ليس من الإنصاف أن يُقرأ تاريخ المملكة العربية السعودية مع اليمن من آخر فصوله. فقد امتدت أيادي المملكة البيضاء إلى بلادنا على مدى عقود، فبنت المدارس، وشقّت الطرق، وجهّزت المستشفيات، وفتحت أبوابها أمام أسر يمنية وجدت فيها فرص العمل ومصادر العيش.
وبين هذا التاريخ وما نشهده اليوم مفارقة تستحق التأمل. فهي تكشف جانباً من الدور السعودي البارز، الإنساني والأخوي، في وقت أعلت فيه الجماعة الحوثية منطق السلاح، وجوّعت اليمنيين ودمّرت بلدهم، ورهنته لمصالح إقليمية.
لقد كان الحضور السعودي في اليمن أوسع من المساعدات الرسمية. فمن مشاريع التنمية في القطاعات الحيوية، إلى العلاقات الاقتصادية والتجارية، تشكّلت شبكة من المصالح والروابط الإنسانية تجاوزت تقلبات السياسة واختلاف الحكومات. وإلى جانبها فرص العمل التي أتاحتها المملكة لليمنيين، وما نتج عنها من تحويلات المغتربين التي أعالت ملايين الأسر عبر عقود.
ومع اشتداد الأزمة اليمنية وتراجع موارد الدولة وجهودها بفعل الانقلاب الحوثي، تغيّرت طبيعة الاحتياج. فلم تعد الأولوية لمشاريع البناء وحدها، بل للحفاظ على قدرة المؤسسات على العمل. وهنا برزت أهمية المساندة السعودية للاقتصاد اليمني، من دعم الموازنة ومنح الوقود، إلى تمويل مشاريع الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والبنية الأساسية.
وتشير بيانات البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن إلى أن الدعم الاقتصادي والتنموي المقدَّم لليمن تجاوز 12.6 مليار دولار خلال الفترة من 2012، إلى عام 2026، فضلًا عن جهود إغاثية وإنسانية واسعة. وقد تواصلت حزم الدعم حتى العام الحالي رغم استمرار المخاطر الأمنية والتحديات الاقتصادية.
ولعل قيمة هذا الجهد تتجلى بصورة أوضح حين ننظر إليه من موقع المواطن لا من صفحات التقارير. فالمستشفى الذي يواصل عمله بفضل الكهرباء والوقود ليس رقماً في سجل المشاريع، وإنما فرصة إضافية لإنقاذ مريض. والراتب الذي يصل إلى موظف، والطريق الذي يختصر رحلة الدواء، والمدرسة التي تستقبل أبناء قرية نائية، شواهد على أن التنمية تُقاس بما تُحدثه في حياة الناس، لا بما يُنفق عليها وحده.
ومن واقع العمل في القطاع الصحي، ندرك كيف يمكن لانقطاع خدمة تشغيلية واحدة أن يعطّل مرفقاً بأكمله، وكيف يصبح دعم البنية الأساسية في أوقات الأزمات مسألة تتصل مباشرة بحياة الإنسان وكرامته. اخرها الدعم السعودي لتشغيل مستشفيات كل من سقطرى وشبوة والمخاء وإنشاء مرافق صحية في كل من الضالع وتعز ولحج فضلا عن كثير من الدعم لقطاع الصحة.
ولم يكن هذا الامتداد الإنساني حكرًا على اليمن. فقد ساهمت المملكة، عبر مؤسساتها التنموية والإغاثية، في تمويل مشاريع ومساعدات في دول عربية وإسلامية وغيرها، شملت الصحة والتعليم والغذاء والمياه والإيواء ومواجهة الكوارث. وهي تجربة تستحق أن تُقرأ بما أحدثته من أثر، لا أن تُختزل في عناوين المناسبات والبيانات الرسمية.
غير أن أكثر ما يبعث على الأسى في المشهد الراهن أن المملكة، التي موّلت مشاريع مدنية وتنموية على الأرض اليمنية، تواجه اعتداءات تنطلق من تلك الأرض وتستهدف منشآتها ومرافقها الحيوية.
لقد أظهرت الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة أن الخطر تجاوز حدود المواجهة الداخلية اليمنية، وأصبح يمس أمن المنشآت المدنية وحركة الطيران والطاقة والملاحة، ويفرض أعباءً أمنية واقتصادية تتجاوز مواقع الاستهداف المباشر.
ولا تقف خطورة هذه الاعتداءات عند ما تُحدثه من أضرار، بل تمتد إلى ما تفتحه من احتمالات التصعيد. ومن الصعب تفسير تطور القدرات العسكرية الحوثية دون النظر إلى الدعم الإيراني الذي وثّقت جوانب منه تقارير محددة، مثل: تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة ولا سيما ما يتعلق بالصواريخ والطائرات المسيّرة ونقل التكنولوجيا والخبرات. غير أن وجود هذا الدعم لا يُلغي مسؤولية الجماعة عن قراراتها، ولا يغيّر حقيقة أن اليمنيين يدفعون ثمن تحويل بلدهم إلى ساحة متقدمة لصراعات دولة إقليمية.
فالأخطر من امتلاك السلاح أن يغدو القرار بشأن استخدامه منفصلًا عن مصالح الناس ومستقبل البلاد. وما من وطن يستطيع أن ينهض بينما تُستنزف موارده في صراعات لا تنتهي، أو تُدار قضاياه المصيرية خارج مؤسساته الدستورية.
وإذا كانت المملكة قد تحمّلت أعباءً أمنية واقتصادية متزايدة، فمن المهم ألا يُغفل دورها في دعم الجهود السياسية الرامية إلى إنهاء الحرب، بما فيها المساعي التي جرت بالتنسيق مع سلطنة عُمان وبرعاية الأمم المتحدة. فقد أظهرت سنوات الصراع أن معالجة المخاطر الأمنية لا تنفصل عن الحاجة إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار، تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة وتحدّ من أسباب تجدد الحرب.
لكن السلام لا يكتسب معناه الحقيقي بمجرد توقف المواجهات. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم، ولا تملك سلطة إنفاذ القانون على أراضيها، ستظل عرضة للاضطراب مهما تعددت الاتفاقات والضمانات.
وهنا تقع المسؤولية على عاتق اليمنيين قبل غيرهم. فما تقدمه الدول الشقيقة، مهما اتسع، لا يستطيع أن يعوّض ضعف المؤسسات. ولا يمكن تحويل المساعدة إلى نهوض مستدام ما لم تقترن بإدارة مسؤولة وإصلاح اقتصادي ومشروع وطني يستعيد للدولة مكانتها وللمواطن ثقته بها.
وليس اليمن صورة الجماعة الحوثية ولا امتدادًا لقراراتها. إنه شعب أنهكته الحرب وتراجعت أمامه فرص العمل والتعليم والخدمات، لكنه لا يزال يمتلك من الطاقات البشرية ما يؤهله للنهوض متى توافرت شروط الاستقرار وحسن الإدارة. ومن الإنصاف ألا يُحمَّل الشعب اليمني تبعات أفعال جماعة مسلحة، وألا يُسمح للحرب بأن تطمس الروابط الإنسانية والاجتماعية التي صمدت أمام أزمات كثيرة.
لقد بنت المملكة خلال العقود الماضية تجربة تنموية واقتصادية واسعة، وامتدت مساعداتها إلى خارج حدودها، فيما أظهرت التحديات الراهنة حجم المخاطر التي تفرضها الصراعات المسلحة على أمن الدول ومصالح الشعوب.
أما اليمن، فدرسه الأقسى بعد هذه السنوات أن الدولة ليست ترفًا سياسيًا يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورة لحماية الإنسان وصون السيادة وتنظيم المصالح. وحين تغيب، لا يخسر المواطن أمنه وخدماته وحدهما، بل تصبح أرضه عرضة لأن تُستخدم في نزاعات تتجاوز إرادته.
ليس المطلوب من اليمنيين أن يقابلوا الدعم السعودي بالثناء وحده، بل أن يقابلوا تاريخهم وما أصاب بلدهم بمسؤولية وطنية تضع بناء الدولة فوق مصالح الجماعات، وتصون علاقات الجوار من عبث السلاح.
فالسعودية ماضية في مشروعها التنموي بما تملكه من إمكانات ومؤسسات، واليمن أحوج ما يكون إلى استعادة قدرته على النهوض بإرادة أبنائه. وبين مسار المملكة التنموي وحاجة اليمن إلى النهوض مساحة واسعة للتعاون والمصالح المشروعة، لا ينبغي أن تظل رهينة حرب استهلكت من أعمار اليمنيين أكثر مما يحتملون.