رغم مرور 22 عاما على حادثة استبدال طفلتين في محافظة بيشة ومرور 10 اعوام على حادثة استبدال طفلتين في نفس المحافظة الا ان الأسر الاربع لازالت تتجرع مرارة خطأ استهتار لا ذنب لهم فيه. وفيما تسلمت اسرتا الطفلين تعويضا ماليا مقداره 80 الف ريال (وزعت بالتساوي) بعد تغريم الشركة المشغلة لمشفى بيشة آنذاك بمبلغ 100 الف ريال تدفع منها 20 الف ريال لخزينة الدولة. لازالت اسرتا الطفلتين بلا تعويض الامر الذي يفجر التساؤل حول آلية صرف التعويضات حسب استفهام الاسرتين.. اللتين اكدتا انهما لم يطلبا تعويضا لان الانهيار النفسي الذي اجتاح الاسرتين كان اصعب من ان تبحث اي منهما عن تعويض مادي اذ كان الهم الاكبر يتمثل في كيفية العلاج النفسي سواء للاسرتين او الطفلتين الضحيتين خاصة ان اكتشاف الخطأ والحقيقة كاملة لم يتضح الا وعمر الطفلتين 11 عاما. ورغم مرور 10 اعوام اخرى على حادثة استبدال نورة علي مريط وسعدية سعيد العلياني (بالمسمى المصحح) الا ان الفتاتين تشعران بغصة في حلقيهما وهما يتذكران الواقع المؤلم الذي مر على حياتهما.. ولازال يؤثر على نفسيتهما حتى الآن.
فسعدية التي ترى نفسها مقبلة الآن على الزواج وجدت نفسها كرها لا طوعا تستعيد ذكريات مؤلمة مضى عليها 22 عاما.. اذ تخشى ان تتكرر معها نفس المأساة عندما يرزقها الله بمولود لانه (حسب قولها) ما دامت تكررت الحادثة في نجران (في اشارة الى حادثة الطفلين السعودي والتركي) فانه في الامكان تكرارها في اي وقت خاصة انها احدى ضحايا هذه الاخطاء وان كانت فردية.
وقالت سعدية: اشعر بالخوف من تكرار المأساة لانه لا يشعر بالمرض الا المريض، اذ عشت اياما عصيبة.. وان اعترفت بانني تجاوزت المرحلة الخطرة في انتقالي من اسرة عشت معها 11 عاما الى اسرة اخرى لا اعرف عنها شيئا سوى انها اسرتي الحقيقية.
واضافت ان علاقتها بأسرتها التي ارضعتها مازالت قائمة.. بل وصل الامر الى حد (التوأمة) مع اختها من الرضاعة نورة التي تعتبرها توأم روحها، وتراها الاقرب اليها من اخوتها وشقيقاتها.. مشيرة الى ان ارتباطها بنورة انساها الكثير من المعاناة .. بل كانت تشعر في احيان كثيرة ان امها الحقيقية بعد انتقالها اليها تحب نورة اكثر منها.. فلم تخف الامر عن نورة وابلغتها بذلك، لكنها لم تحقد عليها او تغير منها بل على العكس كانت ترى ان نورة الاقرب منها والتي يجب ان تحكي لها كامل ما يدور داخلها.
وتتذكر سعدية اصعب فترات حياتها عندما شاع الخبر عن وجود خطأ في استبدالها لتجد نفسها رهينة لقب (البنت الضائعة) حول الوسط الذي تعيش داخله او في مدرستها من معلماتها وزميلاتها الطالبات.. وقالت رفضت الذهاب لاسرتي الحقيقية عندما علمت بالخبر خاصة ان عمري كان 11 عاما، وكلما جلست في منزل اسرتي الاصلية أبكي وأرغب في العودة الى المنزل الذي تربيت فيه.
وترى سعدية ان قصتها المؤلمة هي اولى العبر التي حتما ستسردها لابنائها ولكل من تعرفهم حتى يأخذوا حرصهم وحذرهم.. وان كان الحذر لا يمنع القدر.
بكاء ومرارة
على الجانب الاخر عاشت نورة علي مريط مأساة من نوع اخر، اذ اكتشفت حقيقة الخطأ بعد فوات الاوان (حسب وصفها) وقالت عالجوا الامر عندما كان عمري 3 سنوات واتذكر انني كنت اقضي وقتا طويلا في منزل أمي في الرضاعة.. وابكي عند فراقي لهم، ولم يكشفوا لي الحقيقة الا بعدما بلغ عمري 11 عاما.. عندها علمت ان امي الحقيقية ماتت من الهم وان الحقيقة ظهرت بعد وفاتها.. وقالت ان فقدها لامها لم تشعر به خلال صغرها لارتباطها الشديد بالام المرضعة (والدة سعدية).. الا انه بعد مرور سنوات اخرى شعرت بأمها الغائبة، وقالت كنت أبكي كثيرا على فقدها وعدم رؤيتها ولو مرة واحدة.. واتساءل من المسؤول عن حرمان يتم طفلة على مدى 11 عاما وامها على قيد الحياة ليصبح اليتم امرا واقعا عقب وفاة الام دون ان ترى ابنتها.
ألم الكبار
ومع ان حادثة الخطأ في تغيير طفلتى مريط والعلياني طوتها سجلات الزمن قبل ان تطويها سجلات التصحيح والاستبدال.. الا ان علي مريط يؤكد ان جميع الامراض التي داهمته لاحقا سببها هذا الخطأ.. وقال لـ«عكـاظ».. نعم اشعر بالمرارة كلما تذكرت الحادثة.. لاننا وقتها كدنا ان نصاب بالجنون لولا لطف الله.. ثم ثقتي بزوجتي رحمها الله التي عاشت سنوات من العذاب والمعاناة تلقت خلالها ابشع النظرات من المجتمع وعلامات الاستفهام التي للأسف لم يتم حلها الا بعد وفاتها لتظل طيلة حياتها محاصرة بسؤال بلا اجابة عن معنى وجود طفلة بيضاء في اسرة سمراء.
ونفس المعاناة عاشها سعيد العلياني والد سعدية.
اذ كيف تعيش معهم طفلة سمراء مع ان اسرتهم بيضاء البشرة.. وقال كانت الخلافات في المنزل لا تهدأ.. فالامر صعب للغاية، ونظرات الاتهام تحاصر الجميع، الا ان ايمان زوجتي بالله عز وجل وفي اتضاح الحقيقة جعلها تصبر وتحتسب، وكانت تصر دائما على وجود خطأ من المستشفى وتتذكر تلك المرأة السمراء التي رافقتها في حجرة الولادة ثم غابت عنها.
وتقول ام سعدية ومرضعة نورة انها مرضت من حجم المعاناة.. وكنت مستيقنة ان نورة ليست طفلتي وان الخطأ من المستشفى واتذكر ان اسم المرأة التي كانت ترافقني في حجرة الكشف يطابق اسمي.. لكن كلمات المجتمع كانت جارحة حتى اصابتني بالمرض، اذ ان البعض دعانا لوضع الصغيرة امام احد المساجد فرفضنا بالطبع لانه لا يمكن ان نتجرد من انسانيتنا.
وتضيف ام سعدية.. الان اسير بالعكاز رغم صغر سني فلقد هدني التفكير والألم منذ 22 عاما.
طفلا الرمثي والحواشي
واذا كانت جذور قصة نورة وسعدية تعود الى عام 1406هـ فان قصة طفلي مسفر الرمثي وعبدالله الحواشي تعود الى ما قبل 11 عاما وتحديدا في 16/3/1427هـ ويؤكد الابوان ان تبعات المأساة لازالت عالقة في الاذهان.. وما اصابهما من مرض نتاج لتلك الحادثة المؤلمة.
يذكر ان «عكـاظ» انفردت في 7/7/1409هـ وفي 16/3/1417هـ بنشر حادثتي استبدال الطفلتين والطفلين.
بعد حادثة علي ويعقوب ورغم مرور سنوات على قصة الاستبدال
هاجس «تكرار الخطأ» يطارد طفلتي بيشة
17 نوفمبر 2007 - 20:43
|
آخر تحديث 17 نوفمبر 2007 - 20:43
تابع قناة عكاظ على الواتساب
علي آل بخيتان ـ سعيد الغامدي ـ مريم المليحي (بيشة)تصوير: عوض البيشي