الراصد للإعلام الغربي خلال شهر أكتوبر والذي شمل عملية «فجر اليمن» للجم المليشيات الإرهابية في اليمن والتي سعت إلى السيطرة على مضيق باب المندب، إكمالاً للطوق الذي يمثل أكبر دافع لارتفاع أسعار الطاقة وبالتالي يحقق أكبر خسارة ممكنة على مستوى الانتخابات النصفية، يلاحظ العديد من المقالات التي هاجمت المملكة على مستوى قدراتها الدفاعية.

تركّز المقالات على عدة ملفات أولها الميزانية العسكرية الكبيرة للمملكة باعتبارها من أكبر المستثمرين في العالم في بناء قدرات عسكرية دفاعية، بما يشمل بطبيعة الحال رفع المحتوى المحلي، وبالرغم من أن الرقم المستخدم وهو نحو ثمانين ملياراً مغرٍ جداً للاستخدام كـ«مانشيت»، إلا أن استخدامه منفرداً يشير لخلل بنيوي في التحليل، فهناك الكثير من التفاصيل حول الأسلحة ومدى مناسبتها لكل معركة، ووجود مشتريات لم تُستلم تبعاً للوتيرة الإنتاجية في المصانع.

بالطبع تبحر هذه التحليلات في تفاصيل الطائرات التي تمتلكها المملكة، وفي أحيان تشير إلى ادعاءات بنفاد الصواريخ الاعتراضية، وهذا أمر يطغى عليه الاستسهال في التحليل، عبر عدة زوايا، من ضمنها أنها قصة تستطيع استخدامها على الدفاعات الأمريكية في تصديها لإيران، وتستطيع القول بها في الحالة الأوكرانية أو الروسية، كما أن الدول لا تشارك إعلامياً كمية الصواريخ الاعتراضية الباقية، ولا سبل التصدي والاعتراض الأخرى.نقطة مهمة أيضاً تغيب عن هذه التحليلات وهي أن الربح والخسارة مختلفة في معايير الحوثي والمليشيات الإرهابية بالمجمل، فهي تأمل أن تستهدف أهدافاً نفطية تخدم أجندات، أو أعياناً مدنية كالمطارات والمنازل مما يرفع الاستهداف إلى أولويات الأخبار، كما أن الاستهداف يرتكز على الحجم الشاسع للمملكة على نحو 2.2 مليون كيلومتر مربع أملاً أن لا تتمكن الدفاعات الجوية من ردعه.

الأطروحة المتكررة في عدة مقالات أيضاً هو فشل التحالفات التي تقودها المملكة، وهذا يعد نمطاً بغبغائياً للسردية الحوثية والتي يمكن مشاهدتها في الصحف والقنوات المحسوبة على المحور لبنانياً وعراقياً، ويمكن تسمية تأثيره على المحور بمتلازمة ما بعد الصدمة، حيث لم يتوقع أن تقوم المملكة بخطوة اتفاق مكة مع باكستان وتركيا، والتنسيق الرباعي الذي شمل جمهورية مصر، والتي تعاني من عبث الحوثي عبر التأثير على مداخيل قناة السويس.

لكن هذه الزاوية لدى محور طهران لاقت هوى عند الغرب، وهو الحنق من قدرة المنطقة على خلق تحالف قوي غير مرتكز على الغرب وخاصة الولايات المتحدة، وعسكرياً يغيب المنطق عن هذه الأطروحة لأن هدف تحالف مكة ليس حسم المعركة، بل هو مبني على مسارات عدة من التدريب ومشاركة المعلومات الاستخبارية، بالإضافة إلى نشر الجنود ومنظومات الدفاع إذا ما تم طلب ذلك من إحدى الدول الثلاث، تماماً كما هو معمول به في المادة الخامسة من حلف الناتو.

والزاوية الأخيرة التي جمعت المقالات في «بلومبيرغ» و«نيويورك تايمز» و«سي بي سي» و«الجارديان» وغيرها هي تخلي ترمب عن المملكة، وهذه الزاوية مفهومة إلى حد كبير أمريكياً على مستوى عدم رغبة الإدارة فتح جبهة جديدة، وهي على مشارف انتخابات نصفية، تضاف لحصار هرمز وحالة التأهب مع إيران، وإن كان شمل التعاون بين الطرفين المعلومات الاستخبارية كذلك، لكن في ظني أن هذه الزاوية تحديداً لم يكن المراد منها مهاجمة المملكة بل القول انظروا كيف يعامل ترمب حلفاءه ولا يقف معهم وهي سردية موجودة أوروبياً وأوكرانياً ولها من الرجاحة الكثير.

وكان لافتاً في مجمل المقالات أنها جمعت أطيافاً من اليمين واليسار الليبرالي معاً والتي توزعت بين موقف من كل ما تفعله المملكة وبالتالي استغلال المعركة الحالية، لمحاولة التبشير بفشل الرؤية الاقتصادية للسعودية، وهذا محض تحليل رغبوي، والأمر الآخر هو فوقية غربية تتناول نفاد صاروخ من الدفاعات السعودية كنقطة ضعف، بينما نفاد صاروخ لإسرائيل من طبقاتها الدفاعية المتعددة وقبتها الصاروخية، والأكثر سخرية أن يكتب ذلك من نفس المطبوعة!

ختاماً، بلا شك أن المملكة حققت سجلاً غير مسبوق في التصدي تجاوز 92%، وتشير مصادر إلى نسب أعلى، كما أن ثقلها السياسي لم يمكّنها من النجاح في اتفاق مكة فحسب، بل حرص البريطانيون والفرنسيون واليونانيون وغيرهم على المشاركة الفاعلة، حيث إن تهديد مصادر الطاقة والدولة الأكثر موثوقية كمصدر للطاقة عبر العقود، واستهداف الممرات التجارية الرئيسية ليس تحدياً سعودياً فقط، وهذا ما أوضحته السعودية وأدركه الجميع بعيداً عن فرقعات الإعلام.

وتبقى النقطة التي تغيب عن الإعلام الغربي تقييم مدى خسائر الحوثيين البشرية والجغرافية، وأيضاً خسائر مخازن الصواريخ والذخيرة ومحطات الإطلاق مع إحكام الحصار على خطوط الإمداد، ليس فقط لغياب المصادر على الأرض، ولكن لغياب الموضوعية في أحايين كثيرة.