أفرزت نتائج الانتخابات الإسرائيلية مشهداً مركباً، متوقعاً ومفاجئاً في آن معاً. فالمتوقع، أقله لكاتبة هذه السطور، كان عدم السقوط المدوّي لنتنياهو كما روّج كثر. فالانتخابات أظهرت أنه نجح في الحفاظ على موقعه الشخصي، وفي استثمار الحروب الثلاث، ولو نسبياً، للتقليل من آثار إخفاق السابع من أكتوبر. إذا، نتنياهو لم يخرج من المشهد الإسرائيلي بعد، لكنه في الوقت نفسه لم يستطع حسم الانتخابات لصالحه حتى كتابة هذه السطور، بانتظار فرز بقية الأصوات.
أما المشهد الثاني المفاجئ، فقد كان الخرق الذي أحدثه العرب الذي يكرّس حقيقة أن المجتمع العربي يشكّل قوة سياسية لا يمكن الاستهانة بها، كما يثبت مفارقة تتمثّل في الحاجة إلى أصوات العرب لإنتاج حكومة تطيح بنتنياهو، لكن معظم القوى الإسرائيلية المعارضة لا تريد تحمّل الكلفة الشعبوية والسياسية للاعتراف بها شريكاً في الحكم. لذلك، تقع على العرب مسؤولية للتأثير في المشهد السياسي الإسرائيلي مستقبلاً لحماية وجودهم وحقوقهم، وهذا يتطلّب إستراتيجية تتجاوز الحسابات الشخصية.
وبين المشهدين، وقائع كثيرة متشابكة ومركّبة تحتاج إلى رصد لتفكيكها، لكن هذا المقال يحاول رسم الإطار العام لها، وربط سياقاتها بما يهمّ مستقبل المنطقة العربية.
وفي حال لم يطرأ أي معطى مفاجئ بعد الانتهاء من فرز الأصوات يقلب المعادلة لحصول أحد الطرفين على أغلبية، فإن نتنياهو سيظلّ رئيساً للوزراء أقلّه خلال مرحلة الحكومة الانتقالية. هنا، وكما هو معلوم، تتأرجح السيناريوهات بين حكومة وحدة وطنية، حكومة أقليّة بالتعاون مع الأحزاب العربيّة، أو إعادة الانتخابات.
هنا، يمكن أن تتداخل العوامل الخارجية مع احتمالات التسوية من عدمها، وتحديداً دور الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. الأخير يريد حكومة وحدة وطنية، تعطي نتنياهو فرصة الحكم لمدة سنتين، وهي المدة المتبقية له في الرئاسة الأمريكية أو إذا تعذّر ذلك بسبب رفض المعارضة مشاركة نتنياهو الحكم، ربما لا يعارض ترمب سيناريو حكومة تصريف الأعمال برئاسة نتنياهو إلى حين إجراء انتخابات جديدة.
فليس صدفة ولا مسايرة أن يصرّح ترمب بالقول «ثمّة عمل يجب أن نستكمله مع نتنياهو». وهذا العمل، يعني أوّلا حسم الملف الإيراني أكان في ما يتعلّق بالنظام أو بالقضاء على البرنامج النووي الإيراني. والعمل أيضا، يعني استكمال إعادة تشكيل المنطقة من خلال رسم المعالم النهائية للتحالفات السياسية والاقتصادية في المنطقة وتوسيع اتفاقية السلام أو الاتفاقيات الإبراهيمية.
وإعادة تشكيل المنطقة هنا لا تعني فقط الساحات اللبنانية والسورية والفلسطينية، وهي ساحات أساسية لإسرائيل، لكن أيضا التنافس الذي يأخذ أشكال الصراع العسكري بالوكالة حول السيطرة على الممرات وطرق التجارة والنقل والغاز والمعادن والاستثمارات البديلة والجديدة. لذلك، تشكّل اليمن والبحر الأحمر، وإريتريا، وإثيوبيا، والسودان، والعراق، وليبيا ساحات أساسية على اختلاف مواقعها، لإعادة تحديد التوازنات والتحالفات الإقليمية والدولية.
من هنا، تكمن أهمية نتائج الانتخابات الإسرائيلية في أنها ستؤثّر في طبيعة الدور الذي ستلعبه إسرائيل في إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، وفي أدوات تنفيذ سياساتها وأولوياتها لبناء نفوذها، إذ إن الأهداف الإستراتيجية الكبرى تتقاطع بين الخصوم. لذلك، فإن استمرار نتنياهو بوجود ترمب قد يرجّح كفّة تسريع عمليّة فرض الوقائع بالقوة العسكرية خاصة في الملفات التي يعتبرها نتنياهو تمسّ الأمن القومي الإسرائيلي وحاسمة في إعادة رسم موازين القوى الإقليمية.
أما الدول العربية، لا سيّما مصر ودول الخليج، فإن هذا المشهد، الذي يعكس اهتزاز التوازنات الإقليمية التي تشكّلت منذ سايكس-بيكو وصولاً إلى النظام الإقليمي الراهن، يفرض عليها التفكير خارج الصندوق لحماية وجودها ودورها في رسم مستقبل المنطقة.