حين يطلق «أبو الرو»، أحد أشهر حكام حواري جدة وما حولها من قرى، صافرته ليعلن عن قرار، ترتطم النبرات بجدران الصمت وتختنق الحناجر غصة، هناك على خط «الجير»، منطقة «التماس» الفاصلة بين الجمهور والملعب، وتتوقف أطياف البهجة ومذاقات العصير كأنما ابتلعها الذهول.
في تلك اللحظة من عمر المباراة، لا تكتفي المدرجات بالسكوت، كأنما جدة مدينة الضوضاء والصخب والسهرات على كورنيشها كلها «تهجد».
أبو الرو حكم «يخض» الملعب والأرض تهتز من تحته، فبالرغم من أن الجميع يركض وتتداخل أجسادهم وتتسارع أنفاسهم، إلا أنه يراهم «بالحركة البطيئة»، كأن للمباراة زمنا وله زمنه الخاص. طوله طول لاعب سلة، وعرضه عرض لاعب كرة يد، وشخصيته عسكرية، وفي حديثه نبرة معلم يعرف أن الفصل سيصمت قبل أن يكمل جملته.
وهو ذاته إذا أراد أن يمنحك بطاقة حمراء، أخذك إلى خارج حدود الملعب من أقرب جهة، كأن للتراب الذي نركض فوقه حرمة، وللعب نبلا يأبى أن يقطعه بمشهد الطرد. هناك يشهر البطاقة، ثم يقترب منك ويسأل «في رأسك شيء؟». أي هل القرار لا يعجبك؟ فتضيق في رأسك مساحة الكلام، ولا تملك إلا أن تقول «لا يا أستاذ» وتغادر.
وإذا شعر بأن الفريق يكثر الامتعاض، حتى بذلك الصمت الذي له وجه اعتراض، استدعى الكابتن إلى خارج الملعب، ومنحه إنذارا أصفر، ثم قال «أدب عيالك». فيعود الكابتن إلى زملائه، يحمل بطاقة باسمه ووصية تخصهم جميعا.
نشر «أوسكار وايلد» مجموعته القصصية «بيت الرمان»، فاعترض أحد النقاد البريطانيين على لغتها وصعوبتها، متسائلا عن ملاءمتها للأطفال، فرد وايلد مدافعا عن حريته في الكتابة وعن رؤيته للجمال، قائلا «لعل حكاياتي تجد قراءها بين أولئك الذين لم تطفئ بلادة العصر طفولتهم». ربما يقصد النفوس التي احتفظت بقدرتها على الدهشة والفرح، وما زالت تجد في البساطة غرابة خفية، أيا كانت أعمارها. قال «كتبتها لا للأطفال وحدهم، بل لأولئك الذين يحتفظون بروح الطفولة، من سن الثامنة حتى الثمانين».
ولعل شيئا من تلك الطفولة جمعنا حول «بنات بحرة في ملعب حارتنا»؛ فقد أعاد لي تفاعلكم أصواتا ظننت أن السنين ابتلعتها، وأصبحت كلما كتبت فتحت بابا إلى رواية أخرى مثل تلك التي تروى.
لا أذكر أحدا قال إن «أبو الرو» ظلمه، ولم يخرج فريق من معركته مظلوما، إلا إذا اتسعت الملاعب من حي الجامعة إلى حارة المظلوم، فكل لاعب حينها سيكتب بدمه وعرقه وجهده على خط «التماس» بين الفوز والخسارة كلمة «مظلوم».
في كأس العالم 2026 رأينا ما يعيد إلى كرة القدم شيئا من صلابتها، فيسقط اللاعب بخفة وينتظر أن تشاركه الصفارة أداء لاستكمال المشهد، والصافرة تأمر باستمرار اللعب. تبتعد الكرة، ويبقى اللاعب على الأرض يتفقده جمهوره، ثم يدرك في قرارة نفسه أن الاحتكاك من طينة اللعبة، والمهارة تبلغ جمالها حين تعبر من مقاومة حقيقية، بمعنى كتف بكتف، وقدم تنتزع الكرة، ومهاجم يتجاوز خصمه دون أن يطلب من الحكم إزاحته بحركة تمثيلية، ثم يحرس صاحب القرار الحد الفاصل بين هذه الصلابة والأذى، حتى لا تصبح الحماية مكافأة على السقوط.
أصيب «كولينا» الحكم الإيطالي الأشهر بمرض أفقده شعره في الرابعة والعشرين، وحين طالت السخرية ملامحه رفض أن يتركها تمر دون أن يدافع عن احترامه ويستغلها ليبني شخصيته، وحمل إلى الملعب شخصية تعرف قيمة الاستعداد ومسؤولية القرار، فكان دوما يطالب الحكام بمراجعة أخطائهم ونقد أنفسهم وتحمل مسؤولية ما يقررونه في لحظات الضغط.
دائما يؤكد أن الموثوقية هي أن يطمئن الآخرون إلى معرفتك واتساقك وصدقك، وأن تبقى جديرا بثقتهم حتى حينما تخطئ.
المتتبع للحكم المحلي في مسابقاتنا يجد أنه يعاني من شخصية قد تحفظ القانون وتعرف مواده، ثم تغيب شجاعتها لحظة تطبيقه، كأن المشهد يتحرك بطريقة «سريالية» متداخلة وكأن الأرض تهتز تحت أقدامهم، وتشعر أن الدنيا توقفت والعالم أظلم من حولهم. ترى المخالفة، وتعرف قرارها، لكنها تسمع صرخة المدرج قبل أن تطلق صافرتها، وتحسب حساب الوجوه الغاضبة قبل أن تحسب لصاحب الحق حقه. وفي تلك المسافة القصيرة بين ما تعرفه وما تجرؤ عليه، يقع في الأخطاء ثم يواصل كأنه يركض إلى الأمام بدلا من التوقف وتطويع الحدث لصالحه، خاصة وأن زمن «VAR» كان فرصة للإبداع والتميز وتشكيل فارق كبير.
في مونديال 2026 إذا سقط اللاعب على الأرض يجب أن يغادر خارج الملعب من دقيقة إلى دقيقتين، ولذلك أكثر اللاعبين لا يسقطون، لكن حكامنا المحليين، والذين بطبيعة الحال شاهدوا معنا كأس العالم، يعانون من تطبيق هذه الحالة المهمة، فاللاعب يسقط والكرة تتحرك والحكم يتحرك مع الكرة لتصبح المسافة بينه وبين اللاعب الواقع بعيدة جدا، فيحزم حقائبه وصافرته ويستجمع لياقته حتى يصل إلى اللاعب الواقع الذي تسبب في إيقاف المباراة، ثم يسأله «أتريد أن تغادر؟» فيقول له «لا»، ثم يقوم يركض على قدميه، إنها أسهل وأبسط طريقة لقتل اللعب.
أنا على يقين بأن البعض منهم يشتته تداخل الأصوات في أذنه، فليس كل أحد منا «يتكلم ويسمع ويفكر ويقرر» في نفس الوقت، لأن هذه ملكات وموهبة قد نتعلمها ونطورها لكنها في البعض جزء منه ومولودة معه، في أبو الرو مثلا.
في المقابل تجد الساحة الرياضية مقسومة على النصر المؤيد للحكم المحلي والهلال المؤيد للحكم الأجنبي، والقصة ليست كذلك، إنما القصة كبيرة جدا وليست لها علاقة بقوانين اللعبة ولا الرياضة، ومنها معرفة اللاعبين بالمزاج العام للجمهور ودعمهم المطلق وقراءتهم لشخصية الحكم في أول ربع ساعة، وتعاونهم الذكي في تخفيض رتم المباريات وتكرر التوقفات.
رغم إيماننا بأن الأخطاء جزء من اللعبة، نتأثر أكثر حينما نجد حكم جهاز الفيديو أيضا يقع فيها مع انتفاء الداعي والمقتضى لهذه الأخطاء وفق موقعه وهدوئه.
كرة القدم ليست قانونا خالصا، بل هي لعبة تتلبسك كالزار في السامري أو الخبيتي، دفاعاتها مزمار وهجومها ينبعاوي. وكان «أبو الرو» يعرف إيقاعها، متى يترك للمزمار أن يلعب زوماله وتشتعل ناره، ومتى يتدخل ليعيد للملعب اتزانه، لا يحتاج إلى شاشة من أجل المشهد ولا إلى مدرج يمنحه الشجاعة، يكفي أن يرفع صافرته إلى فمه حتى يغير الخبيتي العاج، وجدة كلها «تهجد».