حين صنع أول رجل قش في التاريخ، اكتشفنا أن الصورة التي يصنعها الخيال في عقول العصافير قد تكون أشد وطأة من الواقع، فالخوف لا يحتاج دائماً إلى حقيقة، يكفيه أن يجد له جسداً ولو من خشب.
هذا بالضبط ما تفعله صورة على شاشة هاتف لسلاح أو قنبلة، تتغيّر ملامح الحديث فجأة، وتصبح الاحتمالات البعيدة ضيفاً ثقيلاً على موائد الناس.
لا أحد يستطيع أن يستخف بخطر الأسلحة المحرّمة دولياً، ولا أن يتعامل مع تاريخها باعتبارها مجرد فصل من فصول الحروب العابرة. لقد ترك هذا السلاح جرحاً عميقاً في الذاكرة الإنسانية، لكن الاعتراف بالخطر شيء، وتحويله إلى حالة ذعر مستشرٍ شيء آخر تماماً. ثمة مسافة واسعة بين امتلاك الدول لهذه الأسلحة واستخدامها، فهذه الترسانات محكومة بمعادلات الردع، وحسابات الربح والخسارة، وقنوات اتصال لا تتوقف خلف الكواليس. هذا لا يعني أن العالم محصّن تماماً من سوء التقدير، لكنه يعني حتماً أن الحديث عن المخاطر الكبرى لا ينبغي أن ينفصل عن فهم طبيعة العلاقات الدولية والمصالح الإستراتيجية، بعيداً عن التهويل الذي يمارسه تجّار الأزمات.
وفي منطقتنا العربية، حيث تتجاور الأزمات وتتناقل وسائل التواصل الاجتماعي الأخبار بسرعة تفوق أحياناً قدرة الناس على التحقق منها، يصبح الوعي ضرورة يومية لا غنى عنها. فليس كل تحرك عسكري مقدّمة لحرب شاملة، وليس كل تصريح سياسي إعلاناً وشيكاً عن صدام، وليست كل صورة متداولة على المنصات دليلاً قاطعاً على وقوع حدث جلل. أحياناً، تكون إعادة نشر خبر غير موثوق، مصحوباً بعنوان فج ومرعب، كافية لإفساد طمأنينة عائلة بأكملها، وسلب الراحة من بيوت آمنة لا ذنب لها سوى أنها تتابع الشاشات.
إن الطمأنينة الحقيقية لا تعني أن نغمض أعيننا عن مآسي العالم أو نتجاهل ما يدور حولنا، بل تعني أن نرى الأشياء بحجمها الحقيقي، لا بحجم مخاوفنا المضخمة. تكمن النجاة في تتبع المصادر الرسمية والرصينة، وفي القدرة على الفصل الدقيق بين الخبر المؤكد، والتحليل السياسي العابر، والتوقع المتهور. حين ندرك ذلك، نكف عن السماح للحسابات المجهولة والوهمية بأن تصبح مرجعاً لمصائرنا النفسية، ونعيد لعقولنا قدرتها على الهدوء والتأمل وسط صخب هذا العالم المتسارع.