للأزمات والمحن خيرٌ كبير، وإن كان ظاهرها غير ذلك؛ فهي تمنحنا رؤيةً أوضح، وتكشف لنا ما تستره أيام الرخاء.
كم من موقفٍ حسبناه وفاءً، فإذا به مصلحة، وكم من صداقةٍ اطمأننا إليها، فإذا بها كلامٌ ينتظر أول اختبارٍ ليتبدّل.
في الرخاء، يسهل أن يكون الجميع أصدقاء. تُقال عبارات المحبة، وتُرفع شعارات الأخوّة، وتزدحم المجالس بكلمات التقدير. لكن الشدة تسأل سؤالًا واحدًا: أين يقف أصحاب هذه الكلمات حين يصبح للموقف ثمن؟
هنا تبدأ عملية الفرز.
وبدايةً، للسعودية والسعوديين، ومنهم وإليهم: هذه الأرض، إن جف ماؤها فدماؤنا ماؤها، وإن اشتد الوطيس فبأرواحنا نفديها. وهذا قولٌ له شواهده؛ في الذين سبقونا إلى شرف التضحية، وفي اعتزاز أهاليهم، وفي شعبٍ يعرف موقعه حين يناديه وطنه. نسيجٌ تكشف الشدائد متانته، مهما حاول الخبث العابر في مواقع التواصل أن يصوّره على غير حقيقته.
أما خارج هذا النسيج، فإن للمحن وظيفةً أخرى: أن تضع المواقف تحت الضوء.
يتضح مَن يحب السعودية، ومَن يحب ما يأتيه منها؛ مَن يحفظ المعروف، ومَن يعدّه حقًا مكتسبًا ثم يتنكر لصاحبه؛ مَن يختلف معها ويؤجل اختلافه ليبقى منصفًا، ومَن ينتظر اختلافًا عابرًا ليُخرج حقدًا دفينًا.
وهذا بعض خير الأزمات؛ أنها تختصر علينا أعوامًا من السراب الذي يحسبه الضمآن ماءَ، وتمنحنا معرفةً قد لا تمنحنا إياها سنواتٌ من العلاقات الهادئة. فالمتلوّن يستطيع أن يُحسن اختيار عباراته طويلًا، لكن الموقف الصعب يضيّق عليه مساحة التمثيل حد الاختناق.
لم تقدّم السعودية يومًا خيرًا لتنتظر ردّه، ولم تمد يدها بالعطاء لتشتري محبة أحد.
وفي شعارها ما يلهم المعنى: نخلةٌ تمدّ خيرها، وسيفان يحفظان أمنها وكرامتها.
غير أن ذلك لا يُلغي حقها في قراءة المواقف، ولا يجعل التنكر للمعروف أمرًا يمرّ بلا دلالة. فالعطاء يكشف معدن صاحبه، والموقف منه يكشف معدن متلقيه.
ومن يتخذ الحياد ستارًا حين يتطلب القرار موقفًا واضحًا، يكشف هو الآخر حدود صداقته.
فهناك لحظاتٌ يصبح فيها الغموض جوابًا، ويصبح التهرب موقفًا، ولو اجتهد صاحبه في تسميته حكمة.
لهذا، فإن في المحن خيرًا للمملكة وقيادتها وشعبها؛ خير المعرفة، ووضوح الرؤية، ووضع الثقة في موضعها. نعرف مَن يستحق أن يقترب، ومَن ينبغي أن تُعاد قراءة علاقته بنا.
وأستحضر هنا بيتين بديعة للشافعي:
جزى الله الشدائد كل خير... وإن كانت تغصصني بريقي
وما شكري لها حمدًا ولكن... عرفت بها عدوي من صديقي
الأزمات تفرز.. والسعودية خالدة.