تواجه العديد من دول العالم طلباً كبيراً على الخدمات الأساسية، ويأتي في مقدمتها الكهرباء والمياه. تلك الخدمات يتجاوز فكرة التعامل معها مسألة كلفة الفاتورة وحدها، لتتحوّل إلى احتياج لاستثمارات مستمرة تتعلق بالإنتاج والنقل والشبكات. من هذا المنطلق يمكن فهم تعديل التعرفة، بالتزامن مع إجراءات دعم الدخل، بوصفها محاولة لبناء معادلة تحقق توازناً بين استدامة الموارد وحماية المستوى المعيشي للمواطنين.
اقتصادياً، يقوم هذا التوجه على إعادة تنظيم الدعم، فبدلاً من أن يوجّه الدعم كله نحو شركتي الكهرباء والمياه، يتجه جزء كبير منه إلى دعم دخول فئات محددة بصورة مباشرة. بحسب الحزمة المعلنة، تشمل الإجراءات زيادة شهرية قدرها 500 ريال للموظفين المدنيين، والعسكريين، والمتقاعدين، ودعماً شهرياً للأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي. في القطاع الخاص، سيرتفع الحد الأدنى للأجر الذي يُحتسب به العامل السعودي كاملاً في نسب التوطين ضمن «نطاقات» على مرحلتين إلى 5,000 ريال ثم 6,000 ريال.
من منظور اقتصاد الرفاه، تسعى هذه المقاربة إلى الجمع بين كفاءة السعر والإنصاف في توزيع الأعباء. الدعم المباشر يمكن توجيهه إلى فئات بعينها، بينما دعم السعر العام يرتبط بكمية الاستهلاك، وبذلك قد تستفيد من الدعم بصورته العامة فئاتٌ أعلى دخلاً وثروةً أكثر من الفئات الأشد احتياجاً. بناء على ذلك، تبرز أهمية توجيه الدعم بكفاءة أكبر إلى المستحقين.
تقوم الفكرة الاقتصادية للندرة على أن الموارد المتاحة محدودة مقارنة بالاحتياجات، وأن لكل استخدام كلفة فرصة بديلة؛ فتخصيص المورد لغرض معين يقلل ما يتاح منه لاستخدامات أخرى. من هنا، تفسر نظرية الأسعار هذه الخطوة من زاوية الكفاءة. عندما يكون سعر مورد نادر أقل كثيراً من كلفة توفيره، تضعف الإشارة التي يتلقاها المستهلك عن قيمته، وقد يزيد الاستهلاك من دون أن يواكبه وعي كافٍ بكلفة الإنتاج أو الندرة. أما التعرفة التي تعكس كلفة الخدمة بصورة أفضل، فتدفع الأفراد والمنشآت إلى مراجعة أنماط الاستهلاك والاستثمار في الكفاءة. هذا لا يعني أن السعر وحده يحل المشكلة؛ بل يعني أن السعر يصبح أداة تحفّز السلوك، بالتوازي مع التوعية بالأجهزة الموفرة للطاقة والمياه وتحسين كفاءة المباني.
هنا ينتقل جزء من الرهان إلى المواطن والمقيم. يصبح المستهلك ليس متلقياً للتعرفة فقط؛ بل شريك في إدارة الطلب على الطاقة والمياه. ضبط التكييف، وصيانة التسربات، واستخدام الأجهزة الأعلى كفاءة، وتحسين العزل، وتشغيل المعدات عند الحاجة، كلها قرارات فردية تتراكم لتصنع فرقاً على مستوى الشبكة والموارد والإنفاق الأسري. كلما استطاع المنزل أو المنشأة تقديم الخدمة ذاتها باستهلاك أقل، تحوّلت كفاءة الطاقة إلى منفعة اقتصادية مباشرة تتمثل في فاتورة أقل، وهدر أقل، وموارد متاحة لاحتياجات أخرى.