يتكرر العدوان الحوثي على الرياض، لكن رسائله تتجاوز الميدان العسكري. فاستهداف المطارات ينتقل من إيقاع الضرر بالمنشأة إلى تهديد حياة الناس والأعمال، ويهدف لجعل الحرب أقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية.
هنا تكمن الفكرة، فالجماعات المسلحة لا تحتاج دائماً إلى الانتصار؛ يكفي أحياناً أن تجعل هزيمتها مكلفة، وأن تقنع الخارج بأن بقاءها أقل خطراً من محاولة إنهائها. إنها تراهن على الخوف من الفوضى، وتحاول تحويل كلفة المواجهة إلى ضمانة لاستمرارها.
فمليشيا الحوثي تدرك أن موقعها في اليمن، بما يحيط به من تعقيدات سياسية وأمنية وإنسانية، يمنحها فرصة لتوسيع دائرة المخاطر. فكلما امتد التهديد إلى الملاحة والتجارة والطيران، ازدادت الحسابات الدولية تعقيداً. وبدلاً من أن ينصب الاهتمام على إنهاء النزاع، يصبح السؤال عن تكلفة ذلك، وما قد يترتب عليه من اضطراب إقليمي.
بهذا المعنى، يمكن قراءة استهداف مطارات المملكة بوصفه محاولة لرفع فاتورة المواجهة، على أمل أن يدفع الخوف من التصعيد المجتمع الدولي إلى التعايش مع الأمر الواقع. لكن هناك فرقاً بين جعل المشكلة أكثر تعقيداً والقدرة على حلها، وبين امتلاك وسيلة للإيذاء وامتلاك مشروع سياسي. فالفوضى قد تمنح المليشيا مجالاً للمناورة، لكنها لا تصنع شرعية.
في الحسابات السياسية، لا يعني إرباك الخصم تحقيق مكسب. قد يدفع العدوان على المطار شركات الطيران إلى مراجعة تقديراتها للمخاطر، وترفع تكاليف التأمين والتشغيل، لكنها لا تضمن انتزاع تنازلات سياسية. فالقدرة على إلحاق الضرر ليست مرادفاً للقدرة على فرض الشروط. ربما تنقلب المعادلة. فكلما اقترب التهديد من المنشآت المدنية وسلامة المسافرين، خرجت القضية من إطار النزاع اليمني إلى نطاق أوسع، يتعلق بأمن الطيران الدولي وحماية المدنيين. وقد تكون النتيجة تعزيز التعاون الأمني، وتطوير قدرات الدفاع الجوي والإنذار المبكر، وتوسيع الضغوط الرامية إلى الحد من تكرار الهجمات.
هذه مفارقة تغيب عن حسابات المليشيات؛ ما يراد به تضييق خيارات الخصم، قد يدفعه إلى توسيع تحالفاته، وما يستخدم لإثبات القدرة على الوصول، قد يتحوّل إلى حافز لتعزيز الحماية والردع. فالمطارات تتجاوز وظيفتها التشغيلية. إنها بوابات الدول إلى العالم، وشرايين للاقتصاد والتجارة والسياحة، ومساحات يفترض أن تعبرها الحياة بعيداً عن منطق الاستهداف العسكري. وتهديدها يثير سؤالاً أوسع عن مدى إمكان ترك المرافق المدنية رهينة لصراعات سياسية مفتوحة، ومنع تحول البنية التحتية إلى أدوات ابتزاز.
أما الرياض، فإن تعاملها مع هذه التهديدات يتخطى مسألة الدفاع عن منشأة فحسب، إلى حماية استمرارية الحياة، وضمان تدفق المصالح الاقتصادية، والحفاظ على قدرة الدولة على أداء وظائفها، ومنع الخطر من التحول إلى واقع جديد يفرض بالتدريج، أو يفرض إيقاعه على القرار السياسي. ولذا لم يعد اعتراض الصواريخ والمسيّرات وحده كافياً لضمان أمن الرياض والمنشآت الحيوية في المملكة، فالرد السعودي الحاسم سيستهدف إنهاء القدرة على تكرار الهجمات، لا الاكتفاء بإحباط كل هجوم على حدة. ومن حق المملكة، وفق القانون الدولي، الدفاع عن أراضيها ومواطنيها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لردع مصادر التهديد، بما يتناسب مع حجم الاعتداء ويحمي المدنيين.
إن الرسالة التي بعثتها الرياض واضحة؛ أمن السعودية ليس ورقة للمساومة، واستهداف مدنها ومطاراتها لن يفرض عليها تنازلات، وإنما سيستدعي إجراءات أكثر حزماً لحماية سيادتها. وهذه فلسفتها في الردع الحقيقي، إذ يبدأ حين يدرك المعتدي أن تكرار الهجوم لن يبقى بلا تبعات، وأن سياسة الابتزاز بالصواريخ لن تحقق أهدافها.