أقرت الحكومة الألبانية إجراءات تشريعية جديدة تفرض غرامات مالية تصل إلى نحو 6,130 دولارًا على الأشخاص الذين يشاركون في تجمعات تتحول إلى أعمال عنف أو نهب، حتى إذا لم يرتكبوا بأنفسهم أعمالًا عنيفة، في خطوة تهدف إلى تشديد القيود على الاحتجاجات المطالبة باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.
وتشهد العاصمة تيرانا احتجاجات مناهضة للحكومة منذ أشهر، تصاعدت حدتها خلال الأيام الأخيرة، وتحولت إلى مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين، وسط تزايد الغضب الشعبي إزاء اتهامات بالفساد ومشكلات الخدمات العامة وتراجع الفرص المتاحة للشباب.
غرامات باهظة وإجراءات لتقييد التجمعات
واعتمدت حكومة راما، تدابير تشريعية تنص على فرض غرامات تصل إلى 500 ألف ليك ألباني، أي ما يعادل نحو 5,500 يورو أو 6,130 دولارًا، على «أي شخص يختار البقاء ضمن حشد» يمارس أعمال عنف أو نهب في مكان عام، أو يتعمد إخفاء هويته.
وتثير قيمة الغرامة اهتمامًا خاصًا في ظل الفارق الكبير بينها وبين متوسط الأجور في البلاد؛ إذ يبلغ متوسط الراتب الشهري في ألبانيا قبل خصم الضرائب نحو 930 يورو، ما يعني أن الحد الأقصى للغرامة يعادل قرابة ستة أضعاف متوسط الراتب الشهري.
وتمنح الإجراءات الجديدة الشرطة صلاحيات تقييد التجمعات مؤقتًا في مناطق محددة، بما في ذلك محيط المؤسسات التعليمية والصحية والحكومية، إذا وُجد خطر باندلاع أعمال عنف.
كما تتضمن التدابير فرض عقوبات على التحريض على العنف عبر الإنترنت، إلى جانب إتاحة التعويضات للشركات الصغيرة التي تتعرض لأضرار خلال الاحتجاجات.
ودخلت الإجراءات حيز التنفيذ فور اعتمادها، لكنها تحتاج إلى موافقة البرلمان خلال 45 يومًا حتى تستمر سارية المفعول.
احتجاجات بدأت بسبب مشروع فندقي وتوسعت إلى قضايا الفساد
وبدأت الحركة الاحتجاجية في مايو الماضي بصورة سلمية، دون قيادة مركزية واضحة، مع تنظيم تجمعات اعتراضًا على مشروع لإنشاء فندق فاخر داخل محمية طبيعية، يحظى بدعم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
لكن الاحتجاجات اتخذت منحى أوسع في منتصف أكتوبر، عندما تصاعدت تحركات قادها طلاب، لتشمل مطالب بمكافحة الفساد وتحسين النظام الصحي وتوفير آفاق اقتصادية واجتماعية أفضل للشباب في البلاد، التي يبلغ عدد سكانها نحو 2.3 مليون نسمة.
ومع اتساع نطاق المطالب، تحولت الاحتجاجات إلى حركة مناهضة للحكومة، وارتفعت حدة المواجهات في العاصمة خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع مطالبات باستقالة راما.
راما يستلهم تجربة فرنسية ويتحدث عن تدخلات خارجية
من جانبه، قال رئيس الوزراء إيدي راما، إنه استلهم الإجراءات الجديدة من مشروع قانون فرنسي أقره مجلس الشيوخ الفرنسي، ويهدف إلى تحميل المتظاهرين المسؤولية المالية عن الأضرار التي يتسببون فيها خلال الاحتجاجات في الشوارع.
وفي الوقت نفسه، اتهم راما أطرافًا خارجية بالوقوف وراء أعمال العنف، مشيرًا إلى ما وصفه بتدخلات أجنبية في تأجيج الاضطرابات.
كما اتهم روسيا وإيران بالعمل على نشر معلومات مضللة عبر الإنترنت، دون أن يتضمن النص تفاصيل أو أدلة مستقلة تؤكد هذه الاتهامات.
ورغم تشديده على ضرورة التصدي لأعمال العنف، دعا رئيس الوزراء مرارًا إلى الحوار، في وقت تواجه فيه حكومته ضغوطًا متزايدة بسبب الاحتجاجات والاتهامات المتعلقة بالفساد وأداء الخدمات العامة.
جدل حول حدود الاحتجاج والمسؤولية الجماعية
تفتح الإجراءات الجديدة نقاشًا بشأن حدود مسؤولية المشاركين في التجمعات العامة، خصوصًا أن الغرامات قد تطال أشخاصًا يظلون ضمن حشد يشهد أعمال عنف، حتى إذا لم يثبت ارتكابهم أفعالًا عنيفة بصورة شخصية، وفقًا للصياغة الواردة في القرار.
كما أن صلاحيات تقييد التجمعات في محيط المؤسسات العامة، والعقوبات المتعلقة بالمحتوى المنشور عبر الإنترنت، قد تثير تساؤلات بشأن التوازن بين الحفاظ على الأمن العام وضمان الحق في التظاهر والتعبير.
ومع دخول التدابير حيز التنفيذ، تتجه الأنظار إلى البرلمان الألباني، الذي يتعين عليه البت فيها خلال 45 يومًا، وإلى مدى تأثير هذه الإجراءات على الاحتجاجات المستمرة في تيرانا، في ظل تمسك المحتجين بمطالبهم المتعلقة بمكافحة الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات العامة.