بدأنا نقرأ مؤخراً عن نشاط ميداني لأمين مدينة جدة الجديد، ومنه خبرٌ نشره حساب الأمانة يوم الخميس الماضي، يفيد بأنه قام بجولة «تفقّد خلالها 14 حياً من أحياء شرق جدة ـ والتقى بالسكان للاستماع إلى ملاحظاتهم واحتياجاتهم ووجّه بمعالجتها، كما اطّلع على سير عمل المشاريع، موجّهاً بتسريع الإنجاز، بما يعزّز جودة الخدمات البلدية».
هذا خبر جيد في دلالته، حين يقف الأمين على أوضاع جدة بشكل عملي وليس اعتماداً على التقارير فقط، وكلنا نعرف أن جدة مثقلة بالمشاكل المتراكمة المزمنة المعقدة، التي لم يُعالَج الكثير منها بشكل جذري. وهنا نحن نتحدث عن كل أحياء جدة بلا استثناء، ولكن عندما يكون الحديث عن أحيائها الشرقية، فنحن نتحدث عن عالم منفصل، أو كوكب جديد اكتشفه الناس واستوطنوه ولم تكتشفه الجهات الخدمية إلا بعد أن أصبح مزدحماً، فبدأت تقدّم خدماتها ولكن بالتقسيط طويل الأجل، وبمستوى متدنٍ في الجودة. هذا القول يشهد به الواقع، فكثير من الأحياء لم تصلها بعد الخدمات الأساسية كشبكة المياه والصرف الصحي وتصريف الأمطار، وأما الشوارع والأرصفة والنظافة فهي مثال صارخ لسوء المعايير والتنفيذ والمتابعة والرقابة. جولة سريعة داخل شوارع أحد تلك الأحياء تثبت ذلك، وتثبت أيضاً أن المطالبات المستمرة للسكان بتحسين هذا الواقع لا تحظى بالاهتمام، لأنها على هذا الحال منذ سنوات طويلة.
وإذا كان أمين جدة قد قام بواجبه في الوقوف ميدانياً على مشاكل تلك الأحياء، فإنه يصعب علينا فهم تغطية 14 حياً في جولة واحدة، ومعرفة مشاكلها المتشعبة والاجتماع بسكانها والاستماع إلى مطالبهم، كما يوحي بذلك خبر الأمانة، لأنه إذا كان ذلك كذلك فإنه إنجاز غير مسبوق يستحق تسجيله في موسوعة غينيس. وفي هذا السياق، أتذكر أنه قبل بضع سنوات تم تكليف لجنة من مختلف الإدارات ذات العلاقة لبحث احتياجات حي واحد فقط من تلك الأحياء، بعد أن تبنيت إيصالها للمسؤولين وشاركت في جولة اللجنة المكلفة بذلك مع بعض أعضاء مجلس الحي، فاستغرق الأمر يوماً كاملاً من شروق الشمس إلى غروبها، وبالكاد تم حصر تلك المشاكل والاحتياجات، وبالتالي يكون الاستغراب في محله حين يستطيع الأمين تغطية احتياجات 14 حياً في يوم واحد. أتمنى أن يكون خبر الأمانة غير ما توحي به صياغته، وأن وقوف الأمين على احتياجاتها تم خلال عدة جولات ليكون الأمر أقرب إلى المنطق.
نرجو للأمين الجديد التوفيق في مهمته، ونرجو لجدة حظاً أفضل معه، كما نود تذكيره بأن أحياءً أخرى في شمال جدة وجنوبها ليست أفضل حالاً من شرقها. ونود أيضاً تذكيره بأن جودة الحياة تبدأ من جودة الخدمات الأساسية في المنزل، وتتواصل مع جودة الشارع الذي يقع فيه المنزل من سفلتة وإنارة وأرصفة ونظافة وتشجير، ثم جودة الحي باكتمال المرافق والخدمات. لا يستطيع أحد الحديث عن جودة الحياة وهذه العناصر مفقودة أو ناقصة أو سيئة التنفيذ.