مع ما يحدث في مضيق هرمز وباب المندب، يتجدّد الحديث عن البحار والممرات المائية بوصفها أحد أهم مفاتيح القوة والنفوذ في العلاقات الدولية. فالبحر ليس مجرد امتداد جغرافي أو طريق للتجارة، بل عنصر حاسم في تشكيل التحالفات، وصناعة التوازنات، وتحديد مواقع الدول على خريطة التأثير العالمي.
ولعل مصطلح «الدول الحبيسة»، الذي يُطلق على الدول التي لا تمتلك منفذًا بحريًا، يكشف جانبًا من هذه الحقيقة؛ فغياب الوصول المباشر إلى البحر يفرض قيودًا اقتصادية وإستراتيجية، ويجعل الدولة أكثر اعتمادًا على جيرانها في الوصول إلى الأسواق العالمية، وإن لم يمنعها بالضرورة من امتلاك القوة والنفوذ.
وكباحث في العلاقات الدولية، تستهويني دائمًا تلك النظريات السياسية التي نجد صداها في الواقع، وكأن التاريخ يعيد اختبارها أمام أعيننا. ومن أبرزها نظريات القوة البحرية التي حاولت الإجابة عن سؤال جوهري: كيف تحكم الدول العالم؟
في القرن التاسع عشر، قدّم المفكر الإستراتيجي الأمريكي ألفرد ثاير ماهان أطروحته الشهيرة في كتاب «تأثير القوة البحرية على التاريخ»، مؤكدًا أن التفوق البحري كان أحد أهم أسباب صعود الإمبراطوريات الكبرى. فالدولة التي تمتلك الأساطيل والموانئ، وتستطيع حماية طرق التجارة، تملك أدوات استثنائية لتعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية.
ولم تكن الإمبراطورية البريطانية، التي امتد نفوذها عبر القارات، إلا شاهدًا تاريخيًا على هذه الفكرة؛ إذ أسهم تفوقها البحري في حماية تجارتها وتوسيع مستعمراتها وترسيخ حضورها الدولي.
ثم جاء عالِم الجغرافيا السياسية نيكولاس سبايكمان ليمنح هذه الفكرة بُعدًا أكثر اتساعًا. فقد رأى أن مفتاح التوازن العالمي يكمن في السيطرة على المناطق الساحلية المحيطة بالكتلة الأوراسية، التي أسماها «الهلال الخارجي» أو Rimland، مخالفًا بذلك هالفورد ماكيندر الذي منح قلب اليابسة الأوراسية الأهمية الإستراتيجية الكبرى.
وكانت خلاصة أطروحة سبايكمان أن من يسيطر على الهلال الخارجي يستطيع التأثير في مصير أوراسيا، ومن يهيمن على أوراسيا يمتلك مفتاحًا بالغ الأهمية في ميزان القوة العالمي.
وإذا تأملنا خريطة العالم اليوم، أدركنا لماذا تتزاحم القوى الكبرى حول المضائق والموانئ والقواعد البحرية. فمضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا للطاقة، وباب المندب بوابة إستراتيجية للتجارة بين آسيا وأوروبا، بينما تشكّل قناة السويس ومضيق ملقا عقدتين بالغتي الأهمية في حركة الاقتصاد العالمي.
ولذلك لا تبدو التحالفات البحرية، ولا انتشار الأساطيل الأمريكية، ولا التنافس على الموانئ والقواعد العسكرية، أحداثًا منفصلة؛ بل امتدادًا لمنطق إستراتيجي قديم يتجدّد بأدوات العصر.
ومع أن التكنولوجيا والطيران والفضاء أعادت تشكيل مفهوم القوة، فإن البحار لا تزال تحمل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، وتبقى ساحة رئيسية للتنافس الاقتصادي والعسكري.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: قد تُرسم حدود الدول على اليابسة، لكن جانبًا كبيرًا من أمنها وازدهارها ونفوذها يتقرر في البحر.
فمن أراد أن يفهم كيف يُحكم العالم، فعليه ألا يكتفي بالنظر إلى خرائط الدول وحدودها، بل أن يتأمل البحار التي تفصل بينها وتربطها في آن واحد.