- أتابع، باهتمام، ما تشهده مواقع التواصل الاجتماعي في بعض دول العالم من ممارسات مؤسفة، تجاوزت حدود النقد والاختلاف، ووصلت إلى حدّ الردح والشتم والقذف، والتدخل السافر في خصوصيات الآخرين، وكشف أسرار حياتهم الشخصية، في ظل غياب الضوابط الرادعة أو ضعف تطبيقها. وأحمد الله كثيرًا على ما تشهده المملكة العربية السعودية من تنظيم وتشريعات تسهم في الحد من مثل هذه التجاوزات، وتحفظ للمجتمع خصوصيته وقيمه.


- إن ما يحدث في بعض المنصات تجاوز كل الحدود الأخلاقية والضوابط التي تفرض احترام الآخرين وصون حياتهم الخاصة. فليس من حق أي شخص أن ينصّب نفسه وصيًا على المجتمع، أو يمنح نفسه سلطة تحديد الصواب والخطأ وفق قناعاته الشخصية، فضلًا عن أن يتجاوز ذلك إلى محاسبة الآخرين والتشهير بهم، لمجرد أن تصرفاتهم لا تتفق مع وجهة نظره أو معاييره الخاصة.


- هناك أنظمة وتشريعات وجهات مختصة، هي المعنية بتحديد المخالفات ومحاسبة مرتكبيها، وليس من حق الأفراد أن يحلّوا محلها أو يمارسوا دور السلطة والرقابة على المجتمع. فالدولة هي التي تضع الأطر النظامية، وتحدد حدود المسموح والممنوع، وتتولى الجهات المختصة تطبيق الأنظمة بما يحفظ الحقوق ويمنع التجاوزات.


- إن خصوصيات الآخرين ليست مادة مباحة للنقاش أو التشهير أو تصفية الحسابات، ولا ينبغي ترك المجال مفتوحًا أمام من يعتقد أن امتلاكه حسابًا في مواقع التواصل يمنحه الحق في اقتحام حياة الناس وكشف أسرارهم. وفي المملكة العربية السعودية، وضعت وزارة الإعلام والهيئة العامة لتنظيم الإعلام أطرًا تنظيمية ومهنية تسهم في ضبط الممارسة الإعلامية، وحماية الحقوق والخصوصية، وهو ما يعكس أهمية وجود مرجعية واضحة تضبط العمل الإعلامي وتحول دون الانفلات.


- وحتى في المجال الرياضي في السعودية، لم يتم الخلط بين الحياة المهنية والشخصية للرياضيين، سواء كانوا لاعبين وطنيين أو مدربين أو محترفين من خارج المملكة. نعم من حق الجمهور والإعلام مناقشة الأداء والنتائج والقرارات الفنية، لكن ليس من حق أحد اقتحام الحياة الشخصية للرياضي أو ربطها بعمله، ما دامت لا تتصل بمخالفة تستوجب المساءلة النظامية.


- وحتى المؤتمرات الصحفية، بوصفها مساحة للحوار وطرح الأسئلة ومناقشة القضايا، لها ضوابط وتعليمات مهنية وتنظيمية يجب الالتزام بها، بما في ذلك الحصول على التصاريح اللازمة متى تطلب الأمر ذلك، واحترام حق الإعلامي في السؤال، وحق المتحدث في الرد، دون إساءة أو تجريح أو انتقاص من أي طرف. فالاختلاف في الرأي لا يبرر تجاوز حدود الاحترام المتبادل.


- إن الثقافة الإعلامية والمسؤولية الاجتماعية على مواقع التواصل أصبحتا ضرورة ملحّة. علينا أن نسأل أنفسنا قبل أن نكتب أو ننشر: ماذا نقول؟ وكيف نقوله؟ وما الأثر الذي سيتركه ما نكتبه في الآخرين والمجتمع؟ فليس كل ما نعرفه يحق لنا نشره، وليس كل خطأ نراه يمنحنا الحق في الإساءة إلى صاحبه أو التشهير به. هناك جهات مختصة تتولى التحقيق والمحاسبة، مهما كانت مكانة الشخص أو نفوذه، ولا يجوز للفرد أن يمنح نفسه سلطة لا يملكها.


- وما الفائدة التي يجنيها المجتمع من متابعة مشاهد الشتم والسب والقذف والتطاول، أو الاستماع إلى تفاصيل الخلافات الشخصية والأسرية، بل وكشف ما يدور داخل المنازل؟ فالبيوت لها أسرارها، والحياة الأسرية لها حرمتها، وليس من حق أحد أن يكشف المستور أو يحوّل خصوصيات الناس إلى مادة للفرجة والإثارة وجمع المتابعين، مهما بلغت مكانته أو حجم تأثيره.


- ومن المؤسف أن تصدر مثل هذه التجاوزات أحيانًا عن شخصيات اعتبارية، يُفترض أن تكون أكثر حكمة واتزانًا وإدراكًا لمسؤولية الكلمة وتأثيرها. كما ينبغي ألا تنساق هذه الشخصيات خلف الأصوات التي تشجعها وتصفق لها، أو تمنحها مبررات للاستمرار في التجاوز؛ فالتشجيع المؤقت لا يعفي أحدًا من المسؤولية، والاحتكام في النهاية يكون إلى الأنظمة والقوانين، وما تقرره الجهات المختصة عند ثبوت المخالفة.


- لسنا ضد النقد، ولا ضد حرية التعبير، ولا ضد كشف الأخطاء ومناقشة القضايا العامة، لكننا ضد تحويل هذه المساحات إلى ساحات للتشهير والانتقام وانتهاك الحرمات. فالحرية مسؤولية، والكلمة أمانة، واحترام خصوصيات الآخرين ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل مبدأ يجب أن تحميه الأنظمة وتلتزم به المجتمعات.


- أعتقد أنكم فهمتم ما أعنيه.. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس من حق أحد أن يكون وصيًا على حياة الآخرين.