تتداخل العوامل التي تحرّك إيران في سلوكها الحالي في الحرب، لا سيّما في إظهار عدائها وازدرائها للدول العربية، وذلك عبر الاعتداءات المباشرة عليها أو عبر دعم وتحريك أذرعها والتستّر خلفها. تدّعي إيران أن اعتداءاتها على الدول العربية تهدف إلى ضرب الأهداف والمصالح الأمريكية، ثمّ تدّعي أن دعمها للأذرع المنتشرة في اليمن والعراق ولبنان بأتي في إطار عقيدة تصدير الثورة تحت ذريعة «دعم الشعوب والحركات المستضعفة». ولا ضرورة للتذكير بأن هذه الحركات أو الأذرع جعلت من بلدانها ساحات لتأمين مصالح إيران ولو على حساب أمن بلدانها، وأدوات لتحدّي الدولة والانقلاب على القوانين والأعراف، فضلاً عن تشكيل تهديد عابر للحدود للدول الأخرى.

تغالي إيران في إظهار فائض القوة، وتغالي في الإصرار على تكريس لغة تهديدية تجيز لنفسها من خلالها تهديد الدول والشعوب بما تعتبره حقّا لها، عبر تنصيب نفسها شرطيّ المنطقة، والإصرار على معادلة تقوم على دفع الدول المحيطة إما إلى الخضوع لما تراه مناسباً لمصلحتها أو مواجهة استمرار الاعتداءات وتهديد أمن الدول تحت ذريعة «محاربة الوجود الأجنبي» في المنطقة.

لكن خلف كل ذلك، ثمّة خوف يلاحق الذاكرة الجمعية الإيرانية ويؤرق حاضرها، وهو ما يفسّر الكثير من أسباب سلوكها العدواني الحالي. يعود هذا الخوف إلى ما بات يسمّى في الأدبيّات السياسية الإيرانية «متلازمة تركمانجاي»، وهي تعبّر عن خوف مزمن لدى الإيرانيين من المفاوضات الدولية والاتفاقيات الديبلوماسية. لهذا، تنظر القيادات الإيرانية المتعاقبة إلى التسويات السياسية مع القوى الخارجية على أنها «خيانة» أو تكرار لتجارب مذلّة في التاريخ الإيراني، وتحديداً معاهدة تركمنشاي وهي اتفاقية بين إيران القاجارية والإمبراطورية الروسية عام ١٨٢٨، أجبرت فيها إيران على التنازل عن أراضٍ كانت تسيطر عليها في جنوب القوقاز، لا سيما في مناطق أرمينيا وأذربيجان.

من هنا، يمكن فهم تصريح المرشد الإيراني السابق الخميني عندما قبل التسوية مع العراق عام ١٩٨٨ بالقرار الأممي ٥٩٨ الذي مهّد لوقف الحرب الإيرانية-العراقية بقوله إنه «تجرّع كأس السمّ». وكأس السمّ هذا، في الذاكرة الإيرانية، هو التفاوض والقبول بتسوية سياسية أعادت إلى الأذهان الخسارة. وثمّة تشابه في الظروف التي أدت إلى خسارة الإيرانيين في الحربين، يبدأ في الإصرار على المواجهة العسكرية ورفض أي تسوية ممكنة، ثمّ الرضوخ إلى التفاوض والتسوية بفعل ليس بسبب الخسائر أو الكلفة العسكرية فحسب، لكن أيضا بفعل الكلفة الاقتصادية وعدم قدرة إيران على تحمّل الخسائر الاقتصادية وبالتالي ضبط الأمن الداخلي.

من هنا، يمكن فهم سياق الانتقادات التي وصلت إلى حدّ التخوين، والتي تعرّض لها الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، عندما تمّ توقيع الاتفاق النووي عام ٢٠١٥ والذي نصّ على رفع عقوبات مرتبطة بالبرنامج النووي وفق شروط محدّدة. فالتفاوض بالنسبة للإيرانيين هو دليل ضعف والتسوية هي خيانة، أضف إليها استغلال الدين والشعارات الثورية للاستمرار في حالة الحروب وسياسة الاستنزاف وشراء الوقت، والبقاء في حالة عداء مع أي قوة خارجية.

يستحضر الإيرانيون اليوم ذاكرتهم المثقلة بالخسارة في النقاش حول حقيقة مفهوم الربح والخسارة في سلوكهم. أيضاً، إن انقلاب السحر على الساحر عبر فرض الحصار على مضيق هرمز وتحوّل هذه الورقة إلى عبء على إيران نفسها، بالإضافة إلى تشديد الحصار الاقتصادي من قبل الرئيس ترمب يعيد إلى الذاكرة الجمعية الإيرانية كل مسار الخسارات بدءا من ١٨٢٨. التاريخ يعيد نفسه في بعض تفاصيله، فهل تسقط إيران للمرة الثالثة؟