سرد لنا محمد الشاهين رئيس تحرير جريدة الفيصل العراقية في الحلقة الاولى قصة القبض عليه من قبل الامريكان بسبب استضافته لشخص لايعرفه, وكان الشخص المشتبه بانضمامه الى القاعدة قدم الى منزل الشاهين في رمضان مما ادى الى اعتقاله هو وابنه البكر في عملية دهم ليلية دفعت به الى بداية الطريق المظلم نحو معتقلات الموت التي يستمر الشاهين في هذه الحلقة في كشف اسرارها ومايدور بداخل اسوارها الشائكة من قصص عجيبة.
يقول الشاهين: وصلنا الى قاعدة تكريت الجوية (سبايكر) فجرا وأنا لا أعرف الى أين نذهب ولكن ذهنيا خمنت ذلك .. لقرب هذه القاعدة من بيتي حيث يستغرق الوصول اليها نصف ساعة في الظروف الاعتيادية.
وفي حوض المدرعة أركعوني على ركبي والكيس في رأسي ويداي خلف ظهري (مشنوطة) في الشناطات البلاستيكية ,ولم تنقطع اتصالاتهم مع بعضهم البعض والتي عرفت بعضها لصعوبة الانجليزية التي يتكلمها الامريكان وعرفت ايضا أن غنيمتهم كبيرة في هذا اليوم ونحن لسنا كل الغنيمة.
أنزلونا من المدرعات وعلى ما اعتقد انهم اركبوا كل واحد منا لوحده واوقفونا جنب بعضنا ولم اكن أرى سوى اقدام الذين معي وبعد ذلك فتحوا (الشناطات) واقتادونا واحدا تلو الآخر, سحبوا الكيس من رأسي فوجدت نفسي في غرفة صغيرة فيها ثلاثة ضباط احدهم دكتور ملامحه ولكنته تشيران بانه من شرق آسيا وقد التفت عليّ وقال: انزع ملابسك, فنزعتها بارتباك وانا احاول ان ابلع ريقي واحاول ان اسيطر على مفاصل ركبي الراجفة كما اني كنت احارب الغثيان في تلك اللحظات, وبدأ الدكتور بفحصي من الفكين وحتى الاعضاء التناسلية وسألني: عندك امراض؟ قلت: لا فقال: البس ملابسك ,بعدها قال لي الضابط .. لك الحق في جملتين فقط الاولى (مستر دبل يو سي) اي اريد الحمام والثانية (مستر ووتر) اي اريد ماء.
المحاجر السوداء
ويستطرد رئيس تحرير جريدة الفيصل ورئيس رابطة الصحفيين العراقيين المستقلة واصفا رحلته الى الغرف السوداء حيث قال : لبست ملابسي وحذاء زوجتي الذي قدمته لي وهم يجرجرونني الى المدرعة بعدما استأذنت من المترجم ,وبعد ذلك اخذني الجندي بعد ان وضع (الكلبشات) في يدي ووضع الكيس في رأسي واقتادني الى ممر ليس بطويل ودفعني الى داخل المحجر واخذ الكيس من رأسي ووجدت نفسي في محجر اسود اللون طوله متر ونصف وعرضه متر وبابه نصف متر ارتفاعا, ادرت النظر فيما حولي ووجدت اني في وسط محاجر كثيرة مسلط عليها كاميرات ترصد كل تحرك يدور فيها وتساءلت (اين هم اولادي واين ذهبوا بهم) وكنت في تلك اللحظات اسمع المعتقلين يطلبون بالحاح (دبل يو سي) وسمعت من يطلب (مستر ووتر) وكان يخال لي ان احد هذه الاصوات لاحد اولادي وكنت اصغي لكل من يتكلم وبعد قليل رموا لي كيسا بعدما قال لي الجندي: كيو ولكني لم اعرف معنى هذه الكلمة وفتحت الكيس فوجدت بداخله طعاما مطبوخا على الطريقة الامريكية وكانت رائحته كريهة جدا, لم استطع ان اضع في فمي اي شيء منه, تركته كما هو حتى عاد الجندي بعد قليل يطلب بقايا الطعام.
بعد ثلاث ساعات تقريبا عاد الجندي ووضع الكيس في رأسي واقتادني الى ممر آخر وعلى بعد عشر خطوات دفعني وسحب الكيس من رأسي واقفل الباب فوجدت نفسي في محجر آخر يختلف عن الذي كنت فيه حيث كان المحجر الجديد مصنوعا من الخشب وكان طوله 6 أشبار وعرضه 5 اشبار وارتفاعه 7 اشبار وله فتحة صغيرة بطول شبر واربعه اصابع وارتفاعها طول اصبع واحدة فقط وكانت تستخدم لدفع الماء والطعام ,وفي هذا المحجر وضعت بطانية نتنة وقنينة ماء .
مكثت في المحجر ووجدت نفسي افرك يدي التي اثقلتها الاصفاد, اجلس وانهض واعود الى مكاني واقوم على الفور مرتبكا احاول ان اجد تفسيرا لوجودي في هذا المكان,ومن الفتحة الصغيرة لاحظت اني احتل الوسط من المحاجر واسمع المعتقلين يكررون الطلبات نفسها التي صرح لهم بها في المناداة ,وتعلمت ان الذي يريد الماء او الخلاء عليه ان يبدأ المناداة قبل نصف ساعة وعليه ايضا الا يمل من المناداة لان طلبه الاول والعاشر يهمل فعليه ان يناضل في الطلب, وفي تلك اللحظة تيممت وصليت بدون ان اعرف جهة القبلة واحسست ببعض الاطمئنان بعد ان اتعبتني الاسئلة الكثيرة التي لم اجد لها جوابا:
- هل فجروا بيتي؟
- هل قتل احد من افراد اسرتي؟
- هل قتلوا الضيف؟
- هل اعتقلوا جميع ابنائي؟
- ما الذي جاء بي الى هذا المكان؟
- ما الذي حدث؟
التعذيب النفسي
ويستمر الشاهين في وصف طرق التعذيب داخل المحاجر قائلا: حاولت النوم ولكن البرد كان حاضرا في تلك الليلة مع اننا كنا في اواسط الصيف اللاهب ولكن البرد يستخدم في المحاجر كاحد اساليب التعذيب النفسي وكانت البرودة التي تفوق الاعتيادي تصل الى حد طقطقة الاسنان وتجعلني ارتجف والبطانية النتنة لاتوفر الدفء ,لا ادري كم غفوت ولكن هذه الغفوة جعلتني لا اعرف الليل من النهار ولا اعرف الضحى من الظهر,وبعدما استيقظت من غفوتي سمعت طرقات خفيفة على زاوية المحجر وصوت ابني البكر يردد اسم اخيه بصوت خافت: (شاهين, شاهين) وفر قلبي اليه كطائر قطى وقلت: انا ابوك, قال: الحمد لله, الحمد لله, قلت له وانا اسبح دمعا والما: خلك رجال واعلم ان الرجال تشوف اكثر من هذا وانت مهندس وواعي وكلها ايام وتبقى سوالف,فرد بحشرجة :انت ربيتني فلا تخف علي.
أزمة الاكل
ويستطرد الشاهين في سرد قصته داخل المحاجر: مرّ يوم على ما اظن وانا لم اذهب الى الخلاء و كنت لا اشرب الماء ولا اقرب الطعام خوفا من الذهاب الى الخلاء وقلت لاجرب الذهاب من باب التغيير ومعرفة الليل من النهار, طرقت باب المحجر وقلت: مستر wc, ولم اسمع الجواب, تكرر الطلب اكثر من عشر مرات بعدها جاءني احدهم ورمى في وجهي (القناع) ووضعته على راسي وسحبته حتى وصل الحنك, سحبني وجعلني امامه ثم اخذ يدفعني ويقول بلغة عربية مكسرة جدا: (يمين, شويه يسار, انزل, انزل, انزل ) ,تعرفت في الحمام على الوقت لاني ارى من تحت القناع واستطيع ان اميز ضوء النهار من اضاءة الليل وعند الوصول قال لي: قف, ورفع القناع الى النصف,كان باب الخلاء مخلوعا والجندي يقف على بعد متر واحد ويقول: بسرعة خلص, وكنت في هذه الايام الستة التي قضيتها في المحاجر لم اعمل اي شيء سوى مرتين او ثلاث (ادرار) فقط لاني لم اقترب الى الطعام ولم اشرب الماء الا ما ندر من غطاء القنينة لابلل ريقي, واستطرد الشاهين: سحب القناع الى الاسفل وتمسك باكتافي وكان يقودني كما يقود سيارته في ضواحي (لاس فيجاس) وحينما وصلت الى الدرج قال: اصعد, اصعد, اصعد ودفعني داخل المحجر وسحب القناع وكان وجهي الى الجهة المقابلة واحكم قفل المحجر, نظرت الى الاصفاد حركتها وهززت رأسي آسفا على وجودي هنا, وفجاة سمعت ابني ينقر خشب المحجر واقتربت من الشق ووضعت اذني عليه
- قال: اين ذهبت
- قلت: الى الخلاء
- قال: شلونك
- قلت: لا تهتم السجن للرجال شد حيلك
ويسترسل الشاهين: قلت ذلك مع العلم انني لم اؤمن بهذه المقولة ابدا و كنت دائما اقول ان الحرية للرجال.
التحقيق
يقول الشاهين: كان الوقت على ما اعتقد بعد منتصف الليل عندما جاءني احد الحراس وطلب مني ارتداء القناع واقتادني عبر الممر وهو يردد (يسار, شوية يمين, امش, امش, امش, اجلس) رفع القناع من على وجهي ورايتني في غرفة صغيرة امام احد المحققين المدنيين وكان شابا وسيما يجلس وامامه شاشة كمبيوتر مسطحة وكاميرا فيديو معلقة بالسقف وموجهة نحوي ويجلس خلفه مترجم عراقي.
بدأ بالاسئلة الروتينية اسمك وعمرك واسماء عائلتك وعشيرتك واسماء اخوالك واعمامك واسماء شقيقاتك وازواجهن واعمالهم وانتماءاتهم,وكان الغريب بالاسئلة حين سألني:سني ام شيعي, قلت: سني, قال: وعلى اي مذهب, قلت: ماذا تقصد, قال: شافعي, حنبلي, مالكي,حنفي, ابتسمت رغم غبن حالتي وقلت: لا اعرف, قال: انت صحفي ورئيس تحرير جريدة وهذا يعني انك رجل مثقف فكيف تؤوي الارهابيين فقلت له: لا اعرف ماذا تقصد واذا كنت تقصد ضيفي فانا لا اعرفه ولكن الذي اعرفه ان لدينا عادات وتقاليد تختلف عن الغرب وهي تنص على اكرام الضيف.
نظام القاعدة
سألني اسئلة كثيرة وعرض عليّ صورا لوجوه لم اشاهدها في حياتي وقال: ماذا تعرف عن (ابو المهاجر البغدادي), قلت: المسؤول الاول في القاعدة وامير الدولة الاسلامية في العراق, وسألني: كيف عرفت؟
قلت: انا صحفي وهذا الرجل صوره في كل مكان واسمه تتداوله كل وسائل الاعلام فهو خليفة (ابو مصعب الزرقاوي), قال: وما علاقتك بالقاعدة, قلت :ليست لي علاقة بهم,وسألني عن توجه جريدتي وعن حياتي وعن كل شيء اعرفه وعن كل شيء لا اعرفه وكان يركز على عيوني ولا يسمح لي بالنظر الى المترجم وسألني هل اعرف الانجليزية ,فقلت له: نعم ,وفاجأني بسؤاله عن ابني قائلا: ابنك صاحب اللحية هل هو مهندس كيميائي, قلت :نعم وهل هذا التخصص ممنوع ,قال :لا هذا تخصص جيد جدا ولكن لماذا خرج الساعة السابعة وعشر دقائق بعد الافطار في السيارة ( البيكب ) الحمراء ومعه رشاش و (بلاجكتور) ومعه اثنان في حوض السيارة الى اين ذهبوا.
قلت وبكل هدوء: ذهب هو واصدقاؤه لاصطياد الارانب, اعجبه الجواب على ما اظن وراح يسالني عن كيفية اصطياد الارانب وهل لحمها طيب و شرحت له ذلك باسهاب طمعا مني باكتساب وده وختم التحقيق بالتهديد بسجني عشرين سنة لايوائي الارهابيين والتستر عليهم.
تهديدات الامريكان
توالت الجلسات اليومية والتحقيق فقد كان اثنان يتناوبان عليّ في التحقيق وجل اسئلتهم تدور حول ضيفي وعن الشبكات الارهابية وعلاقتي بها وفاجأني احدهم وسألني عن تيسير علوني وهل اعرفه ,فقلت له : نعم اعرفه واتمنى له الفرج القريب. واضاف الشاهين: في الساعات الاخيرة من التحقيق كان احدهم يهددني بتدمير حياتي وجريدتي اذا لم ازودهم بمعلومات عن الشبكات الارهابية وانه سيعمل على غلق صحيفتي التي وعدني جازما بانها لن ترى النور ابدا وهددني بترحيلي الى (غوانتانامو) وقال (هناك سترى زملاءك الاعلاميين).
سألوني عن تيسير علوني والبغدادي وهددوني بـ «غوانتانامو»
الشاهين : قضيت 6 أيام في صندوق خشبي صغير
19 أبريل 2008 - 20:11
|
آخر تحديث 19 أبريل 2008 - 20:11
الشاهين : قضيت 6 أيام في صندوق خشبي صغير
تابع قناة عكاظ على الواتساب
رصدها: عبدالله عبيان