يُنسب للزعيم في الثورة البلشفية ليون تروتسكي قوله: «قد لا تكون مهتما بالحرب.. لكن الحرب مهتمة بك»، وهذا بالتأكيد هو قدرنا الجغرافي، الذي جعلنا نعمل بجد ليكون لدينا اقتصاد قوي ومتنوع وكفاءات تقنية متقدمة، غير مغفلين أهمية الاستثمار في قدراتنا العسكرية الدفاعية.
ولو استذكرنا كلمة مفتاحية للأمير سعود الفيصل، رحمه الله، وزير الخارجية الأسبق تحدث بها خلال مؤتمر صحفي عقب انطلاق عملية «عاصفة الحزم»، قائلا: لسنا دعاة حرب.. لكن إذا قرعت طبولها فنحن جاهزون، لذا من المهم أن لا نختزل موقف المملكة من اليمن في أحداث اليوم بل نعود إلى التاريخ القريب في أقله وأقصد 2011 في جذوة ما سمي بالربيع العربي.
وحينها اشتد الخناق على الرئيس علي عبدالله صالح وعلى المؤتمر الشعبي، ولاحقا أصيب الرئيس فذهب للعلاج في المملكة، وقدمت المملكة المبادرة الخليجية والتي رحب بها اليمنيون، وذلك حقنا لدمائهم وتجنبا للسيناريوهات الليبية والسورية التي شاهدناها، ولكن خان الثقة صالح، ثم خانها من بعده الحوثيون في كل موقف، وكان توقيعهم على كل اتفاق لا يعدو كونه نافذة لشراء الوقت وإعادة التموضع.
ومن ناحية أخرى وقعت المملكة اتفاقا يضمن عدم الاعتداء مع إيران برعاية صينية وذلك في مارس 2023، والتزمت به خلال الحرب الأمريكية الإيرانية التي انطلقت في فبراير الماضي، لكن إيران لم تلتزم به من طرفها، لكن الصين من ناحيتها لم تستخدم ثقلها السياسي للحفاظ أقله على ماء وجهها كراعية للاتفاق، بالإضافة إلى ما أوردته تقارير كثيرة عن كونها المزود الأول للمعلومات الاستخبارية والنظم الجغرافية للحرس الثوري والذي مكنه من استهداف دول الخليج.
وإذا ما ذهبنا إلى الحد الأدنى وهو مواقف الدعم، سيظهر نسق من بعض الدول ومنها الصين ودولة خليجية وبعض الدول العربية في أفريقيا، والتي تدعم المملكة وتستنكر الهجمات على مطاراتها وأعيانها المدنية في صيغة مبنية للمجهول، وكما يقول التعريف اللغوي فهو فعل لم يُعلم فاعله أو حُذف لسبب ما !
من جانب آخر نظر كثير من المحللين إلى الموقف الأمريكي كموقف متخاذل ومتقلب، حيث امتنع عن المشاركة العسكرية وتوجيه ضربات للحوثيين، وهناك بعض الكهوف ومخازن الذخيرة المختبئة في الجبال والتي يمكن لطائرات أمريكية معينة أن تصنع الفرق فيها، ومن جانب آخر قد يفسر ذلك بدعوى الضغط الانتخابي القادم حتى 3 نوفمبر والخشية من الضغط السياسي عبر فتح جبهتين، وفي الحالتين يبقى فتح قنوات اتصال بين الأمريكان والحوثيين غير مبرر إلا على نحو حرص الإدارة الأمريكية على الحفاظ على الهدنة.
من جانب آخر كُشف عن جهات مرتبطة بتمويل الحوثيين في دول عربية وإسلامية، ولكنها خضعت للعقوبات الأمريكية الأخيرة التي جففت منابع التمويل الإيرانية والحوثية لحد كبير، وللتمويل أهمية كبيرة استنادا إلى الوضع الاقتصادي الحوثي المتأزم منذ قبيل المعركة.
بالطبع هناك الكثير من ما تبين خلال المعركة من انسحابات للقوات الموجودة في المناطق التي سيطر عليها الحوثي من المخا وحتى باب المندب، وحديث عن تنسيق أو إيعاز لهذا التحرك مع أطراف خارجية، لكن أمانة البحث توجب علي عدم الجزم بذلك في غياب آلية توثيق محايدة، وستبدي الأيام ما كان خافيا.
مراكز أبحاث عدة صورت المملكة بأنها وقفت وحيدة في معركتها لحماية أراضيها ولحماية الملاحة في الممر الذي تمر منه 12% من تجارة العالم، وأن المملكة لم تتلق إلا ظواهر صوتية من الدعم، وبالتالي فينزلونه منزل «طعنة حياد الأصدقاء» لا خيانتهم بالضرورة، ويغفل هذا التحليل القدرات السعودية.
وهذا تحليل سطحي وغير واقعي ويجهل قدرات المملكة وتحالفاتها الوثيقة، وهنا يجب الإشادة بالموقف الفرنسي والبريطاني وكذلك الإيطالي، وصولا للاتحاد الأوروبي الذي كان من أكثر الجهات وضوحا في تسمية الأصيل والوكيل في الاستهدافات الأخيرة للأعيان المدنية، ويجب أيضا تقدير مواقف تحالف مكة وخاصة باكستان في دعمها العسكري للمملكة.
اليوم تقوم المملكة بضربات موجعة للحوثيين وعلى مختلف الجبهات، ولا يردون عليها إلا باستهداف المطارات السعودية ومحاولة تنفيذ كارثة إنسانية في تعز، وبالتالي مهاجمة المملكة ليس ضعفا في دفاعاتها بل منطلقه كمية الألم والخسائر التي يتكبدها الحوثي، لذا يريد أي صرخة لعلها توهم البعض بتعادل الكفة.
ستنتهي المعركة وسينفض السامر، ولكن المملكة ستذكر من وقف معها ومن خذلها، تماما كما في كل المواعيد السابقة، وكما تقول العبارة المختلف على قائلها في الأدبيات الأوروبية والأرجح أنها إيطالية: اللهم أكفني شر أصدقائي.. أما أعدائي فأنا كفيل بهم.