كم منا الذين يجدون متعة في الإصغاء إلى زقزقة العصافير في الصباح الباكر وهي تتقافز مرحة من غصن لآخر؟ وكم هم الذين يتذوقون هديل حمامة أو مناغاة رضيع أو يجذبهم صوت خرير الماء منساباً من فوق نافورة أو عبر شلال؟
الجمال في الأصوات لا يقدره أحد كمن فقد نعمة البصر، فمن كان اعتماده في تذوق الأشياء من حوله على حاسة السمع دون البصر يتلمس الجمال في الأصوات ويدرك دقائق الفوارق في وقعها ونغماتها ونبراتها أكثر من المبصرين الذين قد يصرفهم النظر بعيداً عن إصاخة السمع لتذوق الأصوات من حولهم.
عندما تتسلل الأصوات إلى أسماعنا تكون في الغالب مختلطة بصورة المصدر الذي تنساب منه، فتسلب حاسة البصر من السمع قدراً كبيراً من تفرده بتذوق الصوت، ويمكن ملاحظة ذلك حين يتسنى لنا الإصغاء الأعمى، أي حين نستمع إلى الصوت دون أن نرى مصدره، إننا في مثل تلك الحالة نتذوق الأصوات بطريقة أخرى لم تكن تتاح لنا ونحن نرنو إلى مصادرها بأبصارنا.
ميزة الاستماع الأعمى أنه يتيح لنا أن نرسم في أذهاننا صورة لصاحب الصوت وفق خيالنا وذلك من خلال ما توحي به إلينا نبرات الصوت، فنحدد السن ومستوى التعليم وربما نوع الوسط الثقافي، ثم من هذه الإيحاءات مجتمعة نشكل في أذهاننا الصورة الذهنية لمن نستمع إليهم قبل أن نراهم.
هذا لا يعني قطعاً أن الناس لا يتذوقون جمال الأصوات إلا متى حرموا البصر، لكن درجة التذوق ودرجة التفاعل مع الصوت تختلف ما بين المبصر وغيره. هل هذا يعني أن غير المبصرين يتفاعلون مع الأصوات أكثر من غيرهم؟ أو أن تذوقهم لجمال الأصوات يطغى على تذوق المبصرين؟ ربما، فالناس كثيراً ما يستشهدون ببيت الشاعر الأعمى بشار بن برد الذي يقر فيه بتذوق أذنه الجمال:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
ولعل غيره من الشعراء المبصرين الذين عاشوا في زمن الهاتف والجوال والراديو يشاركونه هذا القول كما فعل نزار حين تغنى بطلاوة الصوت المنساب إلى أذنه عبر الهاتف:
همستك الحلوة في الهاتف
أحلى من المعزف والعازف
حنجرة رائقة، زقزقت
في مسمعي، كالوتر الراجف
جمال الصوت وعذوبته هل يرتبط بالحنجرة والأوتار الصوتية، أم يرتبط بالنبرة ومخارج الحروف، أم يرتبط باختيار الألفاظ وحسن التعبير؟ وهل مشاهير المطربين والمطربات الذين يأسرون السامعين بعذوبة أصواتهم ورخامتها يمكن أن يكون لهم التأثير نفسه متى تحدثوا؟ أو هل يمكن أن يحدث العكس كأن يكون الذين يمتعوننا بجمال أصواتهم متحدثين قادرين على أن يمتعونا أيضاً فيما لو غنوا؟
فاكس 4555382