تقدر عدد اللغات في العالم بأكثر من 2500 لغة يستعملها حوالى ستة آلاف مليون إنسان يوميا للإعلان عن مضامين مختلفة... ترويج سلعة أو خدمة ما... أو ربما للإعلان عن نوايا حسنة أو سيئة، ولكن أقوى اللغات ربما لا تكون في عالم الإنسان، أكتب هذه الكلمات في الصباح الباكر وفي حديقتي طائر "النغري" الجميل ذو الغناء العذب... هو أول من يبدأ نهارنا قبل شروق الشمس بإصدار أجمل الأصوات خارج داري... وأكيد أنه يسبّح بنعمة الله، ولكنه يريد أيضا أشياء أخرى في يومه، ربما ليعلن لبعض من زملائه على مصادر غذاء... أو أن ينادي شريكة حياته، والله أعلم... وبعض من أغرب اللغات هي التي تقول "شوفوني" أو "اسمعوني" أو "كلوني" "أو "تزوجوني يا هوه" وستجدها في أغرب الأماكن... وعلى سبيل المثال فيوجد حوالى مئتين نوع من النحل وتسمى نحل "البساتين" وهي لا تنتج أي عسل ولا تعيش في مجموعات كبيرة، ولكنها تفيد بتلقيح العديد من النباتات... وتعتمد هذه الحشرات على حاسة الشم في الجذب، وتحديدا فتكرس ذكورها معظم نشاطها في البحث عن مصادر العطور المختلفة لتولفها وتغطي أجسادها لجذب الإناث إليها... وكلما كانت التوليفة أغنى كان شأن الذكر أعلى... التوليفة الأغنى تعكس الأهمية الأكبر... كالفارق بين من يقود سيارة "فيراري تيستاروسا" حمراء جديدة في شارع التحلية... وذلك الذي يقود هايلكس بيضاء غمّارة واحدة في "نكتو"... ويقال إن ذكور هذه الأنواع من النحل هي الكائنات الوحيدة التي تشارك البشر في توليف العطور لجذب الإناث وإرضائهن... وإليكم المفاجأة: ففي بعض الأحيان بعد أن يتعب الذكر لأسابيع خلال مشاويره الشاقة لجمع الزيوت الفواحة العطرة ليغطى بها جسده، يتوج كل ذلك بإضافة قاذورات من داخله ليغطى بها جسده... وسبحان الله على بعض هذه التصرفات العجيبة... وبالمناسبة فلمن يجد هذه المعلومات صعبة التصديق فالاسم العلمي لهذه الأنواع من النحل هو يوجلوسا هيميكلورا euglossa hemichlora... على وزن "يجلسا تحت النافورة"... وفى عالم الحشرات ستجد ملايين الإعلانات العجيبة الأخرى، ولكن لا تنسوا عالم الحيوان فانظر في ريش الطاووس الزاهي المكلف جدا لهذا الطائر لأنه يضيف وزنا ضخما يحمله الطائر معه في كل مكان لكي يعلن عن وجاهته أمام الإناث... كمن يضطر لشراء صهريج "وايت سكس" ويقوده في كل مكان ليستعرض أمام خطيبته... ولا تنسوا عالم النباتات حيث نجد أغرب الإعلانات لإغراء الحشرات لحمل اللقاح، أو إبعاد بعض الحيوانات... ولكن هناك ما هو أهم من كل ما جاء أعلاه وهو عالم الإعلان في عالم الإنسان، فنجد بعض ما يعكس عدم دراية تاريخية بأحداث مهمة... في عام 1933 وعند بداية نشأة الحزب النازي في ألمانيا استخدم هتلر ومستشاره الإعلامي "جوبلز" شعار "شعب واحد، وطن واحد، قائد واحد “Ein Volk, Ein Reich, Ein Fuhrer”... ومنذ فترة وجيزة... استخدمت إحدى المؤسسات المهمة الرائدة في بلدنا لشعارها الإعلاني الأساسي مقولة قريبة للشعار النازي... وإحدى شركات السيارات الرائدة أيضا أعلنت عن إحدى سياراتها الجديدة فوصفتها بأنها "خطيرة جدا"... وكأن هذه ميزة للسيارات في بلد تعاني من الحوادث الخطرة... ولكن ما هو أسوأ من ذلك فبعض الإعلانات تعكس استخفافا بعقولنا فتدعي إدعاءات لا صحة لها وخصوصا في بعض المجالات الصحية وبالذات في موضوعي تخفيف الوزن، والتجميل... وفي المجال الطبي لابد أن نذكر أهمية إعادة النظر في إعلانات بعض الإخوة الأطباء والمراكز الطبية التي تعلن عن خدماتها بشكل لا يليق بطبيعة الخدمة النبيلة التي يقدمها الطب، وهي خدمة تحتاج إلى الوقار والهدوء ولا يجوز الإعلان عنها كما يعلن عن الصابون، أو الشامبو، أو اللدو.
* أمنيتان :
تأمل في الإعلانات التي ستراها اليوم... تلك التي ستصرخ في وجهك... وتلك التي ستكذب عليك... وتلك التي ريما ستعرض عقلك لإهانة بشكل أو آخر... أتمنى أن نكرس على الأقل 10% من الإعلانات فى وطننا لجهود التوعية في مكافحة الإسراف والتبذير، والحد من الممارسات غير المرغوبة، والمشاركة في الأعمال التطوعية الخيرية الفردية والتي نعتبر من أقل الدول في العالم في المشاركة فيها... وأتمنى أن لا تعطى كامل اهتمامك لكل من يقول لك «شوفوني»... باستثناء هذا المقال طبعًا.
والله من وراء القصد.
tfadaak@hotmail.com