مبهج هذا التطور التقني المتسارع، لكنه مخيف أيضًا؛ فنحن أمام تحوّلات قد لا تهدّد طريقة عيشنا فحسب، بل ربما تمتد إلى ذاكرتنا الإنسانية، وإلى الإرث الحضاري الذي راكمته البشرية عبر آلاف السنين. ولعل أخطر ما في هذه التحوّلات أننا نمضي نحوها مأخوذين ببريقها، دون أن نتوقف طويلًا عند ما يمكن أن نفقده في الطريق.
تسعى بعض المؤسسات التقنية إلى رقمنة الكتب والمخطوطات وتحويلها إلى نسخ إلكترونية، وهي خطوة عظيمة في تسهيل الوصول إلى المعرفة وتداولها. لكن المقلق أن تتحوّل الرقمنة من وسيلة لحفظ الأصول إلى مبرر للاستغناء عنها وإتلافها. عندئذ لا نكون أمام تطور معرفي فحسب، بل أمام مغامرة بمصير الذاكرة البشرية، حين تصبح حضارتنا مرهونة بخوادم إلكترونية وأنظمة تقنية قابلة للتعطل والاندثار.
تخيلوا أن تختفي هذه الأنظمة يومًا ما، وأن تضيع معها ملايين الكتب والوثائق والصور. ماذا سيبقى منا للحضارات التي ستعقبنا؟ هل ستعرف حجم ما أنجزناه، أم ستظن أننا مررنا على الأرض دون أثر يستحق الذكر؟ بل إن هذا السؤال يدفعنا إلى تأمل الحضارات الغابرة التي لم تصلنا منها شواهد كافية. كم من تاريخ إنساني ضاع لأن وسائط حفظه لم تصمد أمام الزمن؟ وهل نكرر اليوم، بصورة أكثر تعقيدًا، مأساة ضياع الذاكرة؟
غير أن الوهم الرقمي لا يهدّد ذاكرتنا وحدها، بل يتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى بات يسلبنا واحدة من أثمن التجارب الإنسانية: الدهشة.
لقد أصبح كل شيء متاحًا، وكل معلومة حاضرة، والعالم بأسره بين أيدينا خلال ثوانٍ. وهذه نعمة معرفية هائلة، لكنها تحمل أثرًا نفسيًا وسلوكيًا عميقًا؛ إذ لم يعد الإنسان ينتظر كثيرًا، أو يكتشف الأشياء بالتدرج، أو يعيش لذة الوصول إليها بعد عناء. لقد اختصرت التقنية المسافات، لكنها اختصرت معها شيئًا من متعة الرحلة.
والأخطر أنها عزّزت فردانية سلوكية تجعل الإنسان منعزلًا عن محيطه، رغم وجوده الجسدي فيه. تأملوا مثلًا مشهد شخص يجلس بين الناس وقد وضع سماعاته في أذنيه. تبدو المسألة تجربة شخصية ممتعة، لكنها في بعدها الفلسفي تعبير عن رغبة في الانفصال عن العالم المشترك، وصناعة عالم خاص داخل العالم الحقيقي.
وهذا يقترب مما يناقشه علماء الاجتماع تحت مفهوم «الفردنة»، حيث تتراجع بعض الروابط والتجارب الجماعية لصالح اختيارات الفرد وعالمه الخاص. ومع التقنية، أصبح هذا الانفصال أكثر سهولة وأقل إثارة للاستغراب.
في اعتقادي أن عقد التسعينيات كان آخر العقود التي احتفظت فيها الحياة اليومية بقدر واسع من عفويتها الإنسانية، قبل أن يبدأ التغول الرقمي في إعادة تشكيل علاقتنا بالزمن والمكان والآخرين.
لسنا ضد التقنية، ولا ندعو إلى العودة للماضي، لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا: هل نبني حضارة أكثر تقدّمًا، أم عالمًا أكثر افتراضية، نفقد فيه بالتدريج آثارنا المادية ودهشتنا الإنسانية، وربما قدرتنا على أن نعيش الحياة بدلًا من الاكتفاء بمشاهدتها؟