أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/435.jpg?v=1793574050&w=220&q=100&f=webp

محمد عبدالله السلامة

إعلامي وكاتب سعودي، شغل منصب وكيل وزارة الإعلام للإعلام الداخلي، وتولى رئاسة مجلس إدارة جمعية حماية الملكية الفكرية. له خبرة في العمل الإعلامي والأنظمة والتشريعات المنظمة له، وشارك في تأسيس جمعيات ومنتديات، ونال جوائز من جهات محلية وعربية.

الجرائم الحوثية والرد الصارم بين التوثيق والعقاب ودعم الشرعية الدولية

أكثر من أحد عشر عاماً من الصبر. والمملكة تحمّلت كثيراً من ضبط النفس، ومن الدفاع والاعتراض والتحذير والمبادرات. والمليشيات الحوثية تتمادى وتتطاول في الاعتداءات، ولم تعد حوادث متفرقة. تحولت إلى منهج.


صواريخ باليستية، مسيرات مفخخة، صواريخ كروز مجنحة، زوارق مفخخة، ألغام بحرية. أهدافها: مكة، المدينة، مطار الملك خالد، المطارات، المدن، الأعيان المدنية والاقتصادية.


هذا السلوك وصل بحيث أصبح يُقرأ المشهد من أربعة مرتكزات: التوثيق، والأداة، والعقاب، والشرعية الدولية.


أولاً: التوثيق حصر العمليات الإرهابية التي سوف تخضع للتحليل


التحليل لا يبدأ بالرأي، بل بالرقم. والرقم هنا جاء من مصدر رسمي، المتحدث الرسمي باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، في مؤتمر صحفي وثّق فيه الجرائم على النحو التالي:


1104 - صواريخ باليستية أُطلقت على المملكة.


1135 - طائرة مسيرة أُطلقت على المملكة.


20 - اعتداء على مطار الملك خالد منذ بداية أكتوبر، نتج عنها 17 شهيداً و333 جريحاً.


2 - شهيد و28 جريحاً في الاعتداء على مطار أبها.


127 - مخزناً في المناطق الجبلية تم تدميرها، إضافة إلى منصات إطلاق.


4 - مواقع تم استهدافها.


118 - زورقاً مفخخاً، و278 لغماً بحرياً تم رصدها وتدميرها.


هذا الحصر ليس إحصاءً إعلامياً. هو سجل اتهام. كل رقم فيه يعني جريمة، وضحية، ومحاولة لاستهداف الحرمين والمطارات.


المالكي قال بوضوح: محاولات استهداف الحوثي للحرمين الشريفين عمل عدائي ممنهج وأمر شنيع يطال المعتمرين والزائرين. وقال إن المليشيا حصلت على تقنيات متقدمة بمساعدة أطراف إقليمية، لتصبح أول جماعة إرهابية تمتلك صواريخ باليستية وطائرات هجومية وانتحارية وزوارق سريعة مفخخة.


تحليل التوثيق:


عندما يصل عدد الصواريخ والمسيرات إلى هذا الحجم، لا يمكن الحديث عن رد فعل. نحن أمام منظومة إرهابية كاملة، لها مخازن جبلية في صنعاء وصعدة وعمران، وورش تجميع، وخبراء، وغرف عمليات، وشبكات تهريب عبر الحديدة وباب المندب.


ثانياً: بيان مجلس الوزراء أداة ومستند قوي لتنفيذ الرد الصارم


تحول التوثيق إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ.


هنا الوثيقة التي تحول الأرقام إلى قرار.


نص البيان:


#مجلس _الوزراء يؤكد أن مليشيا الحوثي الإرهابية ستواجه عواقب جرائمها واعتداءاتها الآثمة المتكررة على مطارات المملكة العربية السعودية، وعلى مكة المكرمة والمدينة المنورة وقاصدي الحرمين الشريفين، والأعيان والمنشآت المدنية والاقتصادية، ويعبر عن أحر التعازي وأصدق المواساة لأسر ضحايا تلك الاستهدافات الإجرامية، راجياً الشفاء العاجل للجرحى والمصابين.


تحليل البيان كأداة تنفيذية:


بيان مجلس الوزراء ليس بياناً إعلامياً. هو أداة ومستند قوي لتنفيذ الرد الصارم، لثلاثة أسباب:


1. لأنه يمنح الشرعية القانونية والسياسية للرد:


عندما يقول مجلس الوزراء: «ستواجه عواقب جرائمها»، فهو يضع الأساس القانوني للرد. لم يعد الرد اجتهاداً، بل أصبح تنفيذاً لقرار أعلى سلطة تنفيذية في الدولة. أي إجراء عسكري أو اقتصادي أو سياسي بعد هذا البيان، يستند إلى هذه الوثيقة.


2. لأنه يحدد الجرائم تحديداً دقيقاً:


البيان لم يقل «اعتداءات» بشكل عام. قال: على مطارات المملكة، وعلى مكة والمدينة وقاصدي الحرمين، والأعيان والمنشآت المدنية والاقتصادية. هذا التحديد الدقيق هو ما يجعل البيان مستنداً للملاحقه والعقاب كل بند فيه يقابله رد.


3. لأنه يربط بين الجريمة والعقاب:


البيان يقول إن الجرائم الآثمة المتكررة لها عواقب. ليست إدانة فقط، بل وعد بالمحاسبة. ومن يقرأ ما بين السطور، كما قال المالكي في ختام مؤتمره، سيفهم أن البيان هو الغطاء الرسمي لما سيواجهه الحوثي ومن يدعمه.


إذن، بيان مجلس الوزراء هو الذي يحول الأرقام إلى قرار، والقرار إلى رد صارم.


ثالثاً: الأسلحة صواريخ كروز والباليستية والمسيرات اعتداء مدعوم مقصود


نعود للتحليل: بأي سلاح تم الاعتداء؟


1. صواريخ كروز المجنحة:


صواريخ تطير على ارتفاع منخفض، وتغير مسارها، وتصعب رؤيتها. استُخدمت لضرب المطارات والمنشآت الاقتصادية بدقة. اعتراض صاروخ مجنح في منطقة المدينة المنورة يكشف أن الاستهداف وصل إلى قلب المقدسات.


2. الصواريخ الباليستية:


بركان، قاصف، ونسخ من قيام. أُطلقت باتجاه مكة فوق الطائف، وباتجاه الرياض وجدة والمدينة. اعتراضها لا يلغي الجريمة، بل يوثقها.


3. المسيرات المفخخة:


صماد، قاصف، وشاهد 136. تُطلق بموجات لاستنزاف الدفاع الجوي وترويع المدنيين.


تحليل الدعم:


هذه الأسلحة لا تصنع في كهف. هذا كان اعتداءً بدعم مقصود من جهات عدوانية: تصنيع، تهريب عبر الحديدة وباب المندب، خبراء، وغرف عمليات تحدد الإحداثيات: مطار الملك خالد، مطار الملك عبدالعزيز، أرامكو، محطات التحلية.


النتيجة التحليلية:


من يدعم المجرم، شريك في الجريمة، ويدخل تحت طائلة العقاب، أينما كان، جاراً أو بعيداً جغرافياً.


رابعاً: الشرعية الدولية إدانة أعضاء مجلس الأمن


لم تمضِ عدة ساعات على بيان المتحدث الرسمي للتحالف، اللواء الركن تركي المالكي، حتى صدرت إدانة من أعضاء مجلس الأمن، بإدانة صريحة وبلهجة قوية، تشجب الهجمات التي قامت بها المليشيا الحوثية ضد المطارات المدنية والمقدسات الدينية والأعيان المدنية والاقتصادية في المملكة.


أعضاء مجلس الأمن أدانوا استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، وأكدوا أن استهداف المطارات والمقدسات تقويض لأمن واستقرار المنطقة، وانتهاك للقانون الدولي الإنساني، وشددوا على ضرورة محاسبة مرتكبي هذه الاعتداءات ومن يدعمهم ويمولهم ويسلّحهم، ووقف تدفق الأسلحة والصواريخ والمسيرات إلى المليشيا.


تحليل المرتكز الرابع:


إدانة مجلس الأمن تحوّل الرد السعودي من حق وطني إلى حق دولي.


1. لأنها تمنح الغطاء الدولي:


عندما يدين مجلس الأمن، يصبح الرد ليس دفاعاً عن النفس فقط، بل تنفيذاً لإرادة دولية.


2. لأنها توسّع دائرة المسؤولية:


الإدانة لا تطال الحوثي وحده، بل من يدعمه ويموله ويسلّحه.


3. لأنها تربط المستند الوطني بالمستند الدولي:


بيان مجلس الوزراء + إدانة مجلس الأمن = مستندان، وطني ودولي، لتنفيذ رد واحد صارم.


إذن، المرتكز الثالث يثبت بماذا اعتُدي، والمرتكز الرابع يثبت من يدين هذا الاعتداء دولياً، ويمنح الشرعية للعقاب.


خامساً: الحدث الداعم زيارة الزيدي وتعهد العراق


في هذا السياق، جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الرياض، ولقاؤه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، يحفظه الله.


جدد الزيدي موقف بلاده الثابت بعدم السماح باستخدام أراضيه منطلقاً لأي اعتداءات تمس أمن المملكة ودول المنطقة، وأدان استهداف مطار الملك خالد.


التحليل:


هذا التعهد مهم لأنه يسحب الغطاء الجغرافي عن أي شبكة تحاول استخدام العراق منصة. والتعهد يُقاس بالفعل: منع أي فصيل من استخدام الأراضي، وتعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات. وهو يثبت أن رفض الاعتداء على السعودية ليس موقفاً سعودياً فقط، بل موقف جوار.


سادساً: الرد الصارم بحجم الضرر والتضحيات


هنا نصل إلى الخلاصة.


بعد صبر تجاوز أحد عشر عاماً، وبعد بيان مجلس الوزراء كمستند تنفيذي، وبعد توثيق التحالف بالأرقام، وبعد إدانة مجلس الأمن، لابد أن يكون الرد بحجم الضرر والتضحيات، للمعتدي المجرم الحوثي.


ويستند الرد الصارم أيضاً إلى قرارات مجلس الأمن الصادرة منذ الانقلاب الحوثي على الحكومة الشرعية، وفي مقدمتها القرار 2216 (2015)، والقرار 2266 (2016)، بما يكمل التشريع الأممي الداعم للشرعية والمدين للانقلاب والاعتداءات.


الرد ليس بالسلاح وحده. المملكة تملك ازدواج الأدوات:


1. بالسلاح والعتاد:


ضرب مصادر الإطلاق، والمخازن الجبلية، ومنصات صواريخ كروز والباليستية والمسيرات، وورش التجميع، وغرف العمليات.


2. بالاقتصاد:


مراجعة الاستثمارات، مراجعة الفرص في قطاع الشركات وعقودها وتراخيصها، إجراءات عقابية اقتصادية وتجارية، تجميد مشاريع، قطع شريان التمويل.


3. بالسياسة والدبلوماسية:


قطع الغطاء السياسي والإعلامي، عزل الداعم دولياً، تقديم الأدلة للأمم المتحدة.


4. بالأمن والاستخبارات:


ملاحقة شبكات التهريب والتمويل، وتفكيك الشبكة الإرهابية.


قراءة ما بين السطور:


عندما قال المالكي في الختام: على الحوثي قراءة ما بين السطور، كان يقول بوضوح: ما أُعلن هو جزء مما سيحدث. القدرة موجودة، والقرار موجود، والمستند موجود: بيان مجلس الوزراء. والمهلة ليست مفتوحة. أوقف الإرهاب فوراً، أو واجه ما لا تريد مواجهته.


الخاتمة التحليلية - الخلاصة


المملكة التي صبرت أحد عشر عاماً، قادرة اليوم أن ترد بضعف ما أُوذيت به، وأن تعاقب المعتدي ومن يدعمه، أينما كان، جاراً أو بعيداً، حتى يفهم الجميع أن مكة والمدينة والمطارات والمدن ليست ورقة تفاوض، بل خط أحمر.


المملكة لن تصمت وستواجه المليشيات ومن يدعمها عواقب جرائمها باستخدام قوتها وفق القانون الدولي وبدعم وإدانة من مجلس الأمن، ومن يفاوض وهو يضرب لا يكافأ.

00:00 | 30-10-2026

استهداف المطارات والمقدسات جريمة تفرض مسؤولية جماعية

تشهد المنطقة العربية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، ومنها استهداف الأعيان في مدن المملكة العربية السعودية، وخاصة قصف المطارات وآخرها الجريمة الإرهابية للحوثي الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض بالصواريخ، ما نتج عنه وفاة 12 شخصاً و309 مصابين، والتي ترقى إلى جريمة إرهابية مكتملة الأركان تضاف إلى تهديد الممرات البحرية مما يعرض أمن الطاقة وسلامة الملاحة الدولية للخطر، وما يترتب عليها من مخاطر تتجاوز حدود الدول لتطال الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.


وتؤكد المملكة، في سياستها الثابتة، أن أمنها الوطني وسيادتها وسلامة أراضيها ليست محل مساومة، وأن مواجهة الاعتداءات العابرة للحدود تستند إلى حق أصيل تكفله القوانين والمواثيق الدولية، مع استمرارها في دعم أمن المنطقة واستقرارها، والدفع نحو الحلول السياسية التي تحفظ سيادة الدول وتمنع تحويل أراضيها إلى منصات تهديد لجيرانها.


وفي هذا السياق، يلفت النظر تزامن بعض التحركات والاتصالات الإقليمية مع تطورات أمنية لاحقة شهدتها المنطقة من تحركات ولقاءات سياسية وأمنية تناولت، من بين ملفات أخرى، أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.


ولا يعني التزامن الزمني، في حد ذاته، إثبات وجود علاقة مباشرة بين حدث وآخر؛ غير أن تتابع التطورات يفرض أسئلة مشروعة حول مصادر التهديد، ومسارات انتقال السلاح، وآليات التنسيق التي تسمح لجماعات إرهابية مسلحة بتنفيذ عمليات عابرة للحدود.


وهنا تبرز مسؤولية الدول في منع استخدام أراضيها أو أجوائها أو مرافقها منطلقاً لأي أعمال تستهدف دولاً أخرى، فاستقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل تعدد مراكز القرار الأمني، ولا يمكن حماية العلاقات بين الدول ما لم تكن الدولة وحدها صاحبة القرار في السلاح والحرب والسلم.


وتبقى مليشيات الحوثي الإرهابية المجرمة أبرز مصادر التهديد المرتبطة بهذا المشهد، بعدما ارتبط اسم الجماعة، على مدى أكثر من 10 سنوات، بهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت المملكة وأعياناً مدنية ومصالح اقتصادية، فضلاً عن تهديدها للملاحة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر.


ويمكن قراءة هذا التصعيد من خلال ثلاثة مسارات رئيسية:


أولاً: تهديد المطارات المدنية في المملكة والمدن والأعيان والمقدسات الإسلامية والممرات البحرية وسلاسل الإمداد


إن استهداف الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا يمثل مشكلة أمنية لدولة بعينها، بل يمس أحد أهم شرايين التجارة العالمية. فأمن الممرات البحرية يرتبط مباشرة باستقرار حركة التجارة وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وأي تهديد مستمر لها يرفع كلفة النقل والتأمين ويضاعف المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي.


ثانياً: استهداف المنشآت والأعيان المدنية


إن استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد المدن والمنشآت المدنية والمنشآت الاقتصادية يضع حياة المدنيين وسلامة البنية التحتية تحت تهديد خطر مباشر، وهو أمر يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين في أوقات النزاعات.


ثالثاً: المساس بحرمة الأماكن المقدسة


تبقى مكة المكرمة والمدينة المنورة في وجدان المسلمين فوق أي حسابات سياسية أو صراعات إقليمية. وأي استهداف لأمن مكة المكرمة أو تعريض زوار بيت الله الحرام للخطر يمثل تجاوزاً بالغ الخطورة، لا يستهدف المملكة وحدها، بل يمس مشاعر أكثر من مليار مسلم حول العالم.


ومن هنا، فإن حماية المقدسات الإسلامية مسؤولية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتتطلب موقفاً واضحاً من المجتمع الدولي والدول الإسلامية تجاه أي تهديد يمكن أن يعرض الحجاج والمعتمرين والزوار للخطر.


ومن هذا المنطلق، فإن البيانات الرسمية التي تدين الاعتداءات تمثل خطوة مهمة، لكنها تصبح أكثر فاعلية عندما تقترن بإجراءات عملية تمنع تكرارها، وتغلق المسارات التي يمكن أن تستخدمها الجماعات المسلحة لتنفيذ اعتداءات على دول الجوار.


أمن المملكة.. حق سيادي ومسؤولية قانونية


لقد أكدت المملكة العربية السعودية مراراً أن حماية مواطنيها وأراضيها ومقدراتها مسؤولية لا يمكن التهاون فيها، وأنها في الوقت ذاته حريصة على الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.


والرسالة السعودية في هذا الشأن تتسم بالوضوح: المملكة لا تبحث عن التصعيد، لكنها لن تتعامل مع الاعتداءات على أمنها باعتبارها أمراً طبيعياً يمكن أن يستمر بلا نهاية.


إن استقرار الخليج والبحر الأحمر وأمن الطاقة والممرات التجارية منظومة واحدة، وأي خلل في أحد أجزائها ينعكس على بقية المنطقة والعالم. لذلك فإن معالجة مصادر التهديد تتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً يتجاوز ردود الفعل المؤقتة إلى معالجة الأسباب.


وفي المقابل، تواصل المملكة نهجها القائم على دعم الاستقرار والتنمية والشراكات الإقليمية، انطلاقاً من رؤية تعتبر الأمن شرطاً أساسياً للتنمية والازدهار.


وفي نهاية المطاف، فإن أمن المنطقة يتحقق بتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة، وضمان حرية الملاحة، وحماية المدنيين والمقدسات.


إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً مسؤولاً من جميع الأطراف: يحمي سيادة الدول، ويمنع تحويل أراضيها إلى منصات للتهديد، ويؤكد أن أمن المملكة وأمن دول المنطقة جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار النظام الإقليمي والدولي.

01:03 | 12-10-2026

حتى لا يتكرر احتلال العراق 2003: حصر السلاح وضمان أمن الطاقة العالمي

تشهد الساحة العراقية منذ عام 2003م حالة من التداخل السياسي والأمني المعقد وغير المستقر، حيث تتعدد أنشطة القوى الفاعلة من خارج إطار الدولة، والتي ترتبط بدعم خارجي يتجاوز المؤسسات الرسمية للدولة العراقية.


أولاً: سياق التصعيد الراهن


يرتبط التوتر الحالي بتحولات جوهرية في موازين القوى الإقليمية، وإعادة تموضع للقوات الدولية في المنطقة، وهو ما تستغله بعض الأطراف لفرض آليات جديدة داخل المشهد العراقي، والسعي إلى تأجيل الاستحقاقات السيادية للدولة.


ثانياً: تحدي حصر السلاح بيد الدولة


تواجه الدولة العراقية استحقاقاً مفصلياً في الثلاثين من سبتمبر، وهو الموعد المعلن لحصر السلاح بيد الدولة. وتشير القراءات السياسية إلى وجود مساومات تسعى إلى تغيير هذا الموعد وتأجيله إلى عام 2028م، مما قد يضع العراق في مهب الريح مجدداً تحت طائلة العقوبات الدولية والحصار الاقتصادي، الذي عاش ويلاته في تسعينيات القرن الماضي.


ثالثاً: تحول الاستراتيجية بعد توقف الحرب الأمريكية - الإسرائيلية


بعد توقف الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد ايران تغيرت سياسة الاستهداف بشكل جذري، حيث انتقلت من المواجهة العسكرية المباشرة إلى استراتيجية تعطيل ضخ النفط بعد أزمة إغلاق ممر هرمز لكل دول الخليج العربي، وبعدها محاولة إيقاف ضخ النفط السعودي والاعتداء على منفذ تصديره ومنافذه، كورقة ضغط على الاقتصاد العالمي. وأصبحت الاستراتيجية الجديدة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة: أولاً: تعطيل التصدير عبر مضيق هرمز. ثانياً: تعطيل البديل الاستراتيجي عبر استهداف مضخات خط أنابيب شرق - غرب، وميناء ينبع، وموانئ التصدير على البحر الأحمر. ثالثاً: تعطيل الداخل عبر استهداف مصافي التكرير الداخلية لخلق أزمة إمداد محلية. وهذا ما يفسر الهجوم الأخير الذي وقع في العاشر من سبتمبر 2026م، عبر مسيرات قادمة من الأراضي العراقية.


رابعاً: تهديد شرايين الطاقة العالمية


لم يعد التهديد مقتصراً على مضيق هرمز، فالخط الاستراتيجي السعودي شرق - غرب، الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، كبديل آمن عن مضيق هرمز، أصبح في مرمى الاستهداف المباشر. وتشير تحليلات عسكرية إلى أن هذا الخط الحيوي تعرض لمحاولات استهداف عبر مسيرات بعيدة المدى، تنطلق من مناطق الأنبار وميسان داخل الأراضي العراقية، باتجاه المناطق الحيوية الغربية والشرقية للمملكة. إن أي نجاح في تعطيل التصدير عبر ميناء ينبع سينعكس فوراً على أسعار النفط العالمية، وسيرفع كلفة الطاقة على الاقتصاد الدولي بأكمله.


خامساً: الخلاصة


إن حصر السلاح في العراق لم يعد مطلباً عراقياً داخلياً فحسب، بل أصبح مطلباً لوقف الاعتداءات على دول الخليج العربي، وكذلك الدول المجاورة (الأردن وسوريا)، وحتى داخل العراق في إقليم كردستان. وأصبح مطلباً ملحاً لحماية إمدادات الطاقة العالمية وضمان استقرارها اقتصادياً، والالتزام في حماية الممرات الاستراتيجية وفق القانون الدولي بعد أن تغيرت قواعد الاستهداف من الحرب المباشرة إلى حرب المنافذ والطاقة.

00:25 | 21-09-2026