أكثر من أحد عشر عاماً من الصبر. والمملكة تحمّلت كثيراً من ضبط النفس، ومن الدفاع والاعتراض والتحذير والمبادرات. والمليشيات الحوثية تتمادى وتتطاول في الاعتداءات، ولم تعد حوادث متفرقة. تحولت إلى منهج.
صواريخ باليستية، مسيرات مفخخة، صواريخ كروز مجنحة، زوارق مفخخة، ألغام بحرية. أهدافها: مكة، المدينة، مطار الملك خالد، المطارات، المدن، الأعيان المدنية والاقتصادية.
هذا السلوك وصل بحيث أصبح يُقرأ المشهد من أربعة مرتكزات: التوثيق، والأداة، والعقاب، والشرعية الدولية.
أولاً: التوثيق حصر العمليات الإرهابية التي سوف تخضع للتحليل
التحليل لا يبدأ بالرأي، بل بالرقم. والرقم هنا جاء من مصدر رسمي، المتحدث الرسمي باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، في مؤتمر صحفي وثّق فيه الجرائم على النحو التالي:
1104 - صواريخ باليستية أُطلقت على المملكة.
1135 - طائرة مسيرة أُطلقت على المملكة.
20 - اعتداء على مطار الملك خالد منذ بداية أكتوبر، نتج عنها 17 شهيداً و333 جريحاً.
2 - شهيد و28 جريحاً في الاعتداء على مطار أبها.
127 - مخزناً في المناطق الجبلية تم تدميرها، إضافة إلى منصات إطلاق.
4 - مواقع تم استهدافها.
118 - زورقاً مفخخاً، و278 لغماً بحرياً تم رصدها وتدميرها.
هذا الحصر ليس إحصاءً إعلامياً. هو سجل اتهام. كل رقم فيه يعني جريمة، وضحية، ومحاولة لاستهداف الحرمين والمطارات.
المالكي قال بوضوح: محاولات استهداف الحوثي للحرمين الشريفين عمل عدائي ممنهج وأمر شنيع يطال المعتمرين والزائرين. وقال إن المليشيا حصلت على تقنيات متقدمة بمساعدة أطراف إقليمية، لتصبح أول جماعة إرهابية تمتلك صواريخ باليستية وطائرات هجومية وانتحارية وزوارق سريعة مفخخة.
تحليل التوثيق:
عندما يصل عدد الصواريخ والمسيرات إلى هذا الحجم، لا يمكن الحديث عن رد فعل. نحن أمام منظومة إرهابية كاملة، لها مخازن جبلية في صنعاء وصعدة وعمران، وورش تجميع، وخبراء، وغرف عمليات، وشبكات تهريب عبر الحديدة وباب المندب.
ثانياً: بيان مجلس الوزراء أداة ومستند قوي لتنفيذ الرد الصارم
تحول التوثيق إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ.
هنا الوثيقة التي تحول الأرقام إلى قرار.
نص البيان:
#مجلس _الوزراء يؤكد أن مليشيا الحوثي الإرهابية ستواجه عواقب جرائمها واعتداءاتها الآثمة المتكررة على مطارات المملكة العربية السعودية، وعلى مكة المكرمة والمدينة المنورة وقاصدي الحرمين الشريفين، والأعيان والمنشآت المدنية والاقتصادية، ويعبر عن أحر التعازي وأصدق المواساة لأسر ضحايا تلك الاستهدافات الإجرامية، راجياً الشفاء العاجل للجرحى والمصابين.
تحليل البيان كأداة تنفيذية:
بيان مجلس الوزراء ليس بياناً إعلامياً. هو أداة ومستند قوي لتنفيذ الرد الصارم، لثلاثة أسباب:
1. لأنه يمنح الشرعية القانونية والسياسية للرد:
عندما يقول مجلس الوزراء: «ستواجه عواقب جرائمها»، فهو يضع الأساس القانوني للرد. لم يعد الرد اجتهاداً، بل أصبح تنفيذاً لقرار أعلى سلطة تنفيذية في الدولة. أي إجراء عسكري أو اقتصادي أو سياسي بعد هذا البيان، يستند إلى هذه الوثيقة.
2. لأنه يحدد الجرائم تحديداً دقيقاً:
البيان لم يقل «اعتداءات» بشكل عام. قال: على مطارات المملكة، وعلى مكة والمدينة وقاصدي الحرمين، والأعيان والمنشآت المدنية والاقتصادية. هذا التحديد الدقيق هو ما يجعل البيان مستنداً للملاحقه والعقاب كل بند فيه يقابله رد.
3. لأنه يربط بين الجريمة والعقاب:
البيان يقول إن الجرائم الآثمة المتكررة لها عواقب. ليست إدانة فقط، بل وعد بالمحاسبة. ومن يقرأ ما بين السطور، كما قال المالكي في ختام مؤتمره، سيفهم أن البيان هو الغطاء الرسمي لما سيواجهه الحوثي ومن يدعمه.
إذن، بيان مجلس الوزراء هو الذي يحول الأرقام إلى قرار، والقرار إلى رد صارم.
ثالثاً: الأسلحة صواريخ كروز والباليستية والمسيرات اعتداء مدعوم مقصود
نعود للتحليل: بأي سلاح تم الاعتداء؟
1. صواريخ كروز المجنحة:
صواريخ تطير على ارتفاع منخفض، وتغير مسارها، وتصعب رؤيتها. استُخدمت لضرب المطارات والمنشآت الاقتصادية بدقة. اعتراض صاروخ مجنح في منطقة المدينة المنورة يكشف أن الاستهداف وصل إلى قلب المقدسات.
2. الصواريخ الباليستية:
بركان، قاصف، ونسخ من قيام. أُطلقت باتجاه مكة فوق الطائف، وباتجاه الرياض وجدة والمدينة. اعتراضها لا يلغي الجريمة، بل يوثقها.
3. المسيرات المفخخة:
صماد، قاصف، وشاهد 136. تُطلق بموجات لاستنزاف الدفاع الجوي وترويع المدنيين.
تحليل الدعم:
هذه الأسلحة لا تصنع في كهف. هذا كان اعتداءً بدعم مقصود من جهات عدوانية: تصنيع، تهريب عبر الحديدة وباب المندب، خبراء، وغرف عمليات تحدد الإحداثيات: مطار الملك خالد، مطار الملك عبدالعزيز، أرامكو، محطات التحلية.
النتيجة التحليلية:
من يدعم المجرم، شريك في الجريمة، ويدخل تحت طائلة العقاب، أينما كان، جاراً أو بعيداً جغرافياً.
رابعاً: الشرعية الدولية إدانة أعضاء مجلس الأمن
لم تمضِ عدة ساعات على بيان المتحدث الرسمي للتحالف، اللواء الركن تركي المالكي، حتى صدرت إدانة من أعضاء مجلس الأمن، بإدانة صريحة وبلهجة قوية، تشجب الهجمات التي قامت بها المليشيا الحوثية ضد المطارات المدنية والمقدسات الدينية والأعيان المدنية والاقتصادية في المملكة.
أعضاء مجلس الأمن أدانوا استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، وأكدوا أن استهداف المطارات والمقدسات تقويض لأمن واستقرار المنطقة، وانتهاك للقانون الدولي الإنساني، وشددوا على ضرورة محاسبة مرتكبي هذه الاعتداءات ومن يدعمهم ويمولهم ويسلّحهم، ووقف تدفق الأسلحة والصواريخ والمسيرات إلى المليشيا.
تحليل المرتكز الرابع:
إدانة مجلس الأمن تحوّل الرد السعودي من حق وطني إلى حق دولي.
1. لأنها تمنح الغطاء الدولي:
عندما يدين مجلس الأمن، يصبح الرد ليس دفاعاً عن النفس فقط، بل تنفيذاً لإرادة دولية.
2. لأنها توسّع دائرة المسؤولية:
الإدانة لا تطال الحوثي وحده، بل من يدعمه ويموله ويسلّحه.
3. لأنها تربط المستند الوطني بالمستند الدولي:
بيان مجلس الوزراء + إدانة مجلس الأمن = مستندان، وطني ودولي، لتنفيذ رد واحد صارم.
إذن، المرتكز الثالث يثبت بماذا اعتُدي، والمرتكز الرابع يثبت من يدين هذا الاعتداء دولياً، ويمنح الشرعية للعقاب.
خامساً: الحدث الداعم زيارة الزيدي وتعهد العراق
في هذا السياق، جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الرياض، ولقاؤه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، يحفظه الله.
جدد الزيدي موقف بلاده الثابت بعدم السماح باستخدام أراضيه منطلقاً لأي اعتداءات تمس أمن المملكة ودول المنطقة، وأدان استهداف مطار الملك خالد.
التحليل:
هذا التعهد مهم لأنه يسحب الغطاء الجغرافي عن أي شبكة تحاول استخدام العراق منصة. والتعهد يُقاس بالفعل: منع أي فصيل من استخدام الأراضي، وتعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات. وهو يثبت أن رفض الاعتداء على السعودية ليس موقفاً سعودياً فقط، بل موقف جوار.
سادساً: الرد الصارم بحجم الضرر والتضحيات
هنا نصل إلى الخلاصة.
بعد صبر تجاوز أحد عشر عاماً، وبعد بيان مجلس الوزراء كمستند تنفيذي، وبعد توثيق التحالف بالأرقام، وبعد إدانة مجلس الأمن، لابد أن يكون الرد بحجم الضرر والتضحيات، للمعتدي المجرم الحوثي.
ويستند الرد الصارم أيضاً إلى قرارات مجلس الأمن الصادرة منذ الانقلاب الحوثي على الحكومة الشرعية، وفي مقدمتها القرار 2216 (2015)، والقرار 2266 (2016)، بما يكمل التشريع الأممي الداعم للشرعية والمدين للانقلاب والاعتداءات.
الرد ليس بالسلاح وحده. المملكة تملك ازدواج الأدوات:
1. بالسلاح والعتاد:
ضرب مصادر الإطلاق، والمخازن الجبلية، ومنصات صواريخ كروز والباليستية والمسيرات، وورش التجميع، وغرف العمليات.
2. بالاقتصاد:
مراجعة الاستثمارات، مراجعة الفرص في قطاع الشركات وعقودها وتراخيصها، إجراءات عقابية اقتصادية وتجارية، تجميد مشاريع، قطع شريان التمويل.
3. بالسياسة والدبلوماسية:
قطع الغطاء السياسي والإعلامي، عزل الداعم دولياً، تقديم الأدلة للأمم المتحدة.
4. بالأمن والاستخبارات:
ملاحقة شبكات التهريب والتمويل، وتفكيك الشبكة الإرهابية.
قراءة ما بين السطور:
عندما قال المالكي في الختام: على الحوثي قراءة ما بين السطور، كان يقول بوضوح: ما أُعلن هو جزء مما سيحدث. القدرة موجودة، والقرار موجود، والمستند موجود: بيان مجلس الوزراء. والمهلة ليست مفتوحة. أوقف الإرهاب فوراً، أو واجه ما لا تريد مواجهته.
الخاتمة التحليلية - الخلاصة
المملكة التي صبرت أحد عشر عاماً، قادرة اليوم أن ترد بضعف ما أُوذيت به، وأن تعاقب المعتدي ومن يدعمه، أينما كان، جاراً أو بعيداً، حتى يفهم الجميع أن مكة والمدينة والمطارات والمدن ليست ورقة تفاوض، بل خط أحمر.
المملكة لن تصمت وستواجه المليشيات ومن يدعمها عواقب جرائمها باستخدام قوتها وفق القانون الدولي وبدعم وإدانة من مجلس الأمن، ومن يفاوض وهو يضرب لا يكافأ.