وفق آخر تحديث للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، فإن بلادنا تحتضن (6,286) جمعية أهلية، بقفزة نسبتها 44% خلال العامين الماضيين.
ولا أحد يختلف على أهمية تزايد عدد الجمعيات، لا سيما الجمعيات التخصصية التي تملأ فراغات تنموية دقيقة في المجتمع.
وأرى في المرحلة الحالية التوقف عن إنشاء جمعيات أهلية، فالهدف ليست في الكم بل في الكيف، فما نرصده على أرض الواقع اليوم، أن أغلب الجمعيات الأهلية الجديدة تعاني من ثلاث معضلات متكررة:
أولاً: قلة الموارد المالية؛ فكثير منها تأسست بحماس فكرة دون دراسة واقعية للاستدامة المالية.
ثانياً: ضعف الكفاءات البشرية؛ فالعمل أصبح صناعة تحتاج إلى إدارة مشاريع وقياس أثر وتسويق وحوكمة، فمعظم الجمعيات الوليدة تدار بجهود تطوعية تفتقر التخصص.
ثالثاً: جمعيات بلا مقرات ولا نشاط؛ فهناك جمعيات مرخصة حديثاً لا يوجد لها مقر، ولم تبدأ نشاطها الفعلي، مما يفرغ فكرة الجمعية من مضمونها، ويحولها إلى رقم في سجل الجمعيات.
ولعل استمرار هذا الوضع سيؤثر لا محالة على سمعة القطاع ككل، فمن يرى جمعية متعثرة لن يحكم عليها وحدها بل يعمم حكمه على القطاع بأكمله، فتتآكل الثقة التي بناها المركز الوطني بجهد كبير خلال السنوات الماضية عبر الحوكمة والشفافية.
لذلك، فإنني أرى أن المرحلة القادمة تتطلب نقلة من «منطق التوسع» إلى «منطق التعميق والجودة» من خلال مسارين:
الأول: مراجعة معايير وضوابط تأسيس جمعيات جديدة، والهدف التأكد من وجود الحد الأدنى من الجاهزية.
الثاني: دراسة جادة لدمج الجمعيات المتشابهة العاملة في نفس المدينة والمجال والفئة المستهدفة، فالدمج سيحقق جودة أعلى في الأداء، وخفضاً كبيراً في التكاليف التشغيلية والإدارية، وقدرة تفاوضية أفضل، وأثراً مجتمعياً أوسع وأكثر تركيزاً.