أكثر ما يؤلم في المأساة الصحية التي تعيشها تعز اليوم، ليس فقط ما خلفته الحرب من قتلى وجرحى ودمار، بل أن تتحول أمراض يعرف الطب وسائل علاجها إلى أسباب للموت، وأن تصبح حياة المرضى مرهونة بوصول شحنة أدوية أو كمية من الوقود. فكيف يمكن أن يموت مريض بالفشل الكلوي لأن محاليل الغسيل لم تصل؟ وكيف يصبح بقاء طفل في الحضانة مرتبطا بما تبقى من وقود في خزان مولد كهربائي؟ وكيف تتحول المستشفيات، التي أنشئت لإنقاذ الأرواح، إلى مرافق تخشى التوقف بسبب حصار تفرضه جماعة مسلحة على مدينة يسكنها مئات الآلاف من المدنيين؟!
هذه ليست صورة متخيلة لمأساة إنسانية، بل واقع تعيشه تعز، المدينة التي أنهكتها أكثر من عشر سنوات من الحرب والحصار، قبل أن تجد نفسها أمام تصعيد عسكري جديد تفرضه المليشيا الحوثية الإرهابية، وتترتب عليه تداعيات خطيرة تهدد ما تبقى من قدرة القطاع الصحي على الاستمرار.
لقد امتد الحصار من الطرق والمنافذ إلى غرف العمليات والعناية المركزة ومراكز الغسيل الكلوي وحضانات الأطفال. ولم يعد المرضى يواجهون أمراضهم وحدها، بل يواجهون معها انقطاع الإمدادات ونقص الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية، حتى أصبح الحصول على العلاج معركة أخرى يخوضها الإنسان من أجل البقاء.
ومن المفارقات المؤلمة أن تتحدث المليشيا الحوثية عن حقوق الشعوب ونصرة قضايا الأمة، بينما تحرم أبناء تعز من أبسط حقوقهم الإنسانية. فأي قضية تبرر حرمان طفل من الأكسجين، أو مريض من الدواء، أو امرأة حامل من الوصول إلى المستشفى؟! وأي مشروع يدعي الدفاع عن الإنسان، ثم يجعل حياته وصحته وسيلة للضغط والإخضاع؟!
إن ما تتعرض له تعز ليس مجرد نقص عابر في الإمدادات، يمكن تفسيره بصعوبات النقل أو محدودية الموارد؛ فالحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الحاجات الأساسية عوامل رئيسية في تفاقم الأزمة، وقد بلغت انعكاساتها مستوى يهدد خدمات لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها الطوارئ والعمليات الجراحية والغسيل الكلوي ورعاية حديثي الولادة.
وفي القطاع الصحي ندرك أن بعض المرضى لا يملكون الوقت الذي تملكه السياسة. فمريض الفشل الكلوي يحتاج إلى جلسات منتظمة، والمصاب بالنزيف يحتاج إلى تدخل فوري، والطفل الخديج يحتاج إلى رعاية مستمرة، ومريض العناية المركزة قد تتوقف حياته على جهاز تنفس. وهؤلاء جميعا لا يستطيعون انتظار انتهاء المعارك أو فتح الطرق.
ويكفي النظر إلى معاناة مرضى الفشل الكلوي لفهم قسوة الحصار. فتأخير جلسات الغسيل قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد الحياة. ورغم الظروف الاستثنائية، واصلت وزارة الصحة العامة والسكان، في إطار جهود الحكومة الشرعية، تأمين الإمدادات المنقذة للحياة، ومنها محاليل الغسيل الكلوي التي جرى تزويد مستشفى الجمهوري بها مطلع سبتمبر، ثم توفير كميات أخرى لمستشفى الثورة تكفي حاجاته التقديرية لعدة أشهر، في مسعى للحفاظ على استمرارية الخدمات وعدم ترك المرضى لمصيرهم.
ولا يقل خطر نقص الوقود عن خطر نفاد الأدوية؛ فالمستشفيات تعتمد عليه لتشغيل المولدات وأجهزة الأكسجين وغرف العمليات والحضانات، فضلا عن سيارات الإسعاف وسلاسل تبريد الأدوية واللقاحات. ومع شح المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، أصبحت المرافق الصحية تواجه تحديا يوميا لإنقاذ الأرواح.
فالوقود في المستشفى ليس مجرد مادة تشغيلية؛ فعندما يتوقف المولد لا تنطفئ المصابيح وحدها، وإنما قد تتوقف أجهزة تبقي المرضى على قيد الحياة. وحين تعجز سيارة إسعاف عن الحركة، تصبح المسافة بين المصاب والمستشفى فاصلا بين الحياة والموت.
ولا تنحصر المأساة داخل المستشفيات. فقد جعل الحصار الوصول إلى الرعاية الصحية أكثر صعوبة وكلفة، وأثقل كاهل الأسر التي استنزفت الحرب مواردها. وتزداد المخاطر على النساء الحوامل والأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، فيما يضاعف اضطراب إمدادات المياه وخدمات الإصحاح البيئي احتمالات انتشار الأمراض والأوبئة. وهكذا يدفع المدنيون، الذين لم يكونوا طرفا في القتال، ثمن الحرب من صحتهم وحياتهم.
إن تحميل المليشيا الحوثية الإرهابية مسؤولية هذه المأساة ليس موقفا سياسيا مجردا، وإنما تحديد للمسؤولية عن الحصار وعرقلة الإمدادات وما ينجم عنهما من أخطار إنسانية. فالمليشيا التي فرضت حصارا طويلا على تعز لا تستطيع التنصل من نتائجه، ولا يجوز أن تتحول معاناة المدنيين إلى وسيلة للمساومة أو تحقيق المكاسب العسكرية.
والقانون الدولي الإنساني يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، ويوجب احترام المرافق الطبية وحماية المرضى والعاملين الصحيين. وأي انتهاكات لهذه القواعد تستدعي التحقيق والمساءلة، فلا توجد مبررات عسكرية أو سياسية تعلو على حق الإنسان في الحياة.
وفي المقابل، تواصل الحكومة الشرعية ووزارة الصحة، بالتنسيق مع السلطات المحلية والشركاء الصحيين، جهودها لتأمين الإمدادات وتعزيز جاهزية المستشفيات. وتبرز الحاجة الملحة إلى توفير مخزون طبي ووقود كافيين، والتوسع في حلول الطاقة الشمسية للمرافق الحيوية، بما يحد من مخاطر انقطاع الخدمات.
غير أن المساعدات وحدها لا تكفي ما دامت طرق وصولها مهددة. ولذلك فإن رفع الحصار وفتح الطرق وضمان مرور الأدوية والوقود والمرضى وسيارات الإسعاف يجب أن يكون في صدارة المطالب الإنسانية العاجلة.
والمجتمع الدولي مطالب بتجاوز بيانات القلق إلى ممارسة ضغط فعلي لإنهاء القيود المفروضة على المدينة وحماية مرافقها الصحية. فلا يكفي التحذير من انهيار المستشفيات بينما تظل الأسباب التي تهدد استمرارها قائمة.
وفي خضم هذه المأساة، يستحق أطباء تعز وممرضوها وفنيوها ومسعفوها كل التقدير، فقد ظلوا في مواقعهم يؤدون رسالتهم الإنسانية رغم المخاطر والنقص والضغوط. لكن صمودهم لا ينبغي أن يحجب حجم الكارثة، كما أن قدرة المدينة على الاحتمال لا يجوز أن تصبح مبررا لاستمرار حصارها.
إن تعز لا تطلب امتيازا خاصا، وإنما حقا إنسانيا أصيلا: أن يصل الدواء إلى المريض، والوقود إلى المستشفى، والإسعاف إلى الجريح، وأن تتمكن الأم من الولادة بأمان، والطفل من الحصول على الرعاية، والمريض المزمن من مواصلة علاجه.
فمأساة تعز الصحية ليست قدرا محتوما، وإنما نتيجة حصار تفرضه المليشيا الحوثية الإرهابية، وتتحمل مسؤولية تداعياته. ولن يكون الحديث عن حماية الإنسان صادقا ما لم يبدأ بإنهاء هذا الحصار وضمان وصول العلاج إلى مستحقيه.
فليس هناك ما هو أشد قسوة من أن يموت إنسان بمرض يمكن علاجه، لا لأن الطب عجز عن إنقاذه، وإنما لأن من يحاصر مدينته حرمه من فرصة الحياة.