إن أفضل أسواق لا تعني بالضرورة أنها الأسواق الأكبر، بل قد تكون الأقرب إلى مناطق الإنتاج، والأكثر حاجة إلى منتجاتها، والأقدر على تحويل فائضها إلى فرص صناعية وتجارية وتصديرية مستدامة.
من هنا تبرز أهمية تعزيز الشراكة التكاملية بين زراعة وصناعة التمور في منطقة الجوف وأسواق منطقة الحدود الشمالية. تنتج مزارع الجوف سنوياً فائضاً كمياً ونوعياً من التمور الفاخرة، وتحتاج إلى أسواق دائمة ومنظومة تسويقية وتصنيعية تستوعب إنتاجها.
في المقابل، تتمتع منطقة الحدود الشمالية بسوق استهلاكية قريبة وموقع جغرافي مناسب، وفرص لوجستية واستثمارية يمكن أن تجعلها منصّةً رئيسةً في صناعة تمور الجوف وتوزيعها وتصديرها. فلماذا لا تصبح عرعر إحدى أهم البوابات الرئيسة لتسويق وتصنيع وتصدير تمور الجوف إلى الأسواق المحلية والعالمية؟
تمتاز منطقة الحدود الشمالية ببيئتها الإدارية الصديقة للاستثمار، وهذا كفيل بتحقيق هذه الفكرة. حسب ظني، عقد منتدى عرعر للاستثمار مرتين، ما يشير إلى المرونة والقابلية العالية لتحويل الفرص إلى مشروعات منتجة وجودة تنافسية عالية.
لا بد من الإشادة بالجهود الفردية التي يبذلها المزارعون في الجوف وجهود جمعية الجوبة الزراعية في هذا المجال وفي المقدمة تأتي جهود الناشط الزراعي عبدالناصر الخليوي وزملائه في الجمعية من خدمة للمزارعين في تسويق منتجاتهم.
غير أن هذا العمل يحتاج لعمل مؤسسي شامل يحوّل الجهود الموسمية إلى علاقات تجارية وتعاقدية مستدامة، تشارك فيها الجهات الحكومية والغرف التجارية والمزارعون والمصنّعون والمستثمرون.
إن المطلوب ليس زيادة منافذ بيع تمور الجوف في عرعر فحسب، بل إنشاء منظومة متكاملة تبدأ بعقود شراء مسبقة من المزارعين، وتمر بمراكز الفرز والتعبئة والتغليف والتخزين والتبريد، وتنتهي بالتصنيع والتوزيع والتصدير. وتتيح هذه المنظومة للمزارع معرفة حجم الطلب قبل موسم الحصاد، وتمنح التاجر والمصنع استقراراً في الإمدادات، وتوفر للمستهلك منتجات متنوعة بأسعار تنافسية.
يمكن لعرعر أن تحتضن مصانع صغيرة ومتوسطة تعتمد على تمور الجوف، لإنتاج مختلف صناعات التمور التحويلية المبتكرة، إلى جانب مراكز تعبئة وتغليف مخصصة للتصدير. و بذلك لا تكون المدينة سوقًا لتصريف الفائض فقط، بل مركزًا لإضافة القيمة الاقتصادية إليه.
يمنح موقع منطقة الحدود الشمالية الجغرافي، فرصة لتطوير مسارات تصديرية برية تخدم المنتجين والمصنعين والمستثمرين في التمور وفقاً لجدوى النقل والأنظمة التجارية ومتطلبات العبور. فلماذا لا يتم تحويل عرعر إلى مركز تجميع وتصنيع وتصدير قريب من مناطق الإنتاج؟ مع العلم أن ذلك لا يعني نقل كامل القيمة المضافة من منطقة الجوف، أو الاستغناء عن مراكز التصنيع القائمة في الجوف، بل توزيع الأنشطة وفق المزايا الاقتصادية لكل منطقة: الجوف للإنتاج والتصنيع القريب من المزارع، والحدود الشمالية للتوزيع والتصنيع الموجه للأسواق الشمالية والتصدير.
أعلم أن هذه الرؤية تحتاج إلى بنية تحتية للنقل واللوجستيات المناسبة. لذلك ينبغي أن يكون لوزارة النقل والخدمات اللوجستية والجهات المعنية دور في لإيجاد السكك الحديدية وتطوير الطرق الحالية والخدمات اللوجستية وربط مراكز سكاكا ودومة الجندل وعرعر وطريف ورفحاء بخدمات نقل سككي للبضائع والركاب، عبر مسارات تحقق الجدوى الاقتصادية وتتكامل مع الشبكات القائمة.
فالطريق الذي ينقل المنتجات الزراعية شريان اقتصادي يربط المنتج بالمستهلك، ويخفض تكلفة النقل والهدر، ويرفع قدرة المنتجات المحلية على المنافسة. لذلك يجب أن ينطلق تطوير الطرق و الربط السككي ومراكز الخدمات اللوجستية من احتياجات الإنتاج والتجارة.
كما أن من المهم أن يتبنى منتدى عرعر الاستثماري في إحدى نسخه المقبلة ملفاً متخصصاً بعنوان: «عرعر منصة تصنيع وتصدير تمور الجوف»، بحيث يجمع المستثمرين والمزارعين والمصنّعين وشركات النقل والتصدير، وينتهي إلى فرص استثمارية محددة واتفاقيات توريد وشراكات قابلة للتنفيذ.
من نافلة القول، أن على الغرف التجارية الصناعية في الجوف والحدود الشمالية تقع مسؤولية إيجاد لجان مشتركة لقطاع التمور والصناعات الغذائية والدوائية، وحصر فائض التمور القابل للتسويق والتصنيع، واستكشاف الأسواق المناسبة، وإطلاق برامج للتعاقدات الموسمية والسنوية بين المنتجين والمشترين.
ومن شأن هذا التكامل بين الأطراف أن يفتح فرصًا استثمارية ووظيفية في الزراعة والتصنيع والتغليف والنقل والتخزين والتسويق والخدمات اللوجستية، مع تحديد حجمها الفعلي.
ولأهمية فتح قسم جامعي للزراعة يهتم بالزراعة ويطور الوعي والابتكارات، أهيب بأن تتبنى جامعة الحدود الشمالية قسماً أو برنامجاً متخصصاً في العلوم والتقنيات والصناعات الزراعية والغذائية والدوائية تستهدف المجتمع الزراعي في الجوف والصناعة الغذائية في منطقة الحدود الشمالية، وذلك سدا للحاجة في هذا المجال وتعويضاً عما يتسبب به إحجام إدارة جامعة الجوف عن فتح قسم أو برنامج في هذا المجال الزراعي الاقتصادي الحيوي، وذلك لأسباب غير معروفة وغير مفهومة من قبل المجتمع الزراعي في الجوف.
لا يجوز أن يكون مستقبل اقتصاد التمور مرهوناً بموسم بيع قصير أو بمبادرات فردية، بل بتأسيس صناعة أسواق دائمة، وعقود مستقرة، ومنتجات تحويلية، ومنافذ تصديرية متعددة وتعظيم القيمة الاقتصادية لما يتم إنتاجه من التمور بحيث تتضاعف قيمته بين المزرعة والمصنع والسوق والتصدير.