لم تكن اللغة العربية في تاريخ المملكة العربية السعودية مجرد أداة للتخاطب، أو وعاء للتعليم والمعرفة، بل كانت منذ البدايات الأولى لبناء الدولة أحد ملامح هويتها، وركيزة من ركائز نهضتها الحضارية، ولسانًا يجمع بين عمق الانتماء العربي والإسلامي ومتطلبات الدولة الحديثة. وعلى امتداد عهود ملوك المملكة السبعة، تشكّلت مسيرة متراكمة من القرارات والمؤسسات والمبادرات التي انتقلت بالعناية بالعربية من ترسيخ مكانتها في أنظمة الدولة وتعليمها، إلى نشرها خارج الحدود، ثم بناء المؤسسات المتخصصة لخدمتها، وصولًا إلى تمكينها في الفضاء الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ولعل اللافت في هذه المسيرة أن الاهتمام النظامي بالعربية سبق إعلان توحيد المملكة باسمها المعروف اليوم. ففي عام 1346هـ، وتحديدًا في 24 ربيع الأول، صدر عن مجلس الشورى، وفق ما توثقه الدراسات المتخصصة في السياسة اللغوية السعودية، قرار يؤكد العناية باللغة العربية والمحافظة على أساليبها، بوصفها اللغة الرسمية للحكومة. كانت تلك الخطوة المبكرة تعبيرًا عن موقع العربية في مشروع بناء الدولة الذي قاده الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، قبل أن يحمل الكيان الموحد، عام 1351هـ/1932م، اسم المملكة العربية السعودية، فغدت العربية جزءًا أصيلًا من الاسم والهوية معًا.
وفي عهد الملك عبدالعزيز، رحمه الله، اقترن تثبيت مكانة العربية ببناء المؤسسات التعليمية التي ستنهض بمهمة تعليم الأجيال. فقد أُنشئت مديرية المعارف عام 1344هـ، وتوالى تأسيس المدارس، ثم أُنشئ المعهد العلمي السعودي لإعداد المعلمين، وجاءت بعد ذلك كلية الشريعة بمكة المكرمة عام 1369هـ لتفتح مرحلة التعليم العالي. ولم تكن هذه المؤسسات جميعها مخصصة لخدمة اللغة العربية وحدها، لكنها أسّست البيئة التعليمية التي أتاحت لها الانتشار، ورسخت حضورها في تكوين الإنسان السعودي ومؤسسات دولته الناشئة.
وفي عهد الملك سعود بن عبدالعزيز، رحمه الله، اتسعت دائرة التعليم، وبدأت العربية تجد موقعًا أكثر تخصصًا في مؤسسات التعليم العالي. ففي عام 1374هـ/1954م، افتُتحت كلية اللغة العربية بالرياض، لتكون أول كلية متخصصة في علوم العربية بالمملكة، وقد أصبحت لاحقًا، إلى جانب كلية الشريعة، نواة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي تأسست عام 1394هـ/1974م. وحين أُسست جامعة الملك سعود عام 1377هـ/1957م، كانت كلية الآداب منطلقها الأول، وضمّت قسمًا للغة العربية وآدابها، في دلالة على حضور العربية في البدايات الجامعية للمملكة. وشهد عهد الملك سعود أيضًا إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1381هـ/1961م، التي استقبلت طلابًا من بلدان إسلامية متعددة، وأسهمت، من خلال الدراسة بالعربية، في توسيع دائرة المتعلمين بها خارج المجتمع العربي. وهكذا أخذت العربية تتجاوز وظيفتها التعليمية داخل المملكة إلى دور أوسع في التواصل مع العالم الإسلامي.
وفي عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمه الله، اكتسب تعليم العربية للناطقين بغيرها بعدًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا. ففي 25 جمادى الآخرة 1394هـ/1974م، صدر المرسوم بإنشاء معهد اللغة العربية بجامعة الملك سعود، الذي بدأ عمله في العام التالي، وعُرف لاحقًا بمعهد اللغويات العربية. ولم يكن إنشاء المعهد مجرد إضافة إلى كليات الجامعة، بل خطوة متخصصة تستهدف تعليم العربية لغير الناطقين بها، وإعداد المعلمين وتأهيلهم لنقلها إلى مجتمعات وثقافات أخرى. وشهد عهده كذلك ترسيخ حضور العربية في المعاملات الاقتصادية؛ إذ أصدر مجلس الوزراء عام 1393هـ قراره رقم (1295) القاضي بإلزام الشركات الأجنبية باستعمال العربية في مكاتباتها ومعاملاتها. وعلى الصعيد الدولي، شهدت المحافل الأممية إنجازًا تاريخيًا باعتماد العربية لغة رسمية ولغة عمل في الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1973م، ثمرةً لجهد عربي جماعي شاركت المملكة في دعمه، امتدادًا لاهتمامها بتعزيز مكانة العربية وحضورها العالمي.
أما عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، رحمه الله، فقد شهد خطوات مهمة في حماية اللغة العربية نظاميًا وتوسيع تعليمها؛ إذ نص نظام القضاء الصادر عام 1395هـ على رسمية العربية في المحاكم، وتأكد خلال عهده إلزام الشركات والمؤسسات الأجنبية باستعمالها في مراسلاتها مع الجهات الحكومية. وهي قرارات تكشف أن صون اللغة لم يكن شأنًا ثقافيًا فحسب، بل امتد إلى القضاء والتعاملات الاقتصادية والإدارية. وفي ميدان تعليم العربية ونشرها، اتسعت المؤسسات المعنية بها داخل المملكة وخارجها؛ ومن أبرز شواهد ذلك إنشاء معهد العلوم الإسلامية والعربية في إندونيسيا عام 1400هـ/1980م، التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ليصبح أحد جسور التعليم والتواصل الثقافي السعودي في جنوب شرق آسيا. كما شهد عهده افتتاح معهد لتعليم اللغة العربية لغير العرب بالرياض عام 1401هـ، تابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتأسيس جامعة أم القرى بما ضمته من تخصصات ومؤسسات تخدم العربية وعلومها.
وفي عام 1402هـ، الذي تولى فيه الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، الحكم، تواصل تأكيد مكانة العربية في التعاملات الرسمية والاقتصادية؛ إذ رُفض طلب استثناء الهيئة الملكية للجبيل وينبع من استعمال العربية في تعاملاتها مع الشركات الأجنبية، وأُكد وجوب تحرير العقود ووثائقها باللغة العربية. وفي العام نفسه، صدر عن نائب رئيس مجلس الوزراء توجيه يؤكد استعمال العربية في كتابة لافتات الشركات والمؤسسات الأجنبية، انطلاقًا من أن «الاعتبارات الوطنية تقتضي بأن لا تُرفع لوحة إلا بلغة الدولة التي تقيم فيها الشركات والمؤسسات».
وكان للملك فهد بن عبدالعزيز إسهام مبكر في بناء التعليم السعودي؛ فقد كان أول وزير للمعارف حين أُنشئت الوزارة عام 1373هـ/1953م، وأشرف على مرحلة تأسيسية مهمة في مسيرة التعليم العام، اتسعت خلالها المدارس، وترسخت العربية لغةً للتدريس ووعاءً للمناهج والمعرفة. ثم جاءت المحطة الأبرز في عهده بصدور النظام الأساسي للحكم عام 1412هـ/1992م، الذي نصت مادته الأولى على أن المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية، وأن «لغتها هي اللغة العربية». ولم يكن هذا النص بداية الاعتراف الرسمي بالعربية، فقد سبقته قرارات وأنظمة منذ عهد التأسيس، لكنه مثّل تثبيتًا صريحًا لمكانتها في الوثيقة النظامية الأساسية للدولة، وربطًا مباشرًا بين اللغة وهوية المملكة.
وإلى جانب هذه العناية بمكانة العربية في التعليم والأنظمة والتعاملات الرسمية، شهد عهد الملك فهد بن عبدالعزيز إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، الذي مثّل مشروعًا علميًّا وحضاريًّا بارزًا في خدمة القرآن الكريم. وقد امتد أثره، من خلال العناية بطباعة المصحف وضبطه، والدراسات المتصلة بعلومه، وترجمات معانيه إلى لغات العالم، إلى خدمة النص القرآني وما يرتبط به من تراث لغوي وعلمي، في إطار رسالته الأساسية المتمثلة في خدمة كتاب الله ونشره.
وفي عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، دخلت العناية باللغة العربية وتمكينها، مرحلة جديدة من التخصص المؤسسي والانفتاح على الفضاء الرقمي؛ ففي عام 1429هـ/2008م صدرت الموافقة على إنشاء مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، ثم صدر تنظيمه عام 1431هـ، ليكون مؤسسة متخصصة تُعنى بالعربية بحثًا وتخطيطًا، وتطويرًا للمصطلحات، ودعمًا للدراسات والمشروعات اللغوية. ومن أعماله اللاحقة إصدار «مدونة قرارات اللغة العربية»، التي وثّقت 149 قرارًا متعلقًا باللغة صدرت على مدى عقود، بما يتيح تتبع العناية النظامية بها من خلال الوثائق والقرارات. وفي مسار موازٍ، انطلقت عام 2007م مبادرة الملك عبدالله للمحتوى العربي، بإشراف مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، لدعم حضور العربية على الإنترنت وتطوير مواردها الرقمية والمعرفية، في خطوة وسّعت ميادين خدمتها من التعليم والبحث والنشر إلى المحتوى الإلكتروني والتقنيات الحديثة. وامتد هذا الاهتمام إلى المحافل الدولية؛ ففي أكتوبر 2012م، اعتمد المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو، في دورته الـ190، مقترحًا تقدمت به المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية للاحتفاء بالثامن عشر من ديسمبر يومًا عالميًا للغة العربية، استحضارًا لليوم الذي اعتُمدت فيه العربية لغة رسمية ولغة عمل في الأمم المتحدة عام 1973م. وهكذا اجتمع العمل المؤسسي المتخصص، والتوجه نحو المحتوى الرقمي، والإسهام في تعزيز حضور العربية على المستوى الدولي.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أيّده الله، اتخذت هذه المسيرة بعدًا أكثر شمولًا. فقد عُرف الملك سلمان، منذ سنوات إمارته للرياض ورئاسته مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز، بعنايته بالتاريخ والثقافة والكلمة. ولم تكن العربية في خطابه شأنًا ثقافيًا عابرًا، بل جزءًا من تعريف الدولة نفسها، ورسالة يوجهها إلى الأجيال. ومن أقواله في هذا السياق: «بلادنا المملكة العربية السعودية دولة عربية أصيلة، جعلت اللغة العربية أساسًا لأنظمتها جميعًا، وهي تؤسس تعليمها على هذه اللغة الشريفة، وتدعم حضورها في مختلف المجالات، وقد تأسست الكليات والأقسام والمعاهد، وكراسي البحث في داخل المملكة وخارجها، لدعم اللغة العربية وتعليمها وتعلمها». وفي خطابه للشباب يقول: «نصيحتي الخالصة لأبنائي الشباب وبناتي الشابات أن يُقبلوا على تعلّم اللغة العربية ويتفننوا في استخدامها، فهي لغة دينهم ووطنهم وآبائهم وأجدادهم، وهذا لا يتعارض مع تعلم اللغات والعلوم الأخرى في مجالها الخاص». ويؤكد المعنى ذاته في قوله: «يجب على المواطن، وخاصة الشباب والشابات، أن ينهلوا من لغتهم العربية؛ ليتمكنوا من خدمة دينهم ووطنهم أكمل الخدمة».
ولم تكن هذه الجهود بمعزل عن المشروع الوطني الكبير الذي يقوده ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، مهندس رؤية المملكة 2030 وعرّابها، الرؤية التي انطلقت عام 2016م، وجعلت من تعزيز حضور اللغة العربية أحد مستهدفاتها الإستراتيجية في إطار تعزيز الهوية الوطنية ضمن محور «مجتمع حيوي»، إلى جانب غرس المبادئ والقيم الوطنية والمحافظة على تراث المملكة الإسلامي والعربي والوطني. وبهذا لم تعد مكانة العربية تُستمد من النصوص النظامية وحدها، بل أصبحت جزءًا من مشروع تنموي تتصل به البرامج والمبادرات، ويُتابع تحقيق مستهدفاته ضمن منظومة الرؤية. ومن خلال برامج تحقيقها، وفي مقدمتها برنامجا تنمية القدرات البشرية وجودة الحياة، اتسعت مجالات خدمة العربية، من التعليم والتأهيل إلى الثقافة والإبداع والمشاركة المجتمعية، بما يربط الاعتزاز بها بقدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية والمعرفية والتقنية.
وفي هذا السياق، أُنشئ مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية بقرار مجلس الوزراء عام 1442هـ/2020م، ليكون مؤسسة متخصصة في خدمة العربية وتعزيز حضورها محليًا وعالميًا، ضمن المنظومة الثقافية الوطنية التي تقودها وزارة الثقافة برئاسة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، الذي يرأس أيضًا مجلس أمناء المجمع. وكانت الوزارة قد أعلنت رؤيتها وتوجهاتها في مارس 2019م، وعدّت اللغة أحد القطاعات الثقافية الستة عشر، في دلالة على حضور العربية في التخطيط الثقافي الوطني. كما خصصت عام 2020م للاحتفاء بالخط العربي، ومُدد الاحتفاء إلى عام 2021م، ثم وافق مجلس الوزراء على تسمية عام 2023م «عام الشعر العربي». وتتولى هيئة الأدب والنشر والترجمة، التي أُنشئت عام 1441هـ/2020م، دعم النشر والترجمة وإثراء المحتوى المعرفي العربي.
ويعمل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية عبر أربعة قطاعات متكاملة: التخطيط والسياسة اللغوية، والحوسبة اللغوية، والبرامج التعليمية، والبرامج الثقافية. وتتولى أمانته العامة قيادة هذه الجهود برئاسة الأستاذ الدكتور عبدالله بن صالح الوشمي، وبمشاركة نائب الأمين العام الأستاذ الدكتور إبراهيم أبانمي، في عمل مؤسسي تتكامل فيه الرؤية العلمية مع الإدارة التنفيذية، وتتضافر فيه جهود الباحثين والمتخصصين وفرق العمل، لتتحول الأهداف إلى مشروعات معرفية وتعليمية وثقافية يتسع أثرها داخل المملكة وخارجها. وتتجلى ثمار هذه الجهود في مشروعات نوعية، من أبرزها، «معجم الرياض للغة العربية المعاصرة»، الذي أُطلق عام 1445هـ/2023م، ويضم نحو 120 ألف مدخل معجمي، استند بناؤها إلى مدونات لغوية تقارب 400 مليون كلمة. ومنها منصة «فلك» للمدونات اللغوية، التي ضمت عند إطلاقها أكثر من مليار ونصف مليار كلمة، ومنصة «المستشار اللغوي». وفي تعليم العربية للناطقين بغيرها، أطلق المجمع منصة «أهلًا وسهلًا» لتيسير تعلم العربية، واختبار «همزة» لقياس الكفاية اللغوية وفق الإطار الأوروبي المرجعي المشترك للغات. وتمتد جهود المجمع إلى الخارج عبر برنامج «شهر اللغة العربية»، الذي حمل فعالياته وخبراته التعليمية إلى عدد من البلدان شرقا وغربا، فضلًا عن برامج الانغماس اللغوي والثقافي القصيرة. ويكرّم المجمع العاملين في خدمة العربية حول العالم بجائزته السنوية، موزعة على أربعة فروع: التعليم، والحوسبة، والبحث العلمي، ونشر الوعي اللغوي. وهي منجزات تعكس اتساع رسالة المجمع، وتكشف أثر العمل الذي يجمع بين العناية بالتراث اللغوي، واستثمار أدوات المعرفة الحديثة.
ومن المبادرات التي تجسّد هذا الامتداد الحضاري مركز «أبجد» لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، إحدى مبادرات المجمع التي جعلت من تعليم العربية تجربة تتجاوز قاعات الدرس إلى معايشة المجتمع السعودي والتعرف على ثقافته وقيمه. فمن بين نحو عشرين ألف متقدم سنويًا، يستقبل المركز قرابة 150 طالبًا وطالبة، فيما بلغ عدد الجنسيات التي استقبلها نحو 50 جنسية من مختلف أنحاء العالم. وخلال ثمانية أشهر من الدراسة المكثفة، يكتسب الطلاب القدرة على التواصل بالعربية والتعبير بها عن أفكارهم وتجاربهم، وقد تجلت بعض ثمار هذه التجربة في ظهور عدد من طلابه في برامج حوارية مباشرة على قناة «روتانا خليجية»، أظهروا خلالها كفاية لغوية وثقافية لافتة، استرعت اهتمام الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة، فزار المجمع والتقى بالطلاب، وأشاد بما تحقق من نتائج، مثمّنًا جهود القائمين على البرنامج، في دلالة على ما تحظى به العربية من عناية واهتمام.
ومن خلال تجربتي في إدارة مركز أبجد منذ إطلاقه عام 2023، رأيتُ عن قرب كيف تتجاوز رسالة تعليم العربية حدود القاعات الدراسية، لتترك أثرها في حياة المتعلمين وعلاقتهم بالمملكة وثقافتها ومجتمعها. فقد عايشتُ رحلة هؤلاء الدارسين منذ وصولهم إلى المملكة، وهم يخطون خطواتهم الأولى في تعلم العربية، حتى مغادرتهم وقد اتسعت حصيلتهم اللغوية، وتعمقت معرفتهم بالثقافة السعودية، وتكونت لهم صداقات وذكريات وتجارب لا تنتهي بانتهاء البرنامج. ويقوم نموذج «أبجد» التعليمي على التركيز على الفصحى المعاصرة ولغة التواصل اليومي، مع تعريف الدارسين باللغة البيضاء التي تيسر تفاعلهم مع المجتمع السعودي، بما يعزّز كفاياتهم اللغوية والثقافية والتداولية. ويتكامل التعليم داخل القاعات مع برنامج «الشريك اللغوي»، الذي يجمع الدارسين الدوليين بطلاب وطالبات سعوديين، وزيارات الأسر السعودية التي تتيح لهم معايشة الحياة الاجتماعية واستخدام العربية في مواقف طبيعية. كما تسهم فعالية «ثقافات الشعوب»، والزيارات الثقافية والتراثية والمشاركة في المناسبات المجتمعية والمعرفية، في جعل المملكة نفسها فضاءً للتعلم، وتمديد أثر التجربة التعليمية إلى ما وراء قاعات الدراسة. وقد أظهرت تجربة «أبجد» إمكان تحقيق تقدم لغوي ملموس خلال ثمانية أشهر من الدراسة المكثفة، من خلال تكامل التعليم المنظم والممارسة اليومية والانغماس الثقافي، بما يجعل هذا النموذج جديرًا بالدراسة والإفادة منه في مؤسسات تعليمية أخرى. ولعل أجمل ما لمسته في هذه التجربة أن العربية لم تعد لدى كثير من الدارسين لغة يتعلمونها فحسب، بل أصبحت وسيلة للتعارف والتقارب بين ثقافات متعددة، يحملون معها عند مغادرتهم المملكة مشاعر محبة وتقدير لبلد فتح لهم أبواب لغته وثقافته ومجتمعه.
كما تمثل وزارة التعليم، التي يتولى قيادتها اليوم معالي الوزير الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان، الحاضنة الأوسع للعربية؛ فالعربية لغة التعليم في المراحل الدراسية كافة، ولمقرراتها حيز واسع في الخطط الدراسية للتعليم العام. بل إن لائحة المدارس الأجنبية تُلزم كل مدرسة أجنبية في المملكة بتدريس مبادئ اللغة العربية والحضارة الإسلامية وتاريخ المملكة وجغرافيتها. وفي التعليم الجامعي، تضم الجامعات السعودية كليات وأقسامًا للغة العربية تمنح البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في النحو والصرف، والبلاغة والنقد، والأدب، واللغويات العربية. أما الناطقون بغيرها فتستقبلهم معاهد تعليم اللغة العربية المنتشرة في جامعات المملكة، ومنها معهد اللغويات العربية بجامعة الملك سعود (سابقا)، ومعاهد جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة أم القرى، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وغيرها من المعاهد والمراكز والبرامج، وفيها يدرس طلاب المنح من شتى أنحاء العالم.
ولم تقتصر العناية بالعربية على المؤسسات، بل تجلّت أيضًا في مواقف رجال دولة وأدباء جعلوا من خدمتها رسالة ثقافية ووطنية. ويبرز في هذا السياق صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، الأديب والشاعر، الذي تحتل العربية في وجدانه مكانة الهوية والانتماء، ويعبّر عن اعتزازه بها بقوله: «شرّفني الله ثم خادم الحرمين الشريفين بخدمة البيت الأمين، فوهبت حياتي لخدمة لغة القرآن والمسلمين في هذا الزمان والمكان، كيف لا؟ وهي قمة البيان وهوية الإنسان». وفي احتفاء إمارة منطقة مكة المكرمة باليوم العالمي للغة العربية، ربط العناية بها بمكانتها الدينية والحضارية، قائلًا: «لقد كرّمنا الله أن تكون لغة آخر الكتب السماوية بلغتنا، وبعث فينا ومن الأمة العربية آخر رسله محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن مصدر الشرف والفخر لنا مجاورة بيته العتيق ومسجد رسوله الكريم، وهذه الأمور تحتم علينا العناية باللغة العربية والاحتفاء بها». ولم تقتصر مناصرته للعربية على القول، بل تجلّت أيضًا في مواقفه العملية؛ إذ دعا، إبان توليه وزارة التربية والتعليم، إلى التزام المعلمين والمعلمات باللغة العربية الفصحى في مدارس التعليم العام، إدراكًا لدور المدرسة في ترسيخ العربية لدى الأجيال الناشئة.
ومن المهم، عند استعراض هذه المسيرة، استحضار بعض المبادرات الجامعية المبكرة التي أسهمت في التأسيس للتحول الرقمي في تعليم العربية، وحضورها في الفضاء الإلكتروني، ومهّدت لما نشهده اليوم من توسع في المنصات التعليمية والتطبيقات اللغوية. ومن هذه المبادرات مشروع «العربية التفاعلية» الذي أطلقته جامعة الملك سعود عام 2012م، وكان لي شرف اقتراح فكرته ورئاسة فريقه، في تجربة سعت إلى تقديم العربية للناطقين بغيرها من خلال الوسائط الرقمية والتطبيقات التفاعلية. وتواصل هذا المسار عام 2015م مع مشروعي «العربية على الإنترنت» و«الاختبار المعياري للغة العربية» بالجامعة السعودية الإلكترونية، اللذين توليت إدارتهما التنفيذية لأكثر من ثلاث سنوات، ودشّنهما آنذاك معالي وزير التعليم. ولم تكن هذه المشروعات مجرد نقل للمحتوى التعليمي إلى الشاشة، بل خطوات عملية لتجاوز حواجز المكان والزمان، وتوسيع فرص تعلم العربية، وتطوير أدوات علمية لقياس المهارات اللغوية. وقد شكّلت هذه التجارب المبكرة امتدادًا لجهود الجامعات السعودية في توظيف التقنية لخدمة العربية، ومهّدت لمرحلة أكثر اتساعًا من المنصات الرقمية والاختبارات اللغوية المتخصصة.
وفي الوقت الذي امتدت فيه برامج تعليم العربية إلى متعلمين من دول وثقافات متعددة، أخذت التقنيات الحديثة موقعًا متقدمًا في هذه الجهود. ففي سبتمبر 2024م أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية مؤشر «بَلْسَم»، ضمن مبادرات مركز «ذكاء العربية» التابع للمجمع. ويقيس المؤشر كفاءة النماذج اللغوية الكبيرة في معالجة العربية عبر 67 مهمة ونحو 50 ألف سؤال. ثم أطلق المجمع «حزمة معايير الحوسبة اللغوية العربية». وهنا تتجلى صورة مختلفة لخدمة اللغة؛ فبعد أن كان التحدي الأول تثبيت حضورها في المدرسة والإدارة، أصبح من تحديات الحاضر ضمان قدرتها على العمل بكفاءة في التطبيقات الرقمية والأنظمة الذكية.
غير أن قراءة هذا التاريخ لا تكتمل بمجرد إحصاء المؤسسات والقرارات؛ فالمسافة بين إصدار الأنظمة وتطبيقها ظلت أحد التحديات التي رصدتها دراسات السياسة اللغوية السعودية. ومن هنا تكتسب السياسة الوطنية للغة العربية، التي أقرها مجلس الوزراء في 15 شعبان 1447هـ (3 فبراير 2026م)، أهميتها الخاصة. فهي لا تضيف قرارًا جديدًا إلى ما سبقه، بل تبني مرجعية جامعة تنظم حضور العربية في أعمال الجهات العامة والتعليم والإعلام والأعمال والمشهد الثقافي والدولي، وتربط مكانتها في هوية الدولة بمتطلبات استخدامها الفعلي. ويبقى نجاحها، كنجاح ما سبقها، مرهونًا بأثرها في الممارسة اليومية، لا في النصوص الرسمية وحدها.
وهكذا، من قرار مبكر يؤكد رسمية العربية قبل توحيد المملكة، إلى معاهد في الداخل والخارج، ونص نظامي يثبت مكانتها، ومجمع عالمي وسياسة وطنية، ومنصات رقمية، تتضح ملامح مسيرة امتدت عبر عهود الملوك السبعة، واختلفت أدواتها باختلاف حاجات كل مرحلة. لقد ظلت العربية في هذه المسيرة أكثر من إرث يُحتفى به؛ كانت لغة دولة تُبنى، وتعليم يتسع، وثقافة تعبر الحدود، وهوية تتجدد. واليوم، إذ تدخل العربية عصر الذكاء الاصطناعي، فإن امتداد تلك العناية لا يُقاس بما حُفظ من ماضيها وحده، بل بما يُفتح أمامها من آفاق؛ لتكون لغة فاعلة في صناعة المعرفة والمستقبل.