تعد الاعتداءات التي نفذتها مليشيا الحوثي الإرهابية ضد المنشآت والأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية من الأفعال المحرمة شرعاً والمجرمة قانوناً، لما تنطوي عليه من استهداف للمدنيين وممتلكاتهم، وتهديد للمرافق العامة والبنى التحتية الحيوية التي يرتبط بها أمن المجتمع واستقراره واستمرار الخدمات الأساسية فيه. كما تمثل هذه الاعتداءات انتهاكاً صارخاً للمبادئ الإنسانية التي أكدت عليها الشريعة الإسلامية، وللقواعد القانونية الدولية التي أرست حماية خاصة للأشخاص المدنيين والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة.
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بأحكام راسخة تهدف إلى حفظ الضرورات الخمس، وفي مقدمتها حفظ النفس والمال، فحرمت جميع صور العدوان والإفساد في الأرض، وأوجبت صيانة الحقوق والممتلكات العامة والخاصة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعتَدوا إِنَ اللَهَ لَا يحِب المعتَدِينَ﴾ «البقرة: 190»، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تفسِدوا فِي الأَرضِ بَعدَ إِصلَاحِهَا﴾ «الأعراف: 56». ومن هذا المنطلق، فإن استهداف المنشآت المدنية والمرافق الحيوية وما يترتب عليه من ترويع للمدنيين وإلحاق الضرر بمصالحهم ومقدراتهم الاقتصادية والخدمية يعد صورة من صور العدوان المحرم والإفساد في الأرض، لما ينجم عنه من أضرار جسيمة تمس أمن المجتمع وسلامته ومصالحه العامة، وتتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية القائمة على تحقيق الأمن وحماية الإنسان ومقدراته.
وفي الإطار القانوني الدولي، تعد حماية المدنيين والأعيان المدنية من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني، حيث كرست الاتفاقيات والمواثيق الدولية قواعد واضحة تحظر استهدافهم أثناء النزاعات المسلحة، وتلزم أطراف النزاع باحترامهم وتوفير الحماية اللازمة لهم. وتعد الاعتداءات التي تستهدف المنشآت المدنية مخالفة صريحة لهذه القواعد، ولا سيما الأحكام الواردة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 التي تشكل الأساس القانوني الدولي لحماية ضحايا النزاعات المسلحة. فقد أكدت اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب ضرورة احترام المدنيين وممتلكاتهم، وحظرت أعمال التدمير التي لا تقتضيها الضرورات العسكرية المشروعة.
كما عزز البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977 هذه الحماية من خلال تأكيده في المادة (48) على مبدأ التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، وإلزام أطراف النزاع بقصر عملياتها العسكرية على الأهداف العسكرية فقط. ونصت المادة (52) منه على حماية الأعيان المدنية ومنع جعلها هدفاً للهجمات أو الأعمال الانتقامية، ما لم تتحول إلى أهداف عسكرية مشروعة. كذلك حظرت المادة (54) مهاجمة أو تدمير أو تعطيل الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين، بما في ذلك مصادر المياه والغذاء والمحاصيل الزراعية ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون في حياتهم اليومية.
وفي السياق ذاته، أكد البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977، المنظم للنزاعات المسلحة غير الدولية، ضرورة حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية، وحظر استهداف المرافق والأعيان اللازمة لبقائهم أو تعريضها للتدمير أو التعطيل بما يهدد حياتهم أو أمنهم المعيشي.
أما على صعيد المسؤولية الجنائية الدولية، فقد نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 على تجريم الاعتداءات الموجهة ضد المدنيين والأعيان المدنية، واعتبر العديد من هذه الأفعال من جرائم الحرب التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية. ومن أبرز صور هذه الجرائم تعمد توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم المدنية، أو ضد الأعيان المدنية التي لا تشكل أهدافاً عسكرية، أو مهاجمة المنشآت الإنسانية وبعثات حفظ السلام المشمولة بالحماية القانونية، أو شن هجمات مع العلم بأنها ستؤدي إلى أضرار واسعة أو مفرطة بالمدنيين والأعيان المدنية مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة من الهجوم.
كما أولت اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة عناية خاصة بالممتلكات الثقافية والتاريخية والدينية، إذ حظرت استهدافها أو استخدامها على نحو يؤدي إلى إتلافها أو تدميرها أثناء النزاعات المسلحة، وأقرت لها حماية قانونية خاصة.
وتشمل الحماية المقررة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني مجموعة واسعة من المنشآت والأعيان المدنية، من بينها المطارات المدنية، والموانئ والمنشآت الخدمية، والمستشفيات والمراكز الصحية، والمدارس والجامعات، وشبكات المياه والكهرباء، والمنشآت الزراعية والغذائية، والمواقع الثقافية والتاريخية والدينية، إضافة إلى المساكن والأحياء السكنية والمنشآت التجارية. وتظل هذه الأعيان متمتعة بالحماية القانونية ما دامت لا تستخدم في أغراض عسكرية تجعلها أهدافاً عسكرية مشروعة وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.
وخلاصة القول، فإن الاعتداء على المنشآت والأعيان المدنية يمثل انتهاكاً مزدوجاً لأحكام الشريعة الإسلامية وقواعد القانون الدولي الإنساني؛ فالشريعة الإسلامية تحظر العدوان والإفساد في الأرض وتوجب حماية الأنفس والأموال والمصالح العامة، بينما تؤكد المواثيق الدولية على الحماية القانونية للمدنيين والأعيان المدنية وتحظر استهدافها أثناء النزاعات المسلحة. ومن ثم فإن استهداف المنشآت والأعيان المدنية أو تدميرها دون مبرر عسكري مشروع يعد انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى في بعض الحالات إلى جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الدولية وفقاً لأحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وبناءً على ذلك، فإن الاعتداءات التي استهدفت المنشآت والأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية تشكل أفعالاً غير مشروعة شرعاً وقانوناً، وتمنح الدولة المتضررة، وفقاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الحق في اتخاذ التدابير المشروعة اللازمة لحماية أمنها والدفاع عن أراضيها ومواطنيها، فضلاً عن السعي إلى مساءلة المسؤولين عن تلك الانتهاكات أمام الجهات والآليات القانونية والقضائية المختصة وفقاً لأحكام القانون الدولي.