في صالة المسافرين بمطار الملك خالد، كان الناس ينتظرون رحلاتهم، كثير منهم بلباس الإحرام قاصدين مكة بقلوب مطمئنة، وآخرون عائدون إلى أهلهم أو ذاهبون إلى أعمالهم، ثم جاء الاعتداء الإرهابي الحوثي، وسقط اثنا عشر شهيداً وأكثر من ثلاثمئة جريح من ثماني جنسيات، سعوديون وبنغلاديشيون وأمريكي ومصري وأردني وسوري وفلسطيني وسوداني، لم يكونوا جنوداً ولا أهدافاً عسكرية، بل بشراً عاديين وراءهم أمهات ينتظرن وأطفال يسألون متى يعود أبوهم، ومن يقصف هذا المشهد لا يخوض حرباً بل يرتكب جريمة، وهو هجوم ليس معزولاً، فقد كان الثالث على المطار نفسه في أسبوع واحد بعد هجمات طالت مطار أبها ومواقع أخرى، والجماعة الإرهابية لا تخفي نهجها بل أعلنت تحذيرها لشركات الطيران الدولية من استخدام الأجواء السعودية، وهذا تهديد معلن للطيران المدني وإعلان صريح بأن حياة الركاب ورقة ضغط في يدها، ولا حجة تبرر هذا الفعل ولا سياق يخففه، فالقانون الدولي الإنساني واضح في حماية المدنيين والأعيان المدنية والمطارات المدنية في صدارتها، ومن يتعمّد استهدافها يضع نفسه خارج كل عرف وكل شرعية وتنطبق عليه صفة الإرهاب بلا مواربة، وهو ما قالته قوات التحالف حين وصفت الهجوم بأنه عمل إرهابي سيُرد عليه بحزم، وقد جاء التضامن كما هو متوقع، فأدانت الجامعة العربية وقطر والبحرين والإمارات والكويت والأردن، وأدانت واشنطن والاتحاد الأوروبي، وطالب مجلس التعاون المجتمع الدولي بموقف حازم ورادع، لكن الإدانة مهما كانت صادقة تبقى كلمات إن لم تتحول إلى فعل، والمطلوب اليوم أن يصير هذا الإجماع مساءلة حقيقية وضغطاً فعلياً وإغلاقاً لمنافذ التسليح والتمويل التي تمنح الجماعة قدرتها على الإيذاء، وهنا جوهر المسألة، فالحوثي لا يهدد السعودية وحدها بل يهدد منظومة الأمن والسلم الدوليين، إذ حين تُضرب مطارات الرياض وأبها فإن الملاحة الجوية العالمية هي المستهدفة، وحين تتعرض ممرات البحر الأحمر وباب المندب للخطر فإن سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة تدفع الثمن، ومن يعطل الطيران المدني في عاصمة يملك المنطق نفسه لتعطيله في أي عاصمة أخرى، فالخطر عابر للحدود ولا يُواجَه بمواقف مجزأة، ومع ذلك تُثبت المملكة مرة أخرى أن قوتها لا تلغي حكمتها، فهي تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع والردع كما أكدت في بياناتها منذ بدء التصعيد، لكنها لا تغلق باب التهدئة، والاتصال الأخير بين وزيري الخارجية السعودي والإيراني، الذي بحث التصعيد وسبل احتواء تداعياته، دليل على أن الرياض تبقي قنواتها مفتوحة، وقد أعلنت طهران من جانبها استعدادها للمساعدة في بدء محادثات لخفض التصعيد، وهذا الانفتاح ليس ضعفاً بل حساب سياسي مدروس، فالمملكة تدرك أن الأمن المستدام لا تصنعه الصواريخ وحدها وأن كل حرب تنتهي إلى طاولة تفاوض، لكنها تدرك أيضاً أن التفاوض الجاد له شرط أولا هو وقف استهداف المدنيين، فلا يمكن لطرف أن يطلب التهدئة بيد ويُطلق الصواريخ على المطارات باليد الأخرى، وعلى الحوثي أن يختار، فإما أن يكون طرفاً في تسوية سياسية تحفظ اليمن وتحمي المنطقة، وإما أن يبقى تهديداً يستدعي مواجهة دولية شاملة، وما عدا ذلك وهم، فدماء شهداء مطار الملك خالد تطالب العالم بألا يكتفي بالإدانة، وبأن يحمي الأبرياء ويحاسب من استهدفهم.