من فصول الدراسة إلى منصات البحث العلمي، سجل تعليم جدة حضوراً لافتاً في ملتقى «ملهم» الذي استضافته العاصمة الرياض الأسبوع الماضي، بعد اختيار ثلاث ممارسات تعليمية من مدارسه وكفاءاته التربوية ضمن ثماني ممارسات مميزة على مستوى إدارات التعليم بالمملكة، جرى انتقاؤها من بين أكثر من 700 ممارسة تعليمية موثقة بأبحاث علمية، ليحصد تعليم جدة النصيب الأكبر من الممارسات المختارة، في إنجاز يعكس قدرة الميدان التعليمي على تحويل التجارب الصفية إلى منجزات بحثية تتجاوز حدود المدرسة.
ولم يكن هذا الحضور مجرد مشاركة في ملتقى علمي، بل امتداداً لحراك تعليمي تتكامل فيه خبرة المعلم مع أدوات البحث والابتكار، حيث شهد الملتقى تقديم ممارستين على المسرح أمام المشاركين والمهتمين بالشأن التعليمي، فيما حضرت الممارسة الثالثة من خلال ملصق علمي استعرض نتائجها وأبعادها التطبيقية.
وجاءت الممارسة الأولى بعنوان «صوت أكثر ثقة» للمعلمة ريم مهدي عبدالله البقمي من ابتدائية دار الأرقم للطفولة المبكرة، التي تناولت توظيف أداة قائمة على الذكاء الاصطناعي لقياس أثرها في تطوير مهارات القراءة الشفهية باللغة الإنجليزية لدى طلاب الصف الثالث الابتدائي، في تجربة تستثمر التقنيات الحديثة لتعزيز ثقة المتعلم بقدراته اللغوية وتحسين أدائه.
أما الممارسة الثانية، فحملت عنوان «الرياضيات أقرب إلى عالمهم» وقدمتها رئيسة قسم جودة خدمات المركز الوطني للمناهج بتعليم جدة الدكتورة رحمة سليمان هادي ذاكر، بالتعاون مع المعلم حسن ظافر حسن الزهراني من ثانوية طليطلة، وتناولت أثر توظيف الرحلات المعرفية المعززة بأدوات الذكاء الاصطناعي في رفع مستوى التحصيل الأكاديمي وتحسين اتجاهات طلاب المرحلة الثانوية نحو الرياضيات، بما يفتح آفاقاً جديدة لتقديم المفاهيم العلمية بأساليب أكثر ارتباطاً بعالم المتعلم.
وفي مسار يجمع التقنية بالخيال والابتكار، برزت الممارسة الثالثة بعنوان «من المحاكاة إلى الإبداع» للمعلمة سامية جابر زوير السلمي من متوسطة وثانوية الغولاء، التي قدمت برنامجاً تدريبياً مقترحاً لإنتاج تطبيقات إنترنت الأشياء، وقياس أثره في تنمية التفكير الابتكاري ومهارات التصميم، في تجربة تنقل المتعلم من استهلاك التقنية إلى المشاركة في إنتاج حلولها وتطبيقاتها.
واكتسبت الممارسات الثلاث قيمتها العلمية من تجاوزها حدود التجربة الفردية إلى التوثيق البحثي، إذ نشرت نتائجها في مجلات علمية دولية عالية التأثير، وحصل أحد الأبحاث على جائزة دولية، الأمر الذي يعزز أهمية ربط الممارسة التعليمية بالبحث العلمي، وتحويل التجارب الناجحة إلى معرفة قابلة للتطوير والتطبيق وتبادل الخبرات.
من جانبها، هنأت المدير العام للتعليم بمحافظة جدة منال بنت مبارك اللهيبي المشاركين في الملتقى، مشيدة بما حققوه من حضور علمي يعكس تميز الكفاءات التعليمية والبحثية في مدارس المحافظة، ومثمنة جهودهم في تطوير الممارسات الصفية وتوثيقها وفق منهجيات علمية تسهم في تحسين جودة التعليم.
وأكدت اللهيبي أن هذا الإنجاز يجسد ما يمتلكه الميدان التعليمي في جدة من طاقات قادرة على البحث والتجديد والابتكار، مشيرة إلى أهمية استمرار دعم هذه الكفاءات وتمكينها من تطوير تجاربها وتحويلها إلى نماذج تعليمية قابلة للنقل والتوسع، بما ينعكس على جودة المخرجات التعليمية ويرتقي بنواتج التعلم.
ويؤكد هذا الحضور أن التميز التعليمي لم يعد يقاس بما يتحقق داخل جدران الفصول وحدها، بل بما تنتجه تلك الفصول من أفكار وتجارب وأبحاث قادرة على إحداث أثر يتجاوز حدود المكان، لتصبح المدرسة مساحة لصناعة المعرفة، والمعلم شريكاً في إنتاجها، والبحث العلمي جسراً يصل بين التجربة والتطوير.
من التجارب الصفية إلى المنجزات العلمية.. جدة تكتب فصلاً جديداً في التميز التعليمي
محليات