لم يكن الكاتب الجزائري حامد ياسين يتوقع أن يتحول حفل توقيع روايته الجديدة إلى لحظة قاسية تختصر خيبة الأمل التي قد يعيشها المبدعون حين لا يجدون من يصغي إلى أعمالهم. فبدلاً من لقاء يجمعه بقرائه ويناقشون خلاله روايته، وجد نفسه أمام قاعة خالية تماماً من الحضور، في مشهد مؤثر انتهى بانهياره باكياً، قبل أن ينتشر المقطع المصوّر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثيراً موجة من التعاطف معه.
وشهدت مدينة بئر العاتر بولاية تبسة الجزائرية الواقعة، حيث كان من المقرر أن يوقّع ياسين نسخاً من روايته الجديدة «سفيرة من الريف»، ويقرأ مقاطع منها أمام الجمهور. لكن الموعد الذي كان يفترض أن يشكل محطة مهمة في مسيرته الأدبية مرّ من دون حضور أي قارئ، باستثناء الشخص المكلّف بإدارة اللقاء.
وسرعان ما تجاوزت الواقعة حدود المدينة الجزائرية، لتفتح باباً واسعاً للنقاش حول علاقة الأدباء بجمهورهم، والتحديات التي تواجه المبدعين في الوصول إلى القراء، وسط تفاعل لافت من كتّاب ومثقفين ونقاد من مختلف أنحاء العالم العربي، عبّروا عن تضامنهم مع ياسين، فيما رأى كثيرون أن هذه التجربة المؤلمة قد تتحول إلى نقطة انطلاق جديدة في مسيرته الأدبية.
في المقابل، أعادت الحادثة طرح تساؤلات حول طبيعة الأدب ومدى قدرته على استقطاب جمهور واسع، في ظل الرأي القائل إن الفعاليات الأدبية غالباً ما تخاطب شريحة محدودة من المهتمين بالثقافة. غير أن هذا الطرح لم يمنع كثيرين من التوقف عند الفارق بين لقاء ضعيف الحضور، لا يضم سوى عدد قليل من القراء، وفعالية لا يحضرها أحد على الإطلاق، وهو ما يجعل تجربة الكاتب الجزائري أكثر إيلاماً.
صدمة مؤلمة
ومن بين التعليقات التي لاقت تفاعلاً واسعاً، برز منشور الكاتب المغربي سعيد حاجي، الذي حاول استحضار الحالة النفسية التي ربما عاشها ياسين قبل موعد التوقيع، متخيلاً حجم الاستعدادات والتوقعات التي رافقت هذا اللقاء.
وكتب حاجي عبر صفحته على «فيسبوك» أنه حاول تخيل ما كان يدور في ذهن الكاتب خلال الأيام التي سبقت الفعالية، مرجحاً أنه أمضى أسبوعاً كاملاً في التحضير لها، ومراجعة أفكاره وترتيب إجاباته عن الأسئلة التي توقع أن يطرحها القراء حول روايته.
وتخيّل الكاتب المغربي مشهداً مختلفاً تماماً عما حدث، تتوزع فيه الوجوه بين قراء ينتظرون توقيع نسخهم، ومثقفين يناقشون الأفكار الواردة في الرواية، وآخرين يسعون إلى إخبار صاحبها بأن كلماته لامست شيئاً عميقاً في نفوسهم.
لكن تلك التوقعات، كما صوّرها حاجي في منشوره، اصطدمت بواقع قاسٍ؛ فبدلاً من الأسئلة والنقاشات والتصفيق، لم يجد الكاتب سوى مقاعد فارغة وصمت يملأ القاعة، في لحظة يصعب فيها على المبدع أن يتجاوز الفجوة بين ما بذله من جهد في كتابة عمله، وما وجده من استجابة على أرض الواقع.
وتساءل حاجي عن الكلمات التي يمكن أن يستعين بها الإنسان لتخفيف وطأة مثل هذه اللحظة، وعن قدرة الكاتب على مواصلة الحديث عن أفكاره حين لا يجد من يستمع إليه، أو استحضار العزاء أمام المسافة بين سنوات قضاها في بناء عالمه الأدبي، وواقع لم يمنح ذلك العالم فرصة للوصول إلى جمهوره.
لمن يكتب الأدباء
وفي ختام تعليقه، أعاد الكاتب المغربي الواقعة إلى سؤال أوسع يتجاوز تجربة ياسين الشخصية، ليمسّ جوهر العلاقة بين الكاتب والقارئ، قائلاً إن ما حدث يعيد إلى الأذهان تساؤلات طالما شغلت المثقفين حول الغاية من الكتابة، والجهة التي يتوجه إليها الأدباء بخلاصة تجاربهم وقلقهم وتأملاتهم في الحياة.
وطرح حاجي تساؤلات بشأن موقع الكتاب في الحياة اليومية للناس، والصعوبات التي قد يواجهها الكاتب في العثور على فرصة للحديث عن عمل أمضى أشهراً، وربما سنوات، في إنجازه.
وبين دموع كاتب أمام قاعة خالية، وتضامن واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، تجاوزت الحادثة حدود حفل توقيع لم يحضره أحد، لتتحول إلى مناسبة للنقاش حول واقع القراءة، ومكانة الأدب في المجتمع، والتحديات التي تواجه المبدعين في إيصال أصواتهم إلى الجمهور.