تعودت على شرب فنجان شاهي عند أحد جيراني في بداية إجازتي الصيفية كل عام لأن هذا الجار بالذات لديه الجديد والمذهل دائما... وأكتب هذا المقال على بعد 13222 كيلومترا من جدة... والجار المعني هنا هو مصنع البوينج في مدينة إيفريت بولاية واشنطن حيث يتم تصنيع طائرات البوينج 747 و777 و787... وهو اكبر مبنى في العالم فيستطيع استيعاب 5555 قطعة لدو... واطلعت اليوم على إحدى أكبر وأقبح الطائرات في العالم...شكلها أشبه بعلبة فيمتو عملاقة بمجموعة زعانف أفقية ورأسية... هي طائرة النقل العملاقة من طراز بوينج 747 ذات المهمات الخاصة وإسمها “حاملة الأحلام” DreamLifter وبكل بساطة تستطيع هذه المركبة العجيبة أن تحمل أكبر حجم شحنة في العالم... ويتم تحميلها بأكبر رافعة شحنات جوية في العالم... تم تصميمها في عدة بلدان ومنها روسيا وتم تصنيع أكبر أجزائها في تايوان لتنجز مهمة واحدة فقط وهي نقل أجزاء طائرة بوينج الجديدة من طراز 787 والتي يتم تصنيعها وتركيب أجزائها المختلفة حاليا عند جيراني... تستطيع أن تفتح الجزء الخلفي باستخدام أكواع ضخمة ليتم تحميلها بكفاءة عالية... وحيث ان هناك 135 موقعا حول العالم تقع عليهم مسؤولية تزويد المصنع بأجزاء الطائرة المختلفة... من اليابان وإيطاليا وإنجلترا وغيرها، فأصبحت هناك حاجة ملحة للنقل الجوي للأجزاء المختلفة بسرعة... طائرات تنقل طائرات... فكرتها تحوى العديد من الأبعاد الفلسفية الرائعة... ولا تقتصر فكرة نقل الأشياء باستخدام أغرب الآليات على عالم الطيران فحسب، ففي عام 1943 اقترح عالم الرياضيات العبقري “آلان تورنج” أن تستخدم الأرقام لحساب ونقل الأرقام... فكرة جديدة ولم يتقبلها العلم بسهولة، ولكن هذا العالم الإنجليزي بالذات كانت له مكانة علمية مرموقة بالرغم من أخلاقه المخجلة، فقد كان أحد رواد فك طلاسم شيفرة الإشارة العسكرية السرية الألمانية في الحرب العالمية الثانية... نقل الشيء باستخدام ذات الشيء... وبعد مرور سنوات طويلة أثبتت الفكرة جدارتها وانتشرت، ويتم تطبيقها بلايين المرات يوميا في جميع الحاسبات الإلكترونية... وبمناسبة ذكر الحاسبات فهناك ملايين الأجهزة التي تصنع إخوتها باستخدام تقنيات الحاسبات وكلها تمثل أفكاراً جريئة فلسفيا... ولكن هناك ما هو أعظم من كل ما ذكر أعلاه، بل وأقرب إلينا جميعا، فبداخلنا نجد أروع آلية النقل في الكون وهي في الكتاب الوراثي الذي يحمله كل منا بداخله...كتاب يحتوى على ثلاثة وعشرين فصلا اسمها “كروموسات”... وكل من هذه الفصول تحتوى على مجموعة قصص اسمها “جينات”... وكل من تلك القصص تحتوى على فقرات اسمها إكسونس Exons وتتخللها فراغات ونقاط كهذه... اسمها انترونزEntrons ... وكل فقرة مكونة من مجموعة كلمات اسمها العلمي كودونز Codons... وكل منها مكتوب بكلمات مكونة من ثلاثة حروف فقط لا غير باستخدام أربعة حروف وهي (أ) وترمز لبروتين اسمه ادانين، و(س) وترمز لبروتين اسمه سيتوزين، و(ج) رمزا لبروتين جوانين، و(ت) رمزا لبروتين تيمين...يعنى بدلا من حروفنا الأبجدية الثمانية والعشرين في اللغة العربية، لدينا أربعة حروف فقط لا غير في لغة الوراثة الطبيعية... وبدلا من كتابتها بشكل خطي كما في الكلمات التي تقرأها الآن، تكتب جميع الكلمات في شفرتنا الوراثية على شريط مسلسل مكون من جزيئات السكر والفوسفات لتكون مادة الدي إن أيه DNA... العجيب هنا أن هذه المادة تحدد بمشيئة الله أشكالنا وصحتنا البدنية والعقلانية، والى حد كبير أيضا تحدد أخلاقنا... ولكن من عجائب هذه الأشرطة أنها تقرأ نفسها وتنقل نفسها فهي أداة نسخ رائعة تعمل بإرادة الخالق عز وجل لتكون أعظم آلية إرث في الكون.
أمنيــــتان
طائرات تنقل طائرات؟ ليست مشكلة من الناحية الهندسية... أرقام تنقل أرقام؟ ليست مشكلة حسابية ولا منطقية... جينات تنقل جينات؟ لا مشكلة في عالم المخلوقات بالرغم من وجود بعض التحديات بين كل حين وآخر... ولكن كيف تنقل الأخلاق عبر الأجيال؟ وهل الوضع الحالي كاف ولائق بالمستوى الذي نطمح إليه؟... أتمنى أن نتذكر أن عدد الأجيال منذ زمن تبليغ أشرف المرسلين لأروع رسالة للبشرية لا يتجاوز الثلاثين جيلا وقد شهدنا تدهورا في مستوى التعامل عبر هذه الفترة القصيرة نسبيا، فتخيل كيف سيصبح المستوى الأخلاقي في الخمسين سنة القادمة، وهل ستصبح مكارم الأخلاق عملة نادرة؟ يتحدث البعض عن مبدأ الاستدامة الذي يتبلور في الحرص على توريث الأجيال القادمة الموارد المختلفة في أوضاع أفضل من الموجودة اليوم... أتمنى أن نضيف مبدأ الاستدامة الأخلاقية لهذه المنظومة المهمة.
والله من وراء القصد.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 122 مسافة ثم الرسالة
أخبار ذات صلة