في لحظات التحوّلات الكبرى، تُختبر صلابة التحالفات بقدر ما تُختبر قدرة الدول على حماية أمنها ومصالحها، وتبرز العلاقات السعودية ـ المصرية باعتبارها إحدى الركائز الرئيسية لمعادلة الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.

وفي هذا السياق، يكتسب موقف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أهميةً خصوصاً، بعدما دعا في 17 أكتوبر الجاري إلى عقد جلسة طارئة لمجلس النواب للنظر في تفويض يتيح اتخاذ إجراءات دفاعية لمساندة المملكة إذا طلبت ذلك.

ولقراءة الأبعاد العسكرية والإستراتيجية لهذا الموقف، ودلالات الربط بين الأمن القومي المصري وأمن الخليج، والخطوات الدستورية المرتبطة بالتفويض البرلماني، يتحدث اللواء أركان حرب أيمن عبدالمحسن، المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية وعضو مجلس الشيوخ المصري، في حوار خاص لـ«عكاظ»، متناولاً طبيعة الخيارات الدفاعية، وخبرات القوات المسلحة المصرية في التعامل مع التحديات الإقليمية، ومستقبل التنسيق الأمني بين القاهرة والرياض.

• ماذا عن التصويت المرتقب في مجلس النواب المصري، (الاثنين) القادم، على قرار الشراكة الدفاعية، وكيف يعكس هذا القرار إجماعاً وطنياً ومؤسسياً في مصر على الوقوف صفاً واحداً مع الأشقاء؟

•• تتسم العلاقات المصرية السعودية بالخصوصية، في ظل الإدراك المتبادل لدى قيادتي البلدين لأهمية دورهما وثقل تأثيرهما على المستويات الدولية والإقليمية والإسلامية والعربية، وعلاقات التعاون الاستراتيجي بين البلدين في مواجهة تداعيات البيئة الأمنية المتردية التي تمر بها المنطقة، والتهديدات التي تتعرض لها منطقة الخليج.

ويعكس التصويت المرتقب في مجلس النواب المصري بشأن طلب التفويض لتقديم الدعم الدفاعي للسعودية إجماعاً وطنياً ومؤسسياً راسخاً، يجسد عمق العلاقات الإستراتيجية والالتزام المصري التاريخي بتعزيز الأمن القومي العربي والخليجي.

• ما الإجراءات والخطوات الدستورية التي اتخذها مجلس النواب للتعامل مع هذه القضية؟

•• اتخذ مجلس النواب المصري عدة إجراءات دستورية وقانونية للتعامل مع طلب التفويض بشأن المشاركة في دعم السعودية ضد التهديدات الإقليمية، وجاءت كالقادم: الاجتماع الطارئ الذي جاء بناءً على دعوة الرئيس لمجلس النواب لعقد جلسة طارئة، بعد انعقاد مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس الجمهورية وإقراره تقديم أشكال الدعم والمساندة للسعودية واستقرارها، إضافة إلى عقد الجلسة السرية العاجلة، استناداً إلى المادة (152) من الدستور المصري لسنة 2014، والمادة (130) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، تلاها تمديد المناقشات وعقد المجلس جلسته الطارئة الأولى (الأحد)، ثم قرر مد جلساته ومناقشاته على مدار عدة أيام، مع تأجيل حسم التصويت النهائي إلى (الاثنين) القادم لإتاحة الفرصة أمام النواب والأحزاب المختلفة لاستعراض الموقف.

• من منظور عسكري واستراتيجي، كيف تقرأ الربط المباشر بين الأمن القومي المصري والأمن القومي لمنطقة الخليج خصوصاً السعودية وأين تكمن الخطوط الحمراء؟

•• ترتبط مصر والسعودية بمعادلة أمنية وإستراتيجية، حيث يمثل البلدان جناحي الأمن القومي العربي والإسلامي، والركيزة الأساسية والكتلة الصلبة لحفظ استقرار الشرق الأوسط والمنطقة العربية. ومن منظور عسكري واستراتيجي، لا يُعد الربط بين الأمن القومي المصري والأمن الخليجي، خصوصاً أمن السعودية، مجرد تضامن سياسي، بل هو حقيقة جيوسياسية تفرضها الجغرافيا المشتركة وتشابك التهديدات.

كما أن أي خلل في تماسك الجبهة الخليجية أو السعودية يمثل تهديداً مباشراً لمصر من الناحيتين الشرقية والجنوبية، والعكس صحيح، وهذا التلازم يخلق جبهة صد موحدة ترفع كلفة التصعيد على أي قوى إقليمية تسعى إلى بسط نفوذها أو زعزعة الاستقرار.

أما الخطوط الحمراء بين البلدين، فتتضمن: أمن السعودية خط أحمر لا يقبل المساومة وأي استهداف مباشر للعمق السعودي أو المنشآت الحيوية أو المطارات أو المدن يُعد تهديداً للأمن القومي العربي والمصري.

وفيما يخص مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر فإن العقيدة الأمنية للبلدين ترفض سيطرة جماعات مسلحة غير نظامية أو قوى إقليمية معادية على هذا الشريان الملاحي.

كما ترفض القاهرة والرياض تحويل الفاعلين من غير الدول، أي المليشيات المسلحة، إلى سلطات أمر واقع تفرض خياراتها بالقوة وتستهدف دول الجوار.

• ما الخيارات المتاحة أمام القوات المسلحة المصرية للتعامل مع أي تهديد يستهدف أمن السعودية؟

•• تعتمد القوات المسلحة المصرية في تعاملها مع أي تهديد يمس أمن السعودية على عقيدة عسكرية راسخة ترتبط بمفهوم «الأمن القومي العربي الخليجي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وهو ما يتم التعبير عنه سياسياً وعسكرياً من خلال المشاركة في دعم السعودية عبر تفعيل منظومات إنذار مبكر مشتركة، أو نقل وحدات دفاع جوي متخصصة لحماية المنشآت الحيوية في حال استمرار التهديدات الصاروخية أو المسيّرات، وتتيح قواعد الاشتباك للقوات المصرية حرية الاشتباك المباشر مع أي مصدر نيران أو قوة معادية تحاول اختراق الحدود السعودية أو استهداف منشآتها الحيوية.

• كيف يستحضر الجيش المصري خبراته السابقة في التعامل مع التحديات الإقليمية المشابهة؟

•• تنطلق العقيدة العسكرية المصرية من ثوابت راسخة تؤكد أن أمن مصر القومي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن أشقائها العرب والدول المجاورة، وتُصنَّف الدوائر العربية والإفريقية والشرق أوسطية باعتبارها امتداداً حيوياً واستراتيجياً للدولة المصرية.

والعقيدة العسكرية المصرية وممارسات القوات المسلحة عبر التاريخ تؤكدان أنها درع للمشاركة في تعزيز أمن الأشقاء ومساندتهم في مواجهة الأخطار المستمرة.

ويمتلك الجيش المصري رصيداً ضخماً من الخبرات الميدانية الناتجة عن دفاعه عن القضايا العربية، بدءاً من حرب فلسطين عام 1948، مروراً بدعم حركات التحرر الوطني في الأمة العربية وأفريقيا، وصولاً إلى حرب أكتوبر 1973 التي شهدت تنسيقاً عربياً مشتركاً، والمشاركة في حرب تحرير الكويت عام 1991. وتمنح هذه التجارب القيادة المصرية قدرةً عاليةً على تقدير الموقف الاستراتيجي وإدارة العمليات المشتركة.

• ما الرسائل السياسية والعسكرية التي ترسلها القاهرة عبر هذا التحرك الفوري إلى الأطراف الإقليمية والدولية التي تحاول العبث بأمن واستقرار المنطقة؟

•• يمكن تصنيف هذه الرسائل إلى شقين رئيسيين: أولهما الرسائل العسكرية فإن رسالة القيادة المصرية حاسمة، ومفادها أن أي تحرك أو جهد عسكري سيكون موجهاً للمشاركة في الدفاع عن أراضي الأشقاء، وحماية حدودها، كما أن إشهار الجاهزية العسكرية واستعراض المنظومات الدفاعية المتطورة يستهدفان تحقيق الردع الاستباقي، وإجبار المليشيات التي تهاجم المنشآت الحيوية والمطارات على إعادة حساباتها، ومنعها من فرض واقع جديد بالقوة.

ويعكس التحرك الفوري أن المساس بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وحركة الملاحة الدولية يمس مباشرةً الاقتصاد والأمن القومي المصري، ولا سيما قناة السويس، ولن تسمح القاهرة بتهديد هذه الشرايين الحيوية.

الرسالة الثانية سياسية، وهنا تؤكد القاهرة، عبر تحركاتها، أن أمن الخليج واستقرار دوله جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن الدعم الدبلوماسي والعسكري يتجاوز مجرد التضامن السياسي الشكلي إلى آليات حماية وتنسيق مؤسسي فوري.

• هل هناك غرف عمليات أو تنسيق استخباراتي وعسكري انعقد بالفعل بين السعودية ومصر لمواكبة هذا التوجيه الرئاسي ووضع الآليات التنفيذية له؟

•• هناك العديد من اتفاقيات التعاون العسكري بين مصر والمملكة، كما يوجد تنسيق استخباراتي وعسكري رفيع المستوى ومستمر بين مصر والسعودية، وقد شهد هذا التنسيق طفرةً تفاعليةً وتنفيذيةً كبيرةً لمواكبة التوجهات الرئاسية المشتركة الرامية إلى حماية الأمن القومي للبلدين ومواجهة التهديدات الإقليمية المتصاعدة في منطقة البحر الأحمر والخليج العربي.