خلال الأيام الماضية حرصت كافة الأطراف على الحديث عن ضربة لإيران، تباين الحديث عن الأهداف والتوقيت خاصة ونحن بين الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأمريكية، والتي تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيخسر أغلبيته في الكونغرس أو في مجلس الشيوخ أيضاً.
ومن جانبها، لم تبخل إيران علينا بالإعلان عن بنك أهدافها الذي أضافت عليه الكابلات البحرية، بالرغم من أنها تتضرر من الكابلات كما تتأثر دول الخليج، وهو ما يشبه خطوة إغلاق هرمز التي تضررت منها بالقدر ذاته الذي تضرر منه الآخرون، كما لم تبخل طهران بالمؤشرات الدالة على استعداد الحوثي ليكون مشاركاً في الرد على الضربة الأمريكية الإسرائيلية المرتقبة، واستهداف دول أخرى في الخليج.
ما سبق الانتخابات النصفية كان مسعى حثيثاً من إيران لرفع أسعار النفط بقدر المستطاع، سواء ضربات خط شرق غرب، أو محاولة السيطرة على باب المندب، والتصعيد الذي تم مؤخراً على السفن وناقلات النفط التي تعبر من مضيق هرمز، وهو ما يرمز بالإضافة لدلالته الانتخابية إلى الاختناق الاقتصادي والسياسي الإيراني من حالة اللاحرب واللاسلم.
وهذا المدخل للأسباب التي تجعل إيران تحتاج الضربة، فالتصعيد العسكري يسمح لها بشد عصب الشارع أكثر من حالة اللاحرب واللاسلم، خاصة مع إدراكها لتكرار التصاريح الإسرائيلية عن إسقاط النظام والذي يعد ركيزته دعم التحركات الشعبية، وهو في إحدى صوره ما يجعلها تضرب باستمرار المعارضة الإيرانية في كردستان العراق.
من جانب آخر، يبرز اختلاف بين الأمريكيين والإسرائيليين في بنك الأهداف، وغاية كل طرف من الضربة، فالأمريكان يريدون ضربة على مسار الضغط الاقتصادي الذي يبدو أنه يؤتي أكله ولو كابر الحرس الثوري، فتعطيل الكثير من الرحلات التجارية الإيرانية، وخنق الصادرات النفطية الإيرانية، بالإضافة إلى ما استجد مؤخراً من إيقاف عدة دول حدودية مثل باكستان لحركة تنقل الشاحنات امتثالاً للعقوبات الأمريكية، مما مثل تجفيفاً إضافياً لصادرات وواردات إيران.
وبالتالي ستستهدف الضربة الأمريكية على الأرجح محطات توليد الكهرباء، موانئ تصدير النفط الحيوية (مثل جزيرة خارك)، ومصافي التكرير، وربما بعض الجسور أو تكرار لقطار بحر قزوين والذي مثل شرياناً جديداً للربط مع روسيا والصين، وقد يكون استهداف معسكرات الحرس الثوري وقيادته ضمن الأهداف المشتركة بين إسرائيل وأمريكا معاً.
أما بنك الأهداف المثالي لنتنياهو فهو يستهدف أولاً تحييد الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي، لتأمين أفضل ظروف للطيران الإسرائيلي، وتأتي المنشآت النووية في نطنز وفوردو وآراك كأهداف مهمة لمحاولة تأخير المشروع النووي إن لم يتم تحييده بالكامل، وتمثل مصانع الصواريخ والمسيّرات هدفاً مهماً للحد من استخدامه إيرانياً من فرص وصوله لأذرعها.
لكن الأهم بالنسبة لنتنياهو من طبيعة الضربة هو توقيتها، فأي ضربة قبل الانتخابات الإسرائيلية ستكون حيلة لن تنطلي على الناخب الإسرائيلي، وسيصعب اتفاق 80 نائباً في الكنيست على تأجيل الانتخابات، أما النافذة الثانية وهي بين الانتخابين، فقد تكون مضره بالقيادة الأمريكية عبر رفع أسعار الطاقة المرتفعة حالياً.
لكنها تمنح نتنياهو فرصة حشر المعارضة في تشكيل حكومة حرب ائتلافية «طوارئ»، خاصة واستطلاعات الرأي لا تتوقع أن يحظى بأكثر من 50 مقعداً، بينما تتجاوزه المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت بنحو 6 مقاعد، وبقية المقاعد ستذهب غالباً للكتلة العربية التي قد تكون مرجحة هذه المرة خاصة مع زيادة إقبالها في الانتخابات الحالية، وتبقى الضربة ما بعد الانتخابات النصفية هي الخيار الأمثل لترمب ونتنياهو معاً.
إلا أني ما زلت أرجح أن الرسائل التي حملها لافروف وكذلك قائد الجيش الباكستاني تحمل تحذيراً لإيران ألا تخسر الفرصة الأخيرة لتجنب الحرب، فهذه الجولة يسبقها تغيرات تتجاوز أطراف الصراع الثلاثة، التغير الروسي لا يجب التقليل منه، ولكن أيضاً اللقاء الثماني بين الرباعية الإقليمية والأوروبية في تركيا، وإجماعها للدعوة إلى تجنب تصعيد عسكري.
أتمنى أن تسعى الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية لمنطقة وسطى يقتنع كل طرف بأنه تنازل أقل وبالتالي يقتنع بالتوقيع، فالإيرانيون يحتاجون المال والهدوء، والأمريكيون يحتاجون اتفاقاً يرتدي ثوب النصر على قاعدة «أفضل من اتفاق أوباما».. أما البديل عن ذلك سيكون التأقلم مع معركة أطول قد تمتد على أقل تقدير حتى نهاية فترة ترمب.