منذ غزو الكويت عام 1990، وحتى اليوم، مضى أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، تبدّلت خلالها خرائط السياسة، وتغيّرت أدوات التأثير، وانتقل الجمهور من انتظار نشرة الأخبار إلى حمل العالم في هاتفه. وخلال هذه المسافة، يحق لنا أن نسأل: ماذا تغيّر في إعلامنا المحلي حين يتناول قضايانا السياسية؟ هل تطورت قدرتنا على تفسير مواقفنا بقدر ما تطورت وسائل بثها؟ وهل أصبحنا نملك المبادرة في رواية قضايانا، أم ما زلنا ننتظر ما يقوله الآخرون لنبدأ الرد؟


كانت حرب الخليج اختبارًا قاسيًا للمواقف، ولقدرة الإعلام على شرح الخطر وتفسير القرار وكشف المسافة بين الشعارات والحقائق. وقد تركت تلك المرحلة سؤالًا يستحق أن يبقى حاضرًا في مراجعاتنا: كيف نضمن أن تصل روايتنا إلى الجمهور واضحة وموثقة، وألّا يُترك تفسير مصالحنا لمن يقرأ المنطقة بعين خصوماته أو حساباته الخاصة؟


ليس من الإنصاف القول إن شيئًا لم يتغير. أُنشئت قنوات إخبارية متخصصة برؤوس أموال سعودية، حكومية وخاصة، وتوسعت المؤسسات والمنصات، وتطورت أدوات النقل والتغطية والحوار، وبرزت كفاءات سعودية في الكتابة والتقديم والتحليل وصناعة المحتوى. لكن هذا التحول الكبير في الإمكانات يضعنا أمام سؤال أكبر عن النتائج: هل أصبح تأثيرنا موازيًا لحجم حضورنا واستثماراتنا؟


فوجود الشاشة لا يكفي لصناعة التأثير، وسرعة نشر البيان لا تعني بالضرورة وصول معناه. قد نكسب سباق نقل التصريح، ونترك لغيرنا مهمة شرحه وتحديد دلالاته. وهنا تقع المسافة التي ينبغي أن نراجعها: المسافة بين إعلام يُخبر الجمهور بما حدث، وإعلام يمنحه المعرفة التي تساعده على فهم ما حدث، ولماذا حدث، وما الذي يمكن أن يترتب عليه.


المقال السياسي، مثلًا، يحتاج إلى أكثر من تأكيد صواب الموقف. يحتاج إلى حجة، وسياق تاريخي، ومعلومة دقيقة، وقدرة على مخاطبة القارئ الذي لم يحسم رأيه. والتحليل يحتاج إلى التمييز بين الخبر والتقدير والتوقع، حتى تبقى له مصداقيته حين تتبدل الوقائع. أما تكرار العبارات نفسها، مهما ارتفعت نبرتها، فلا يصنع معرفة جديدة ولا يقنع جمهورًا مختلفًا.


والتقرير المتلفز ينبغي أن يذهب أبعد من جمع التصريحات وترتيب الصور. نحتاج تقارير تشرح جذور القضية، وتعرض الوثيقة، وتختبر الادعاء، وتستعين بالخرائط والبيانات والشهادات؛ تقريرًا يستطيع المشاهد بعده أن يفهم موقف المملكة وأسبابه، وأن يناقشه بلغة المعرفة. فالقضية التي لا نشرحها بما يكفي تصبح قابلة لأن تُختصر في عنوان مضلل أو مقطع مبتور.


وكذلك الندوات السياسية؛ قيمتها في انتظامها وتراكمها وجودة إعدادها. لماذا لا تكون لملفاتنا الكبرى برامج نقاش مستمرة، لها أسئلتها المحددة، وباحثوها المتخصصون، ومخرجاتها المنشورة؟ نحتاج إلى ندوات تُبنى على أوراق ومعلومات، ويُختلف فيها على التقدير بأدب ومهنية، ثم تخرج منها مادة تصلح للمقال والتقرير والمحتوى الرقمي. أما اللقاء الذي ينتهي بانتهاء البث، فلا يترك بالضرورة أثرًا يوازي كلفته.


والبيان الرسمي له وظيفته، لكنه لا يستطيع أن يؤدي وحده كل وظائف الاتصال. وراء عباراته الموجزة تفاصيل يحتاج الجمهور إلى فهمها، وأسئلة تحتاج إلى إجابات. ومن هنا تأتي أهمية المتحدث الإعلامي المؤهل: يمتلك المعلومة والصلاحية، ويفهم الملف، ويحسن التعامل مع السؤال الصعب. ويحتاج خلفه إلى فريق بحث ورصد وترجمة وإعداد، وإلى تنسيق يضمن وضوح الرسالة وسرعة تقديمها.


لكن التحدي الأبعد يبدأ حين نخرج من مخاطبة أنفسنا إلى مخاطبة الآخرين. هل نملك اللغة والأسلوب القادرين على إقناع من يختلف معنا؟ هل نعرف ما الذي يشغله، والمصادر التي يثق بها، والأسئلة التي يريد إجابات عنها؟ أم نفترض أن ما يقنع جمهورنا المحلي سيقنع تلقائيًا قارئًا أو باحثًا أو صانع قرار في مجتمع آخر؟


اللغة هنا أوسع من إتقان الإنجليزية أو غيرها؛ إنها معرفة بطريقة تفكير المتلقي، وبالسياق الذي تتشكل داخله مواقفه. قد تكون ترجمة النص سليمة، فيما تظل حجته بعيدة عن جمهوره. وقد نحشد عبارات الاعتزاز التي تعبّر عنا، بينما ينتظر الآخر وثيقة، أو رقمًا، أو تفسيرًا لتعارض يراه. مخاطبته بفاعلية تقتضي أن نفهم اعتراضه، وأن نقدم ما يمكنه التحقق منه، وأن نجيب عن أسئلته كما هي.


ثم هل نعرف التواصل المستمر مع مراكز القوة والتأثير عالميًا؟ مع هيئات تحرير الصحف الكبرى، ومراكز الدراسات، والجامعات، والمؤسسات المهنية، والباحثين المؤثرين، والدوائر التي تصل أفكارها إلى صانع القرار؟ وهل نبني معها علاقات معرفة وثقة، أم نتذكرها حين تشتد الأزمة ونحتاج إلى صوت ينصفنا؟


كسب هذه الأصوات يحتاج إلى عمل يتراكم قبل الأزمات: إتاحة المعلومات، وتيسير الوصول إلى المصادر، وتنظيم اللقاءات المتخصصة، وإعداد أوراق تشرح مواقفنا بلغات متعددة، والاستماع إلى الأسئلة النقدية والإجابة عنها. فالباحث الذي يجد أمامه مصادر واضحة يستطيع الرجوع إليها، والصحفي الذي يصل إلى إجابة موثقة في الوقت المناسب، يصبحان أقدر على تقديم صورة منصفة. والتأييد المستقل الذي يتأسس على اقتناع له قيمة تتجاوز المجاملة العابرة.


أما السؤال الأكثر حساسية، فهو علاقتنا بمن نستعين بهم في صناعة خطابنا. من حقنا أن نراجع: من يختار المحللين؟ وعلى أي أساس تتكرر الأسماء؟ وهل تُقاس جودة الضيف بقدرته على تفسير القضية، أم بقدرته على رفع حرارة الجدل؟ ومن حق المؤسسات الممولة أن تسأل عن أثر إنفاقها، ومدى اتساق سياساتها التحريرية مع رسالتها المعلنة.


لكن تحويل هذا السؤال إلى خصومة مع «عرب الشمال» أو غيرهم يضيّع دقته. الجغرافيا ليست معيارًا للكفاءة أو النزاهة، وقد يعمل معنا مهني عربي بإخلاص ومعرفة، وقد يقصّر ابن البلد في أداء مسؤوليته. موضع المحاسبة هو العمل المنشور، والاختيار التحريري، وتضارب المصالح إن ثبت، والنتائج التي يمكن قياسها. وإذا وجد خلل، فعلينا أن نسأل أيضًا عمّن اختار وأجاز واستمر في التعاقد؛ فالمسؤولية تبدأ من داخل المؤسسة.


وفي المقابل، ينبغي أن يكون بناء الكفاءة السعودية أولوية مستمرة: كاتب يفهم السياسة، وباحث يتقن الوثيقة، ومراسل يعرف الميدان، ومنتج يحوّل الملف المعقد إلى قصة مفهومة، ومتحدث يجمع المعرفة والقدرة على التواصل. ونحتاج كذلك إلى متخصصين يفهمون المجتمعات التي نخاطبها، ويعرفون مؤسساتها الإعلامية والفكرية، ويستطيعون بناء جسور مهنية معها.


وأملنا في وزارة الخارجية، ومركز التواصل الحكومي، ووزارة الإعلام، أن تقود هذا الجهد بتكامل الأدوار، وأن تحوّله إلى عمل مؤسسي مستمر، يصل المعرفة السياسية بالممارسة الإعلامية. وأرى أن أقسام الإعلام والعلوم السياسية في جامعاتنا ما زالت تحتاج إلى ترجيح كفة التطبيق؛ فالتنظير، مهما كانت قيمته، لا يكفي لتأهيل من يحاور العالم ويؤثر فيه. نحتاج شراكات تضع الطالب والباحث أمام ملفات حقيقية، وتختبر قدرتهما على التحليل والإقناع وبناء العلاقات.


بعد أكثر من خمسة وثلاثين عامًا على حرب الخليج، تستحق تجربتنا مراجعة صريحة. ماذا تعلمنا؟ وأين تقدمنا؟ وهل نعرف من نخاطب، وكيف نصل إليه، وما الذي يجعله يثق بنا؟


لدينا قضايا تستحق أن تُروى بإتقان، ومواقف تحتاج إلى شرح مستمر، ووطن تتسارع تحولاته. والسؤال الذي ينبغي أن يحكم إنفاقنا وجهدنا الإعلامي: كم من هذا الحضور يتحول إلى فهم؟ وكم من هذا الفهم يتحول إلى ثقة وموقف وصوت منصف، حين نحتاج إليه؟