ليس من السهل أن أكتب عن أخي عبدالرحمن ( أبو عبدالله ) وليس من السهل أن أستوعب رحيله فحين يرحل الأخ الأكبر لا نفقد شخصاً عزيزاً فحسب،بل أفقد جزءاً من تاريخي،إذ تزامنت أعوام العمر ،وتداخلت ذكريات الطفولة، ونمت حيوية الشباب، و اتصلتتجارب الحياة المختلفة.

اليوم وأنا في الحادية والستين من عمري أودع أخي عبدالرحمن الذي رحل عن عمر يناهز الحادية والسبعين، عشرة عمر طويلة،ومواقف وذكريات لا تحصى ومحطات كثيرة من الحياة كان حاضراً فيها أخاً أكبر،وسنداًللروح لا يتأخر عن إخوته واخواته.

منذ وفاة والدنا قبل أكثر من ثلاثين عاماً تولى أخي (أبو عبدالله)دوراً كبيراً في أسرتنا وكان لنا عقب رحيل والدنا ظهراً للجميع ، حمل مسؤولية الأخ الأكبر بكل ما تعنيه من عطاء واحتواء وحرص ولم يكن ذلك مجرد دور تفرضه السن أو المكانة بل كان تعبيراً صادقاً عن محبته لنا وشعوره بالمسؤولية تجاه إخوته واخواته وأسرته.

لقد كان أخاً كبيرا وكريماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم يقصر معي ولا مع إخواني واخواتي في شيء،وكان حريصاً علينا قريباً منا ، لايغيبعنشؤوننا ، و لا يتوانى عن تقديم ما يستطيع ولا يتردد في الوقوف إلى جانبنا، كانت مواقفه أصدق تعبير عن محبته، وكان عطاؤه ممتداً دون انتظار لمقابل أو شكر.

ولعل أكثر ما يؤلمني اليوم أنني لا أودع أخاً فحسب ، بل أودع أبا إنسانياًعشت معه إحدى وستين سنة من عمري، وشاركني رحلة طويلة من الذكريات والتجارب، أودع من كان موجوداً في تفاصيل حياتنا ومن اعتدنا أن نجده بيننا ومن شكّل وجوده شعوراً بالطمأنينة والأمان في محيط أسرتنا.

لقد علمتني مراحل الأخوة مع عبدالرحمن أن الأخ الأكبر ليس مجرد فارق في العمر، بل هو مسؤولية ومحبة ووفاء، وأن الأخوة الحقيقية لا تقاس بالكلمات وإنما بالمواقف ولا تظهر في أوقات الرخاء وحدها بل تتجلى في الحرص على الإخوة والأخوات والوقوف معهم وجمع شمل الأسرة والمحافظة على روابطها مهما تعاقبت السنوات وتغيرت ظروف الحياة.

إنني أؤمن أن من أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله سيرة طيبة وأثراً جميلاً في نفوس من عاشوا معه، وأخي عبدالرحمن ترك لنا ذلك وأكثر، ترك لنا محبة راسخة وذكريات عزيزة ومواقف كريمة ودرساً حقيقياً في معنى أن يكون الإنسان أخاً وسنداً.

أبا عبدالله لقد كنت لنا بعد والدنا امتداداً للسند والعطاء، وكنت أخاً لم تبخل عليه الأيام بمحبتك ولم نبخل نحن عليك بامتناننا وتقديرنا، واليوم ونحن نودعك نشعر بحجم الفراغ الذي تركته لكننا نستمد العزاء من الايام الحلوة التي عشناها معك، ومن الذكر والثناء الطيب من كل من حضر عزاءك ومن يقيننا بأن ما قدمته لنا من مواقف ودعم وسند سيظل حاضراً في قلوبنا ونفوسنا.

ولعل من أعظم وفاء لك أن نحافظ على ما كنت تحرص عليه طوال هذه السنوات أن نبقى إخوة متحابين متكاتفين متواصلين، وأن نحفظ لأسرتنا وحدتها ونواصل صلة الرحم ونغرس في أبنائنا معنى الأخوة الذي جسدته في حياتك.

رحمك الله يا أخي عبدالرحمن يا أبا عبدالله، غادرت دنيانا لكنك ستظل حاضراً في ذاكرتنا ووجداننا، ستبقى أخي الأكبر ورفيق العمر وسند السنين الذي لن تنساه الأيام.

اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واجعل ما قدمه من خير وعطاء في ميزان حسناته واجمعنا به في مستقر رحمتك وجنات النعيم ووالدينا ووالدا والدينا وجميع موتى المسلمين.

رحلتَ يا أبا عبدالله لكن الأخوة لا تنتهي بالرحيل والمحبة لا يغيبها الموت والذكريات لا تمحوها الأيام. ستبقى أخي وسندي في ذاكرة العمر وستبقى أخوتك ديناً من الوفاء أحمله ما حييت.

إنا لله وإنا إليه راجعون