فرّ من القرية خجلاً، قبل سنين وونين؛ بسبب فقعة خرجت غصباً عنه؛ إذ دغلوه الشياطين الغُبر الدُبر بمرقة دُجر ما نضج، وسقوه طاسة لبن، ولزّموا عليه يسري معهم يحاظون لعب الشبك في قرية مجاورة، والرجال ما هو دون شيء؛ لكن غلبته الغالبة، وهو يتمايل في الصفّ تحرك بطنه، وقال في خاطره بانسمّها وما حد بيحسّها، لكنّ المناسم فضاحة؛ ظهر الصوت، فانسحب من الملعبة، واللي تسبّبوا في فضيحته سروا وراه يتضاحكون، وما أصبح إلا وسيرة (طقعة مدفعيته) على كُل لسان، فاضطر للهجرة والرحيل.
تزوّج بنت رجال في مكّة، وجابت له (نقمان) ولد، لا ينداس في عرينه، ولا ينشرع في بحره. مات (أبو نقمان) ودُفن في مكة، إلا أنّ قصّته في قريته ظلّت على قيد الحياة؛ فكل ما جاء مناسبة تطاروا بها الحريم والرجال،
لم يكن في نيّة (نِقمان) العودة لقرية أبيه؛ إلا أن والدته كانت حريصة يرجع لمسقط رأس أهله، والمرأة المكاوية شبعانة خبرة وطيبة وجرأة، واكتسب منها ومن أخواله (الزناوة)، ففي جيناته مكر ودهاء وحيلة، قال (نقمان) في نفسه بلهجته غير المتكلفة؛ يا واد اطلع الديرة شوف وحوف وجُس نبض أكّالين مال النبي، إن طلعوا طيبين خليك أطيب، وإن كان ما زالوا في ضلالهم الملعون؛ ورّيهم نون وما يسطرون.
استأجر في شاحنة احتاجت أربع ليالٍ لقطع الطريق، ولو ما هي حبوب (النوفالجين) كان هلك، بسبب الدوخة والغبار، وعشية ليلة خامسة، قرر يبات بمقهى في السوق، ويهبط بحسب وصية أمّه، يقضي هدايا للعريفة والفقيه؛ لأنه إذا دهن سير الكبار تقاطر الصغار كما الجِفار خلف أمهاته؛ وبالفعل اشترى من كل غالٍ قهوة وحوايج وتنباك وسكر وشاهي، وقماش صوف، وثلاث أُقات لحم. واقتضى له قفة، واستأجر له حمارة بحمّارها، وطلب يوصله لقريته؛ اقتربوا من وادي القرية، وسمع حرمتين يتجادلن؛ أي ولديهما أكبر من الآخر، وكان يصله صوتهن وهو فوق الحمارة كما النخلة؛ وقفّته في حضنه، سمع التي تدلى وكان اقترب أكثر تقول؛ ولدك يخته ولد يوم طقع فلان، فكتمها في نفسه، وقال؛ ما نسيوا مناعين الجدف، ولكن دواهم عندي، وقطع على نفسه عهداً ما يغدونه مشاشة بين أنياب العرّاشة، وأنه لينشب في نحورهم، ويظهر الشيب في صدورهم.
نشد سفان يتلعبون في السّيَح عن بيت العريفة، فدلوه؛ ودخل على كبير القريّة؛ فسرّه منظر الرجال ولبسه وزغوده الحمر اللي كما القوطة، والتي لو طبزها بشوكة لانبجست بالدم. قدّم هداياه، سمع الفقيه باللافي وراح من الوادي يسعى، واحتضنه، وقال في نفسه؛ إن كنت احرز انك ولد ابن عمي (شرجان)، وكل شويه يسلّم عليه مردداً؛ أنا فدى الريحة والشيحة؛ فطالع فيه بعين الشرّ ونشده بانفعال؛ ايش فيه طايح فيني مطمطة؟ ردّ عليه؛ ترى العريفة وانا سترك وغطاك، بعدما تبدي لنا وش عندك وش معك وش جابك؟ علّق العريفة؛ مثل ما قال فقيهنا، فطلب منهم يعطونه مهلة إلى بكرة؛ ينتسم من تعب السفر، وفي الصباح يكشف لهم غطا حلّة تفور من فوق لهب الدافور؛ أعجبهم تعبيره فضحكا، وقال العريفة؛ بكرة بكرة ما شيء خلاف والشيطان معثور.
عشّاه العريفة، وهيأ له مفرش ينام فوقه، وسرى هو والفقيه يتنبكون ويتقهوون والفقيه يتمشدق بالضيف ويقلّد كلامه ومشيته والعريفة ميّت ضحك، و(نقمان) سهران يسمع ودماغه يخطط كيف يربيهم. فقال الفقيه؛ باين عليه يا كبيرنا مِقْرِش، فجاوبه؛ مِقرِش ايش إلا قل مزنّد؛ الله ربنا وربه واللي وراه أضعاف اللي قدامه، وكعادة الفقيه في النباش. قال لكن لا تنسى تراه ولد متلقّط الزّكِي.
أصبحوا على دلة وبراد حليب وقرصان وسمن، والفقيه متلهف أكثر من العريفة على تنقيب السيرة والسريرة، صدمهم بقوله؛ البارح سمعت كلامكم، وأنا (نقمان) ولد ابن عمكم، واستقام وفك من وسطه كمر معبأ جنيهات جورج، ومدّ للعريفة بسبعة وللفقيه بثلاثة، وطمّعهم بقوله؛ التالي يلحق بعدما تحققون طلبي، ردّوا بصوت واحد؛ أبشر بسعدك تأمر على رقابنا.
أبدى لهم حرصه على مجاورتهم، وبناء بيت علو القرية، باطنه حجارة، وظاهره مرو؛ ورغم أن المرو نادر، إلا أنهم قالوا ما طلبت شيء، وسرّح العريفة أهل القرية كباراً وصغاراً ورجالاً ونساءً يلقطون المرو؛ وأغدق عليهم وعوداً بالإكراميات من الذهب والفضة؛ فسارعن حتى العجائز وانخرطن في المهمة، واتفق العريفة مع أمهر البنايين، وحوّلوا القرية ورشة عمل، من الفجر إلى غروب الشمس.
اكتمل بناء بيت أبيض يلمع مروه، واختاروا ثور المذن حبيش نزالة فتعشوا، ودار اللعب، ولأنهم حرموا الشاعر من الغنيمة سرى يمعني بالقصايد للحضري، والفقيه يفسر له (الفيد ما هو من الجدان من فيد ابي) وأصبحتْ القرية خامدة من الشقا اللي مرّ عليها من البيت النكبة، ومن ساكنه اللي ما بعد وفّى بالكِرى ولا قيمة القِرى.
افتهن (نقمان) في البيت شهراً ويتشرط عليهم الغداء في بيت والعشاء في بيت بعدما ذبح لهم ثور الغُرم، وكلما طالبه أحد بالأجرة يستمهله متعللاً بأن والدته وإخوانه جايين في الطريق، وأبرم صفقة مع الفقيه، ليشيع أن المرو ماج بدماغ (نقمان) وخذته الغزلة، وطلب من الجماعة ما عاد أحد يشره عليه لو يسوّي ما سوّى، وحلف لهم أيمانا مغلظة؛ أنه قرأ عليه البارحة، فخرج شرر من عيونه، وقام عليه داسه وشقق ثوبه ونتّف لحيته، وغصبن فكّه، علّق العريفة، يخشعه رب النود والقرود والغربان السود، وكان الشاعر كلما شاف الفقيه، بمصحفه داخل البيت الأبيض، يردد (ما كان مغزول لكن البشر غزّلوا به) وظل المذّن ناقماً على الفقيه وكلما طلبته حرمته يأخذ قيمة الثور قال؛ كلها من الفقيه زنبيل الثُّفا كيف آخذها من مغزول؟ وفي صبيحة يوم جمعة، استيقظت القرية على دواخن في واديها، ورائحة شياط؛ ولاونّ البيت الأبيض فحمة؛ لزم العريفة راسه قائلاً؛ وين اغدي وجهي من جماعتي؛ شبّنا، وشكّدنا طُنب العير.