لم يعد السؤال عن مستقبل الذكاء الاصطناعي مقتصراً على ما تستطيع الآلات فعله، بل امتد إلى سؤال أكثر إثارة للقلق: هل يمكن أن تبلغ هذه التقنية من القوة والاستقلالية ما يجعلها تهدد وجود البشرية نفسها؟ سؤال يتردد في أروقة شركات التقنية ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام، وتتباين بشأنه مواقف العلماء والخبراء بين من يحذر من كارثة وجودية محتملة، ومن يرى أن المبالغة في تصوير هذا المستقبل قد تصرف الأنظار عن مخاطر حقيقية نعيشها اليوم. لكن وسط هذا الجدل، ثمة سؤال آخر ربما يستحق اهتماماً مماثلاً: ماذا لو لم يكن الخطر في أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً من الإنسان، بل في أن يتنازل الإنسان تدريجياً عن قدرته على التفكير والاختيار واتخاذ القرار؟
في مقال نشرته مجلة «رولينغ ستون» في سبتمبر 2026 بعنوان «لقد عملت في الذكاء الاصطناعي لعقد من الزمن.. إليكم لماذا لا أخاف منه»، تقدم رومان تشودري، المبعوثة العلمية الأمريكية السابقة لشؤون الذكاء الاصطناعي، رؤية مختلفة لمستقبل هذه التقنية. فمن واقع خبرتها الممتدة لأكثر من عقد في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمته، ترى أن انشغال بعض العاملين في صناعة التقنية بسيناريوهات انقراض البشرية قد حجب عن النقاش العام قضايا أكثر اتصالاً بحياة الناس، كفقدان الوظائف، والتضليل المعلوماتي، والتحيز الخوارزمي، وتأثير التقنية في الأطفال، والتكاليف البيئية المتزايدة لمراكز البيانات. وتتساءل، في جوهر طرحها، عن جدوى الانشغال بإنقاذ البشرية من خطر مستقبلي محتمل، بينما نتجاهل ما تتعرض له حياة البشر اليوم من تحولات عميقة بفعل التقنية نفسها.
لا تعني هذه الرؤية، بالضرورة، أن المخاوف المستقبلية لا تستحق البحث أو أن تطور الذكاء الاصطناعي يخلو من الأخطار؛ فثمة باحثون يحذرون من احتمال ظهور أنظمة فائقة القدرة يصعب على الإنسان التحكم في سلوكها أو التنبؤ بنتائج قراراتها، غير أن المسافة لا تزال واسعة بين الاحتمالات النظرية والأخطار التي ثبت وقوعها. وهنا تكمن أهمية التمييز بين ما يمكن أن يحدث في المستقبل وما يحدث بالفعل في حاضرنا. فحين يتركز النقاش العام على سيناريوهات انقراض البشرية، قد تتراجع في سلم الأولويات قضايا تمس ملايين البشر اليوم، وتستدعي قرارات عاجلة من الحكومات والمؤسسات وشركات التقنية. ومن ثم، يمكن القول، ليس المطلوب الاختيار بين الاهتمام بمخاطر الغد ومشكلات اليوم، بل منح كل خطر ما يستحقه من بحث واستعداد، بحسب ما نعرفه عنه من أدلة واحتمالات وآثار وتبعات.
والواقع أن هذه المفارقة تستحق التأمل؛ إذ لم تعد علاقتنا بالذكاء الاصطناعي مجرد علاقة مستخدم بأداة تساعده على إنجاز مهامه، وإنما أخذت تتحول إلى علاقة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الآلة مع تفكير الإنسان وتعلمه وعمله وتواصله مع الآخرين؛ فالأدوات التي بدأت بمساعدتنا على البحث والكتابة والترجمة أصبحت قادرة على اقتراح الأفكار، وصياغة الآراء، وتحليل المشكلات، وتقديم المشورة في قرارات مهنية وشخصية. وليس مستبعداً أن نجد أنفسنا، مع اتساع استخدامها وسهولة الوصول إليها، أمام جيل اعتاد الحصول على الإجابات الجاهزة قبل أن يتعلم كيف يطرح الأسئلة، ويلجأ إلى الآلة قبل أن تُمنح العقول فرصة؛ للتأمل والمحاولة والاكتشاف.
ولعل التعليم من أكثر الميادين التي تتجلى فيها هذه المفارقة؛ فمن جهة، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً غير مسبوقة لتخصيص التعلم، ومراعاة الفروق الفردية، وتوفير المساعدة التعليمية لملايين المتعلمين، وتجاوز الحواجز اللغوية والمعرفية. ومن جهة أخرى، فإن تحوله إلى بديل دائم عن الجهد الذهني قد يضعف المهارات التي يفترض بالتعليم أن ينميها أصلاً. فما قيمة أن يقدم الطالب بحثاً متقناً لم يشارك عقله في بنائه؟ وما جدوى أن يحصل المتعلم على إجابة صحيحة إذا لم يمتلك القدرة على تفسيرها أو مناقشتها أو التحقق منها؟ إن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات التعليمية ليس منع الطالب من استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما إعادة تصميم التعلم والتقويم بما يجعل التقنية وسيلة لتنمية التفكير، لا طريقاً مختصراً للاستغناء عنه.
هذه المخاوف لم تعد مجرد انطباعات تربوية؛ فقد كشفت دراسة نشرها باحثون من «مايكروسوفت» وجامعة «كارنيغي ميلون» عام 2025، شملت 319 من العاملين في المهن المعرفية و936 تجربة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل، عن علاقة تستحق الانتباه بين الثقة في مخرجات هذه الأنظمة وممارسة التفكير النقدي. فكلما زادت ثقة المشاركين في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز المهمة، انخفض الجهد النقدي الذي أفادوا ببذله، بينما ارتبطت ثقتهم بقدراتهم الشخصية بمزيد من التفكير والمراجعة. ورغم أن الدراسة اعتمدت على تقييم المشاركين لتجاربهم، ولا تثبت أن استخدام التقنية يؤدي بذاته إلى تراجع التفكير، فإنها تثير سؤالاً مهماً: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لنتعلم كيف نفكر بصورة أفضل، أم لنريح أنفسنا من مشقة البحث والتفكير؟ ولعل أخطر ما قد يصاحب الاعتماد المفرط على هذه الأدوات ليس أن تقدم لنا إجابات خاطئة فحسب، بل أن نفقد مع الوقت القدرة أو الرغبة في مساءلة الإجابات التي تقدمها.
وما ينطبق على التعليم يمتد إلى المؤسسات وبيئات العمل. فقد أصبحت الخوارزميات شريكاً متنامياً في تحليل البيانات، والتنبؤ بالاتجاهات، وتقييم البدائل، ودعم القرارات الإدارية. وهذه قدرات تحمل فرصاً اقتصادية وتنظيمية هائلة، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة تتعلق بالمسؤولية والمساءلة. فمن يتحمل تبعات قرار إداري خاطئ استند إلى توصية خوارزمية؟ وكيف نتأكد من أن البيانات التي بُني عليها القرار لم تتضمن تحيزاً أو قصوراً؟ وهل يمتلك المدير الذي يعتمد على الأنظمة الذكية القدرة المعرفية اللازمة لمراجعة توصياتها، أم أنه سيكتفي بالموافقة على مخرجات لا يفهم بالضرورة كيف توصلت إليها؟ هنا يظهر الفرق الجوهري بين الأتمتة التي تنقل المهام إلى الآلة، والتعزيز بالذكاء الاصطناعي الذي يوظف قدراتها لتوسيع إمكانات الإنسان، مع الاحتفاظ بدوره في التقدير والحكم وتحمل المسؤولية.
ولعل إحدى الوقائع التي شهدتها كندا تقدم مثالاً على هذه الإشكالية. ففي عام 2024، أصدرت جهة قضائية مختصة بتسوية المنازعات المدنية في مقاطعة كولومبيا البريطانية قراراً ضد شركة الخطوط الجوية الكندية، بعدما قدم روبوت المحادثة في موقعها معلومات غير صحيحة لأحد المسافرين بشأن استرداد جزء من قيمة تذكرته بسبب وفاة أحد أفراد أسرته. وعندما طالب المسافر بحقه استناداً إلى المعلومات التي تلقاها، رفضت الشركة طلبه، ثم حاولت التمييز بين مسؤوليتها ومسؤولية نظام المحادثة الذي قدم المعلومة. لكن القضاء حمّل الشركة مسؤولية المعلومات المنشورة عبر موقعها، بما فيها إجابات الروبوت. نعم، قد تبدو الواقعة محدودة الأثر، لكنها تطرح سؤالاً أوسع: إذا كانت مؤسسة ما مسؤولة عن معلومة خاطئة يقدمها نظام ذكي، فكيف سيكون الحال حين تعتمد المؤسسات على هذه الأنظمة في قرارات تمس توظيف الأشخاص أو فرصهم التعليمية أو حصولهم على الخدمات؟ إن تفويض بعض المهام إلى الآلة ينبغي ألّا يتحول إلى تفويض للمسؤولية الأخلاقية والقانونية عنها.
غير أن المسألة تتجاوز التعليم والعمل إلى ما هو أعمق من ذلك: علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين. ففي عالم تتطور فيه تطبيقات المحادثة الذكية إلى رفقاء افتراضيين قادرين على محاكاة التعاطف، وتذكر تفاصيل حياتنا، ومجاراة أفكارنا وتفضيلاتنا، قد يصبح التواصل مع الآلة لدى بعض المستخدمين أسهل من مواجهة تعقيدات العلاقات الإنسانية الحقيقية. وفي فضاء رقمي تتحكم فيه الخوارزميات بما نقرأه ونشاهده ونتفاعل معه، قد تضيق تدريجياً المساحة التي نمنحها للآراء المختلفة والتجارب غير المتوقعة. والمفارقة هنا أن التقنية التي يفترض أن توسع آفاق المعرفة والتواصل قد تسهم، إذا أسيء تصميمها أو استخدامها، في تضييق آفاق التفكير وتعميق العزلة الإنسانية.
تستحق هذه العلاقة الناشئة بين الإنسان والآلة قدراً أكبر من التأمل؛ فالتطبيق الذي يصغي إلينا بصبر، ويجيب عن أسئلتنا دون ملل، ويجاري اهتماماتنا، قد يمنح بعض المستخدمين شعوراً بالألفة والاهتمام. وليس في الاستفادة من هذه الإمكانات ما يدعو إلى القلق في ذاته، فقد توفر الدعم المعرفي وتخفف الشعور بالعزلة لدى بعض الأشخاص. لكن الإشكالية تبدأ حين تختلط محاكاة التعاطف بالتعاطف الإنساني الحقيقي، أو حين يصبح الحوار مع الآلة بديلاً عن العلاقات التي نتعلم من خلالها الاختلاف والتفاوض والتسامح وتقبل النقد. فالعلاقات الإنسانية لا تكتسب قيمتها من قدرتها على إرضائنا دائماً، وإنما أيضاً مما تفرضه علينا من فهم الآخرين ومراجعة مواقفنا والتعامل مع مشاعر لا تسير بالضرورة وفق ما نرغب فيه.
وهنا تبرز أهمية الحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي، لا بوصفها منظومة من القيود والإجراءات التقنية فحسب، بل باعتبارها إطاراً لحماية الإنسان وحقوقه واستقلاله في عالم تتسع فيه سلطة الخوارزميات؛ فالمطلوب ليس إبطاء الابتكار أو التخلي عن الفرص الاقتصادية والعلمية لهذه الثورة، وإنما بناء منظومة توازن بين التطور التقني والمصلحة الإنسانية، وتضمن الشفافية والمساءلة، وتحمي الخصوصية، وتحد من التحيز، وتمنح الأفراد والمؤسسات القدرة على فهم القرارات المؤثرة في حياتهم ومراجعتها والاعتراض عليها.
وفي المملكة، حيث تتسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وتتوسع تطبيقاته في قطاعات التعليم والصحة والصناعة والخدمات، تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة. فبناء القدرات الوطنية ينبغي ألّا يقتصر على إعداد المتخصصين في تطوير النماذج والخوارزميات، بل يشمل أيضاً إعداد جيل يمتلك المعرفة التقنية والتفكير النقدي والوعي الأخلاقي، وقيادات مؤسسية قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي دون التفريط في مسؤوليتها عن القرارات التي تتخذها. إن الاستثمار في الإنسان، بالتوازي مع الاستثمار في التقنية، هو ما يمنح هذا التحول قيمته التنموية والاجتماعية المستدامة.
قد يختلف العلماء والخبراء كثيراً حول احتمالات أن يبلغ الذكاء الاصطناعي مستوى يهدد وجود البشرية، ولا ينبغي الاستهانة بهذه الاحتمالات أو التعامل معها بوصفها حقائق محسومة. لكن ثمة مخاطر لا تحتاج إلى انتظار ذلك المستقبل البعيد؛ فهي تتشكل اليوم في مدارسنا ومؤسساتنا ومنازلنا، وفي الطريقة التي نفكر ونتعلم ونعمل ونتواصل بها. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على البشرية؟ بل: هل يمكن أن نفقد شيئاً من إنسانيتنا ونحن نسعى إلى امتلاك آلات تحاكي قدراتنا؟
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده قدرات الآلات وحدها، بل ستحدده كذلك اختيارات البشر والمؤسسات التي تطورها وتستخدمها وتنظم عملها. وقد لا يكون أعظم إنجاز نحققه في هذا العصر هو صناعة آلة تستطيع التفكير مثل الإنسان، وإنما أن ننجح في تسخير ذكائها لتوسيع قدراتنا وتنمية معارفنا، دون أن نفقد قدرتنا على التفكير المستقل، أو نتخلى عن مسؤوليتنا في اتخاذ القرارات، أو أن نسمح للتقنية بأن تحل محل الإنسان في ما ينبغي أن يظل من صميم دوره ومسؤوليته؛ فالقيمة الحقيقية لهذا التقدم لا تكمن فيما يمكن للآلة أن تفعله وحدها، بل فيما يستطيع الإنسان أن يحققه بمساعدتها.