- تُبهج المدينة المنورة، بما تزخر به من تفاصيل روحانية وتاريخية وجمالية، النفوس وتُسرّ الناظرين بما شهدته وتشهدُه من تطور تنموي وعمراني لافت خلال السنوات الأخيرة. وهذا التحول الكبير هو ثمرة جهود متواصلة وعمل دؤوب من أصحاب السمو أمراء منطقة المدينة المنورة الذين تعاقبوا على إمارتها؛ إذ ترك كلٌّ منهم بصمة واضحة في مسيرة تنميتها وتطويرها، تابعناها عن قرب ورصدنا تفاصيلها طوال مسيرتنا في العمل الصحفي.


- لقد أولت الدولة، حفظها الله، المدينة المنورة، عاصمة الإسلام الأولى، عناية فائقة ورعاية استثنائية، حتى غدت اليوم أكثر إشراقًا وجمالًا، بما تشهده من تنظيم عمراني متطور ومشروعات تنموية كبرى. وما تحقق حتى الآن يبشّر بمستقبل أكثر ازدهارًا، في ظل ما تمتلكه المنطقة من مقومات تاريخية وحضارية، وما تشهده من تطوير للبنية التحتية، وتحسين للطرق، واهتمام متزايد بالمواقع التاريخية والأثرية.


- وباتت المنطقة المركزية تتمتع بهوية عمرانية متجددة، تتكامل فيها الخدمات مع المكانة الدينية والتاريخية للمدينة المنورة. كما يشهد محيط مسجد قباء وطرقه تطورًا ملحوظًا يعزز جمال المكان وسهولة الوصول إليه، إلى جانب مناطق سيد الشهداء، ومسجد القبلتين، والمساجد السبعة، وغيرها من المواقع التي أصبحت أنموذجا جماليا في التطوير مثل حي المغيسلة التاريخي والتطوير الكبير في جادة قباء.


- ولا تقتصر هذه المنجزات على تطوير المواقع التاريخية، بل تمتد إلى مشروعات الطرق والأنفاق والجسور، وتحسين الحركة المرورية وتعزيز انسيابيتها، بما يواكب التوسع العمراني والزيادة في أعداد الزوار. وهي منجزات تعكس الدعم السخي من حكومة خادم الحرمين الشريفين، واهتمام سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، إلى جانب المتابعة المستمرة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة، وسمو نائبه الأمير سعود بن نهار.


- كما تمثل الجهود التي تبذلها أمانة منطقة المدينة المنورة، بالتكامل مع هيئة تطوير المنطقة، نموذجًا للعمل المؤسسي المشترك الذي يسهم في تسريع وتيرة التنمية وتحقيق مستهدفاتها. ومع التحولات العمرانية الكبيرة التي تشهدها المدينة، وما رافقها من إزالة للأحياء العشوائية وإعادة تنظيم عدد من المواقع، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة تفتح آفاقًا واسعة لإقامة مشروعات حيوية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز جاذبية المدينة للسكان والزوار والمستثمرين.


- ومن هنا، أطرح مقترحًا أرى أنه يستحق الدراسة والاهتمام، يتمثل في إنشاء مجلس استشاري يضم نخبة من الكفاءات الوطنية وأصحاب الخبرة، من الأكاديميين والتنفيذيين السابقين، ممن عملوا في إمارة المنطقة أو أمانتها، أو تولوا مسؤولية إدارة مشروعات تنموية كبرى. والهدف من ذلك هو الاستفادة من خبراتهم المتراكمة، ورؤاهم العملية، ومعرفتهم بتفاصيل المدينة واحتياجاتها، بما يدعم خطط التطوير ويعزز جودة القرارات والمبادرات.


- ويمكن أن يعقد هذا المجلس اجتماعات دورية برئاسة معالي أمين المنطقة، المهندس فهد البليهشي، مرة كل ستة أشهر، أو وفق آلية يراها مناسبة، على أن تُتاح له مساحة حقيقية لطرح المرئيات ومناقشة التحديات وتقديم المقترحات القابلة للتنفيذ. كما يمكن تنظيم لقاءات دورية مفتوحة مع أعيان المدينة وأصحاب الخبرة والمهتمين بالشأن التنموي، بما يرسّخ مبدأ الشراكة المجتمعية، ويجعل الأهالي شركاء فاعلين في صناعة مستقبل مدينتهم.


- إن مثل هذا التواصل المباشر من شأنه أن ينعكس إيجابًا على مسيرة التطوير، وأن يسهم في رصد التحديات الميدانية ومعالجتها قبل تفاقمها، ولا سيما ما يتعلق باشتراطات البناء والتعديل على المباني السكنية. فالتوعية المسبقة، وتوضيح الأنظمة والإجراءات، وتقديم الإرشاد للمواطنين، تمثل جميعها وسائل فاعلة للحد من المخالفات، وتحقق التوازن بين تطبيق الأنظمة ومراعاة احتياجات السكان، وفق الأطر النظامية المعتمدة.


- ولدى أهالي المدينة المنورة الكثير من الأفكار والمقترحات والرؤى التي تستحق أن تجد طريقها إلى الجهات المعنية، فهم الأعرف بتفاصيل أحيائهم واحتياجاتهم اليومية، والأكثر قدرة على رصد بعض الإشكالات التي قد لا تظهر بوضوح في التقارير المكتبية. ومن هنا، فإنني أتطلع إلى أن تتسع مساحة التواصل المباشر بين معالي أمين المنطقة والمواطنين، وأن تُتاح لهم فرص أوسع لعرض مشكلاتهم، خصوصًا الحالات التي لم تجد حلولًا لدى الجهات المعنية التابعة للأمانة، بما يضمن سرعة الاستجابة، ووضوح الإجراءات، ومتابعة الملاحظات حتى معالجتها.


- ومعالي المهندس فهد البليهشي مشهود له بدماثة الخلق وحسن التجاوب، وقد لمست ذلك شخصيًا عندما نقلت إليه بعض الملاحظات عبر هاتفه الخاص، فكان سريع التفاعل، وحاسمًا في معالجة ما عُرض عليه، وهو موقف يستحق عليه الشكر والتقدير. وأتمنى أن تنعكس هذه الروح الإيجابية على توسيع قنوات التواصل المؤسسي، بما يتيح لأكبر عدد من المواطنين إيصال ملاحظاتهم ومقترحاتهم، والاستفادة من الحلول التي يمكن تعميمها على الحالات المماثلة.


- إنني أطرح هذا المقترح انطلاقًا من الحرص على مدينتنا الغالية، والإيمان بأن التنمية المستدامة لا تقوم على المشروعات الكبرى وحدها، بل تكتمل بالتواصل الفعّال مع المجتمع، والاستماع إلى احتياجاته، والاستفادة من خبرات أبنائه وبناته. فالشراكة بين الجهات التنفيذية والأهالي ليست مجرد لقاءات عابرة، بل نهج عمل يعزز الثقة، ويرفع كفاءة الأداء، ويسهم في الوصول إلى حلول أكثر واقعية واستدامة.


- وكلنا أمل في أن يحظى هذا المقترح بالاهتمام والدراسة، سواء من خلال تشكيل مجلس استشاري أو تنظيم لقاءات دورية مفتوحة، بما يضمن استثمار الخبرات الوطنية في خدمة مدينة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، التي تنتظرها قفزات تنموية كبرى في المرحلة المقبلة. قفزات من شأنها أن تعزز مكانتها، وترتقي بجودة الحياة فيها، وتدعم المشروعات الحيوية، وتفتح آفاقًا أوسع للاستثمار، وتوفر فرص عمل واعدة لأبناء المنطقة وبناتها.


- فالمدينة المنورة تستحق منا جميعًا أن نعمل من أجلها، وأن نجعل صوت أهلها وخبراتهم جزءًا أصيلًا من مسيرة نهضتها المتجددة.