نادر من الحجر الجرانيتي القديم وعليه طبقة واضحة من الجص ويبلغ سمك جداره نحو 60 سم وأن بناء المسجد جاء في موقع متميز على طريق جدة مكة المكرمة الجموم القديم مما يؤكد أن هذا الطريق كان يشهد إقبالاً كبيراً من قوافل الحجاج والمعتمرين والتجار الذين كانوا يحملون بضائعهم بالجمال نحو أسواق جدة وذكرت المصادر أن المسجد العثماني لم يخل من فنون العمارة العثمانية المعروفة وقت ذاك حيث زينت جوانب المنبر بأشكال زخرفية رائعة تعكس إبداع المعمار القديم كما أن جدران المسجد الأمامية " رواق القبلة " وضعت به أرفف غائرة لحفظ القرآن الكريم إضافة إلى أن هناك أقواس جدارية مبنية داخل المسجد زادت من رونق البناء المصادر ذاتها ذكرت أن المسجد كان من المساجد التي كان العامة يرتادها وكذلك الحجاج والمعتمرين حتى عام 1325هـ بسبب أن المؤرخ إبراهيم باشا مؤلف كتاب "مرآة الحرمين" لم يذكر أن المسجد قد تعرض للهدم أو الخراب حتى ذلك التاريخ وفي ذلك في مجلده الأول من الكتاب.
مصدر متخصص في شؤون الآثار والمتاحف شدد على أهمية الدور الذي ينبغي أن تقوم به الجهات المعنية بهذه المواقع للحفاظ عليها من خلال تصويرها وإعداد الكروكيات اللازمة لها والشروع في ترميمها إن كانت تحتاج مع جمع المادة التاريخية لبيان أهميتها من منظور تاريخي للأجيال وقال إن تصوير هذه المواقع ربما يكون لإثراء المتاحف القريبة منها مثل متحف مكة أو متحف الحرمين خاصة وإن من أسباب بناء المسجد العثماني وأسبلة الملك عبد العزيز التي بنيت في حدود عام 1361هـ هي ضمن الخدمات التي كانت تقدم لقوافل الحجاج والمعتمرين وأشار إلى أن الحاجة تبدو مهمة الآن خاصة وأن بعض الأسبلة شوه وبعضها فقد بأسباب زحف الرمال وعدم الحماية.

تاريخ أول طريق بري
هنيدي المجنوني واحد من المصادر التاريخية المهمة كشف لنا الخلفية التاريخية لطريق حداء مكة المكرمة الذي يعتبر أول طريق دولي معبد ينفذ في المملكة يقول : أمر الملك عبد العزيز بتنفيذ الطريق لخدمة قوافل الحجيج القادمة إلى مكة من ميناء جدة وقد بدأت اعمال ‏الطريق من منطقة كانت تعرف بالحمراء هي الآن في ك 14 على طريق مكة القديم اليوم ويمر ببحرة ‏وحداء ثم الشميسي وقد عملت بأجرة قدرها سبعة ريالات وكانت مهمتنا في تعبيد الطريق الذي لم يكن يتجاوز ‏عرضه أربعة أمتار جلب الحجارة من جبال الشميسي القريبة لرفعها عن مستوى الرمال التي كانت تميز ‏المنطقة لحد غوص الأقدام. وكنا نضع فوق الحجارة الرمل المبلل بالمياه التي كنا نوفرها من عيون المرشدية وآبار ‏الشميسي ثم نضع فوقها بعد مادة الزفت التي كانت تحضر في أشكال كتل دائرية صلبة إلى الموقع ثم نشب ‏من تحتها النيران لإذابتها ومن ثم وضعها بواسطة براميل مخرمة على الطريق الجاهز من أعمال الردم ‏والدك حيث أننا لم نكن نعرف أسفلت اليوم اعمال تنفيذ الطريق هذا استغرق من الزمن ثلاث سنوات ‏استلزمت إقامتنا في هذه المنطقة الموحشة وقت ذاك في خيام وعشاش وكنا نشتري أكياس الرز والسكر ‏والدقيق بقيمة 21 قرشا من جدة إذ كان سعر كيس السكر 6 ريالات وكيس الدقيق 8 ريالات وكيس الرز 7 ريالات ‏وكنا نحملها بواسطة الإبل ومن الأسماء التي أتذكرها أثناء العمل في هذا الطريق علي بن مطير ومنور بن ‏مليح ومنصور الرويس ومجحش الرويس ومطير الجابري وبعد الانتهاء من الطريق الذي كان أشبه بالحلم ‏استخدم الملك عبد العزيز الطريق لأول مرة وقد كنت ممن شاهد الملك وهو يبارك هذا الطريق وقد وقف في ‏طريق الشميسي وجلس على صخرة يتأمل في الطريق الجديد وقد سارت أول سيارتين عليه من نوع "الفورد" ‏وشهد أول حادث على أقدم طرق المملكة عام 1369هـ تقريباً عندما داهمت سيارة ثمانية جمال كانت ‏محملة بالبضائع في طريقها إلى جدة نتج عن ذلك وفاة الجمال الثمانية والقائد زاهر بن بخيت المجنوني -رحمه ‏الله-.

حداء اليوم
الوضع الراهن لمنازل حداء تصل لحد الشفقة كما أن هذه البلدة التي تعيش على ضجيج الشاحنات وهذه من أهم معالم حداء فبيوتها الشعبية التي لا تخرج عن عدد من الغرف محاطة بـ " حوش " كتقليد بنائي لا زال معروفاً في هذه البلدة التي تقدر مساحتها بأكثر من 170 كيلو مترا مربعا ويحدها من الشمال حي القديرة والركاني وشرقاً الشميسي وجنوباً مدخل طريق الساحل "الليث" وغرباً حي العزيزية ويقطن بها أكثر من عشرين ألف نسمة أغلبهم من البسطاء من أهل البادية يسكنون في نحو 4000 منزل .
حداء تتكون من أكثر من 12 حياً وحارة أشهرها حي العمدة وحي الجهنان والحمران واللهبة والعتبان وحداء الشمالية وحي اللقامين والصمد والقديرة والمطران ولحداء جبال مشهورة هي جبل أبوعظام وجبل ظاف وفي حداء تكتشف بساطة وطيبة أهلها لأول وهلة فضلاً عن أنها تغرق كثير من حارتها الداخلية في هدوء واضح ونسائم لطيفة ولا أدل على ذلك من أن حداء اختيرت لبناء مستشفى ابن سيناء لمرضى الجذام حيث إن ثمة عوائل وأفرادا مصابون بهذا المرض تم عزلهم في هذا المستشفى وفي حداء جاءت مطالب أهل البادية بسيطة كبساطة أهلها عبد الله المعاز أحد سكان حداء ألمح إلى تواضع خدمات المركز الصحي بحداء لحد الشفقة وقال إنه بحاجة إلى كوادر وأجهزة لمواجهة حجم الطلب المتزايد إذ يزيد عدد المسجلين فيه عن 18 ألف نسمة وركز عبد الله المحلبدي على إيجاد مبان حكومية لمدارس البلدة وتوفير كابينة للصرف الآلي إذ أن أقرب كبينة تبعد عنهم بأكثر من ثمانية كيلومترات ببحرة أما عبد الله القحطاني وفهد المحمادي فاعتبرا تغيير جلد شوارع حداء الداخلية باعمال السفلتة والإنارة وتكثيف الدوريات الأمنية على الطريق العام وتخصيص دوريات لمراقبة الحركة المرورية عند المدارس أحلام حداء المؤجلة.
مشقة دفن الموتى

"موت وخراب ديار" يتردد هذا المثل الدارج في حداء وذلك على واقع حسين الحربي الحارس براتب 1750 ريالا عندما توفى والده المسن الذي تجاوز السبعين من العمر بأسباب أمراض الشيخوخة حيث عاش الحربي فاجعتين الأولى بوفاة والده والأخرى بنسف نصف دخله الشهري حيث أن وفاة والده تعني حفر قبره بـ 800 ريال ليتحول المصاب مصيبتين تعمق من أحزانه.
فهد المحمادي من سكان حداء طالب بنقل معاناة الناس للجهات المختصة وقال إن في حداء عدة مقابر منها ما هو مسور ولا نعلم من بيده مفاتيحها لكن المقبرة التي تستخدم بشكل دائم هي مقبرة العمدة في حداء الجنوبية القديمة حيث يزيد عمر المقبرة عن 60 عاماً وتقع على مساحة عشرة آلاف متر مربع وتكمن المعاناة في أن أهل الميت يحفرون قبر ميتهم وهو ما يكلفهم ما بين 750 إلى 800 ريال عن كل قبر فيما تبلغ المعاناة الذروة إذا حدد دفن الميت بعد صلاة الفجر حيث ندرة العمالة الأمر الذي يدفعهم لتأخير الدفن عدة ساعات بسبب تجهيز القبر أولاً ومن ثم الشروع في الدفن.
عبد الله المحلبدي ألمح إلى عدم توفر المياه داخل المقبرة حيث لا تعرف المقبرة خزانات المياه الأرضية طيلة عمرها المديد مشيراً إلى أن عدد سكان حداء يزيد عن عشرة آلاف نسمة يتوزعون على عشرة حارات ويبلغ متوسط المتوفين شهرياً ثمانية حالات.