للوهلة الأولى، يبدو الربط بعيداً بين استئناف تشغيل خط أنابيب «شرق – غرب» واستضافة جدة بطولة «خليجي 27»، فالأول شريان إستراتيجي للطاقة، والثاني حدث رياضي جماهيري، لكنهما يلتقيان في جوهر واحد: كفاءة المنظومة اللوجستية وقدرتها على ضمان الاستمرارية والتكيف مع المتغيرات.

يمتد خط «شرق – غرب» لنحو 750 ميلاً، بطاقة استيعابية تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً، ولا تقتصر أهميته على نقل النفط، بل تتجاوز ذلك إلى تعزيز مرونة الصادرات السعودية، وتوفير مسار بديل يدعم استمرارية التدفق عند تعطل المسارات التقليدية، فالمنظومات القوية لا تعتمد على مسار واحد، بل تمتلك بدائل جاهزة تضمن استمرار العمل في الظروف الاستثنائية.

وفي جدة، قدمت بطولة «خليجي 27» نموذجاً آخر للتكامل اللوجستي، إذ تطلب نجاحها تنسيقاً دقيقاً لحركة المنتخبات والإعلاميين والجماهير بين المطارات والفنادق وملاعب التدريب والمباريات، فالنجاح الحقيقي لا يقاس بالمشهد الرياضي وحده، بل بقدرة المنظومة على إدارة التفاصيل والمفاجآت دون أن يشعر الزائر بارتباك تشغيلي.

ويكشف المشهدان عن مفهوم أوسع للوجستيات، فهي ليست مجرد نقل وتخزين بل إدارة متكاملة لحركة الأصول والأفراد والمعلومات، مع الاستعداد للبدائل قبل وقوع الأزمات.

وتنسجم هذه الفلسفة مع مستهدفات «رؤية 2030»، الرامية إلى ترسيخ مكانة المملكة مركزاً لوجستياً عالمياً يربط القارات الثلاث، وقد تقدمت المملكة في مؤشر الأداء اللوجستي للبنك الدولي من المرتبة 55 عام 2018 إلى المرتبة 38 عام 2023.

إن خط «شرق – غرب» و«خليجي 27» نموذجان لاختبار الجاهزية الوطنية، وبناء الخبرة اللازمة لاستحقاقات كبرى، من «كأس آسيا 2027» إلى «إكسبو 2030» و«كأس العالم 2034».

أخيراً

المستقبل ليس لمن يمتلك الأسطول الأكبر فحسب، بل لمن يدير منظومته بذكاء والفسيفساء اللوجستية، ويستعد بالبدائل، ويتكيف مع المتغيرات، عندها تصبح اللوجستيات ركيزة للاستقرار الاقتصادي، وذراعاً فاعلة للقوة الناعمة.

‏