حين شبّه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ممارسات طهران في مضيق هرمز ضد السفن التجارية بأساليب «الغواصات النازية» خلال الحرب العالمية الثانية، كان يستحضر واحدة من أكثر صفحات التاريخ البحري دموية ورعباً، حين تحوّلت مياه الأطلسي إلى مقبرة للسفن التجارية، وأصبحت خطوط الإمداد هدفاً لاستراتيجية عسكرية راهنت على إنهاك الخصوم اقتصادياً وتجويعهم قبل هزيمتهم عسكرياً، ففي معركة الأطلسي التي امتدت بين عامي 1939 و1945، استخدم النازيون غواصات عرفت باسم U-Boats لاعتراض السفن المحملة بالغذاء والنفط والمواد الاستراتيجية، واعتمدوا تكتيك قطعان الذئاب لمهاجمة القوافل البحرية وإغراقها، في محاولة لخنق بريطانيا وعزلها عن مصادر الإمداد، وهي تجربة تاريخية أعاد روبيو تقديمها للتحذير من خطورة استهداف الملاحة التجارية في مضيق هرمز.
وبين الأطلسي بالأمس وهرمز اليوم، تتبدل الأدوات العسكرية والأدوار، وتبقى التداعيات الاقتصادية والإنسانية مصدر القلق الأكبر، فالغواصات التي كانت تتربص بالسفن في أعماق المحيطات تقابلها اليوم صواريخ وطائرات مسيّرة تهدّد حركة الملاحة، بينما تتجاوز انعكاسات أي اضطراب حدود الأطراف المتحاربة لتطال أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ولعل أخطر ما تكشفه هذه المقارنة أن الممرات البحرية أصبحت جزءاً من معادلات الضغط السياسي والعسكري، وأن تحويلها إلى ساحات للمواجهة يضاعف كلفة النزاعات ويقوّض فرص التسوية، خصوصاً في منطقة يحتل فيها مضيق هرمز موقعاً محورياً في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يجعل استعادة حرية الملاحة وفق القواعد الدولية ضرورة تتقدّم على حسابات التصعيد والمكاسب الآنية.
وفيما تتكثف المساعي الدولية لتجاوز أزمة هرمز واستعادة انسيابية الملاحة، تتعاظم المخاوف من امتداد الاضطراب إلى باب المندب، بما ينذر بأزمة بحرية مزدوجة قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى منعطف أشد خطورة.، وفي هذا المشهد المعقد تكتسب المواجهات السعودية مع المليشيات الحوثية بعداً استراتيجياً يتجاوز حماية الحدود إلى التصدي لتهديدات إرهابية تطال أمن البحر الأحمر وممراته الحيوية، بالتوازي مع تحركات دولية سياسية ودبلوماسية تسعى إلى احتواء التصعيد وتجنيب المنطقة اتساع المواجهة. ولعل التاريخ، وهو يستعيد من الأطلسي إلى هرمز فصولاً من حروب البحار، يضع العالم مجدداً أمام تحذيراته القديمة؛ فحين تتحوّل المضائق إلى ساحات للصراع، تتجاوز الخسائر حدود المتحاربين، وتصبح التجارة العالمية رهينة لمغامرات قد يعرف أصحابها كيف يشعلونها، لكنهم يجهلون كيف يطفئون حرائقها.
أخيراً.. أثبتت الحروب البحرية أن تعطيل التجارة يوسع دائرة الخسائر إلى كوارث يصعب احتواؤها، وأن استقرار الممرات المائية مصلحة إنسانية واقتصادية مشتركة، وبين ذاكرة الأطلسي وقلق هرمز يظل الاختبار الحقيقي في القدرة على انتزاع البحار من حسابات الحرب، وإعادتها إلى وظيفتها الأصيلة جسوراً للتواصل والازدهار، قبل أن يكتب التاريخ فصلاً جديداً من مآسيه القديمة!