حين تبدأ القراءة - من الصغر - تقرأ الغث والسمين، ومع الأيام، والمثابرة في القراءة، تجد نفسك قرأت كثيراً من الأفكار، ونقيضها، فتتكون لديك ملكة الفرز، والتصنيف، والرفض، والقبول، وكل يوم تتجدد قناعاتك.. القراءة تمكنك من الرفض، والقبول.

الآن وصلت إلى قناعة: أن مئات الكتب حرفت، أو جرفت الواقع إلى جرف سحيق من الأكاذيب أو التدليس، أو أنصاف الحقائق.. تصل إلى هذه المعرفة في زمن لم يعد أمامك إلا كتابة تلك المحصلات الفكرية أو التاريخية، ولأن ما مر من كتابات قد ترسخ لدى الكثيرين فلن تستطيع استبدال ما تم ترسيخه لدى طبقات علمية أخذت شريعة القول الفصل أي وسيلة لتحريك القناعات المرسخة إلى جوانب من المراجعة أو التمحيص في أقوال وأحداث ملأت الكتب وتم تناسخها وتثبيتها على أنها هي الحقيقة المطلقة التي حدثت في أزمان مختلفة، أمام تلك القناعات الخاطئة المثبتة، تصبح المناداة بإغلاق الصفحات التاريخية الماضوية، وفتح الصفحة الجديدة للإيمان بما عشته وعاشه أندادك، لتعليم النشء بكل ما هو صائب وتجنب الأخطاء التي أودت إلى تراكم معلومات خاطئة احترب عليها وفيها خلق كثير.

أيضاً هذه الوسيلة لن تنجح فيها لأن الاستزادة المعرفية تعتمد كلية على ما هو مكتوب سابقاً، وهذه الاستزادة هي استنساخ لكل الأخطاء السابقة.

وهذا أمر حتمي، فليس الناس على مذهب واحد، وإنما الافتراق على مذاهب شتى أدى إلى تنازع الأخبار والأحداث وأداء كل مذهب على أنه الوحيد الممسك بالحقيقة، ولأن تقنع الناس أن الحقيقة غائبة، وكل زمن له حقيقته الخاصة به، تؤسّس وفق ظرفية الزمن، فما ساد في زمن ليس شرطاً أنه حقيقة، فالحقيقة متبدلة، والتبدل هو تصحيح لما سبقه من أحداث، والتصحيح ليس شرطاً أن يكون صائباً فلربما أنه جاء محتزماً بالقوة، تلك القوة التي فرضت واقعاً جديداً، من هنا تكتشف أن ما مضى ليس هو الحقيقة.

الحقيقة التي هي التي ترضي الناس بالعيش الهانئ من غير منغصات بما مضى، وكل الأديان جاءت لتسير حياة هانئة، وكل من استقبل تلك الرسائل الدينية أراد أن يكون هو المسيطر، فقلب الرسالة وكتب من خلفها أحداثاً وأقاويل هدفها تحويل الناس إلى حطب لإيقاد النار.