لو ملك «المتعجّلون» – على اختلاف مذاهبهم ونواياهم – قليلاً من الرّيث، وشيئاً من النظر الفاحص المستبين، لاتضحت لهم بجلاء لا خفاء فيه، المقاصد المباشرة من وراء زيارة وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، بعيداً عن تخرّصاتهم، وتفسيراتهم المجانبة للحقيقة، باعتقاد أنّ للزيارة علاقة مباشرة بما تشهده المملكة من عدوان سافر من قبل مليشيا الحوثي الإرهابية حالياً، بدالة ارتباطها «السيامي» بالنظام الإيراني..

ووجه الخطل في هذا الاعتقاد أيسر إيضاحاً لمن له مسكة من عقل وبصيرة، وذلك من وجهين اثنين؛ أولهما أنّ المسافة بين المملكة واليمن أقرب منها مع إيران على كافة المستويات، فلو أن المملكة رأت في «الحوار» طريقاً أمثل لحل الأزمة لسارت عليه، ولكن واقع الحال فرض عليها حل الوضع القائم بقوة السلاح، بالنظر إلى التعنّت والصلف الحوثي، والإصرار بشكل مستمر على زعزعة أمن اليمن والمملكة والمنطقة بأسرها، وتعطيل حركة الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، خدمة لأجندة إيران، بما استوجب كفّ يدها وردعها عسكرياً، وهي غاية لن تتوقف المملكة عن بلوغها إلا بتمام إنفاذ غاياتها المرجوة، مهما غلا الثمن، وارتفعت الكلفة، فأمن المملكة خط أحمر لا يقبل المساومة والتفريط، وعودة الشرعية لليمن الشقيق مطلب مهم لاستقرار المنطقة.. وما كان للمملكة أن تخوض في أمر لا تستطيع تحقيقه منفردة، كفاء ما تملك من منظومة عسكرية قادرة – بعون الله – على الذود عن حمى الوطن، وردع كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن المملكة.

أما الوجه الآخر لخطل اعتقاد أنّ الزيارة مرتبطة بتداعيات العدوان الحوثي على المملكة، فمنظور في استصحاب المملكة لوفد يمثل دول اتفاقية مكة للدفاع المشتركة (السعودية، باكستان، وتركيا)، فطبيعة هذا التكوين المشترك تقتضي أمراً يخص السعي نحو «إرساء الحوار والسلام الإقليمي والدولي»، فلو كان أمراً يخص المملكة مع مليشيا الحوثي الإرهابية لسلكت إليه الطريق منفردة، بما لها من حضور دبلوماسي، يمكّنها من تحقيق غاياتها المنشودة، لكن واقع الحال يؤكّد أن خطوة المملكة في التعامل العسكري لحل أزمة مليشيا الحوثي الإرهابية ليست «مغامرة» غير محسوبة النتائج، بحيث تتقاصر عنها المملكة في منتصف الطريق، وتطلب العون من «حلف مكة»، للبحث عن الحل في طهران، فإن وجه الضعف والخور في هذا المسار أبين وأيسر من أن يلصق بالمملكة..

وعلى هذا؛ فإن من المنطقي والطبيعي أن تُقرأ الزيارة في سياقها الذي جاءت فيه، فمهما وجدنا العذر لمن «جدّف» بعيداً، ورمى بالتكهنات، قياساً على «عنصر المفاجأة»، في ظل التوتر القائم حالياً، إلا أن هذا كان يستوجب أيضاً النظر في الاتجاه الآخر، والأصح، بكل دلالته المنطقية والواضحة، وأولها توقيت الزيارة الحسّاس، ونذر عودة القصف الأمريكي لإيران حسب التصريحات المهدّدة بذلك، بما صاعد من مؤشرات عودة التصعيد العسكري في المنطقة، وثانياً أن الزيارة جاءت «انطلاقاً من حرص دول حلف مكة في دعم جهود الوساطة القطرية الباكستانية، ودعم جهود خفض التصعيد واستعادة الاستقرار في المنطقة، ونزع فتيل كل ما من شأنه تعريض فرص السلام للانهيار»، وهو ما يؤكد محورية دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وعزمها الدفع بتدابير بناء الثقة، واستخدام الدبلوماسية بما يراعي المصالح والهواجس الأمنية بين إيران ودول المنطقة، ويُعزّز إرساء الأمن والاستقرار الإقليمي، ويدعم التهدئة، ويساهم في ضمان استقرار الملاحة وخطوط نقل إمدادات الطاقة. متساوقة في ذلك مع جهود المسار التفاوضي الذي تقوده قطر وباكستان بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذا ما لا يخفى من تقريب وجهات النظر وتوحيد الرؤى من خلال التواصل المتبادل واستخدام كافة الأدوات الممكنة لتحقيق ذلك.

إن كل هذه المعاني والمؤشرات الواضحة والجلية، والمعبّرة خير تعبير عن الغاية من وراء زيارة وزير الدفاع لإيران مترئساً وفد دول «حلف مكة»، قد جاء الذكر عليها بوضوح في بيان وزارة الخارجية بالإشارة إلى أن الزيارة تأتي «امتداداً لدور المملكة العربية السعودية في إرساء الحوار والسلام الإقليمي والدولي»، وأنها «تأتي في إطار استمرار جهود دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك لخفض التصعيد بين أطراف الأزمة الحالية وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم جهود الوساطة التي تقوم بها دولة قطر وجمهورية باكستان الإسلامية».

وبهذا الإيضاح الجلي فلا أقل من أن نضم الصوت إلى ما ختم به بيان الخارجية من أن «المملكة تتطلع إلى تعاطي أطراف الأزمة بكل إيجابية وعملية مع نتائج هذه الزيارة ومع جهود قطر وباكستان المستمرة، بما يسهم في حل الأزمة عبر الحوار والدبلوماسية»، مع فتح قنوات التفاوض بما يمنع عودة التصعيد العسكري في المنطقة، ويمهّد للوصول إلى اتفاق ينهي الأزمة ويحقق الأمن والسلم بالمنطقة والعالم، ويرسي القواعد لضمان أمن المنطقة واستقرارها، فتلك هي الغاية المنشودة.