أكثر المقالات التي كتبتها حدة، كانت خلال فترة الصدور المؤقت لصحيفة «السياسة» الكويتية من مدينة جدة، فترة الغزو العراقي للكويت. كنت شاباً صغيراً مندفعاً، وكانت الصحيفة تصدر دون رقابة فعلية، وكنت أهاجم يومياً بلا كوابح ولا رقيب قادة الدول التي وقفت مع نظام صدام حسين، وكانت هذه الكتابات الجريئة والحادة تجد رواجاً لدى القراء، خاصة في تلك الظروف المشبعة بمشاعر الصدمة من مواقف ما سمي بدول الضد !
تذكرت تلك المرحلة من حياتي ككاتب، وأنا أتابع بعض النقاشات الحادة على منصة تويتر X، مغردون بلا كوابح يكتبون دون رقيب وينشرون دون حواجز، وجمهور متعطش للفرجة، لكن أوجه الشبه مختلفة، فالاندفاع والحدة صفة الشباب، بينما يكتسب المرء مع تقدم العمر قدراً متزايداً من الحكمة والتأني، لكن ما نجده اليوم في منصات التواصل اختلاط حابل بعض الشباب بنابل كبار السن في التنافس على الحدة والإساءة والتنمر، وكأن الرقيب الصحفي كان في السابق يمثل الحاجز !
اليوم، لا حاجز في منصات التواصل الاجتماعي سوى الرقيب الذاتي والقانون الذي يحاسب ويردع، لكن التذاكي على القانون سهل، والقانون يقف أحياناً عاجزاً أمام الترميز الذي يوصل سهام الكاتب لأهدافها دون أن يوقعه في موقع المساءلة !
يبقى الرقيب الذاتي اليوم، هو الرهان في كبح جماح التجاوزات والإساءات، وهنا تبرز الحاجة لتنمية الوعي الشخصي بحقيقة الرأي ومعايير إبدائه، وأن منصات التواصل هي من وسائل الحوار الذي يعكس خلق المتحاورين مهما بلغ الاختلاف في الرأي، فالهدف من أي حوار هو بيان وجهة النظر ومحاولة الإقناع، وليس تبادل الشتائم !
عندما تحررت الكويت، عادت ظروف النشر إلى طبيعتها وعادت مكابح الرقيب، قمت بجمع مقالات تلك الفترة وقدمتها لفسحها في كتاب، لكن رقيب الوزارة توقف عند عدة مقالات، طالباً حذفها، وهو طلب قابلته بالعناد، وما بين إصرار الرقيب وعناد الكاتب لم يصدر الكتاب، وهو ما حمدت الله عليه بعد سنوات، وأدين بالشكر فيه للمسؤول الرقابي في ذلك الوقت، فلو عاد بي الزمن لما كتبت بتلك الحدة، ولما فكرت بجمع المقالات في كتاب يكون شاهداً على اندفاع شاب صغير السن وجد فرصة للنشر بلا «فرامل» !
باختصار.. كل كلمة يكتبها المرء هي انعكاس لمستوى ثقافته وحقيقة أخلاقه، وهي شاهد عليه في الدنيا والآخرة !